دخل النِّظام السياسي في الكيان الإسرائيلي في أزمة سياسية كبيرة، مع الفشل في تشكيل حكومة تحظى بأغلبية النصف زائد واحد في الكنيست. وهو الفشل الثاني خلال بضعة أشهر، مما يرجح الذهاب إلى انتخابات عامَّة ثالثة خلال أقلّ من عام، لأول مرة في تاريخ إسرائيل.

يعود جانب من هذه الأزمة إلى النِّظام السياسي الإسرائيلي، الذي ينظم الانتخابات التشريعية (البرلمانية) على أساس النسبية الكاملة، وعلى أساس التعامل مع "إسرائيل" كدائرة انتخابية واحدة. وهو نظام يعكس تمثيلاً أدقّ لمختلف المكونات والقوى الحزبية، لكنه يُضعِف إمكانية حصول أي حزب على الأغلبية المطلقة، ويجعل الأحزاب الكبيرة عرضة لابتزاز الأحزاب الصغيرة، التي كثيراً ما تتمكن من فرض بعض شروطها، حتى يتمكن أي حزب كبير من استكمال النصاب المطلوب. وهذا ما يُضعِف الاستقرار السياسي لأي بلد.

لم تؤدِّ الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة للكنيست الثاني والعشرين، التي عُقدت في 17 سبتمبر/أيلولإلى نتائج حاسمة. ولم تختلف كثيراً عن نتائج انتخابات الكنيست السابق التي عُقدت في 9 إبريل/نيسان 2019. فأصبح حزب الليكود يملك 32 مقعداً مقارنة بـ35 مقعداً، وأصبح حزب أزرق أبيض يملك 33 مقعداً مقارنة بـ35 مقعداً. وأصبح حزب الجنرالات أزرق أبيض بقيادة بيني غانتس يملك من الناحية الرسميَّة الشكلية حقّ تشكيل الحكومة، غير أن الكتلة التي كان يستطيع ضمّها إلى تحالفه (يسار الوسط) لم تزد على 44 مقعداً (أزرق أبيض 33، والعمل-جيشر 6، والمعسكر الديمقراطي 5).

وكان عشرة نواب من القائمة العربية المشتركة مستعدين لإسناد هذا الائتلاف، دون ضرورة الدخول في حكومته، ليصبح لديه 54 مقعداً. أما الليكود بقيادة نتنياهو فالكتلة اليمينية التي تدعمه يبلغ مجموعها 55 مقعداً (الليكود 32، شاس 9، يهدوت هتوراة 7، يمينا 7)، لذلك حظِيَ أولاً بفرصة تشكيل الحكومة.

لماذا فشل تشكيل الحكومة؟

أولاً: كان لدى نتنياهو إصرار على رئاسة الوزراء، وأنه في حالة تشكيل ما يسمى حكومة "وحدة وطنية" بالشراكة مع أزرق أبيض، فيجب أن يبدأ هو أولاً للسنتين الأوليين، بحجة أنه يملك تكتُّلاً أكبر، ولأنه يريد أن يوفّر لنفسه شبكة أمان من احتمال إحالته إلى المحاكمة بتهم الفساد وخيانة الأمانة.

ثانياً: كان لدى غانتس (أزرق أبيض) إصرار أن يكون أولاً في حالة تشكيل ما يُسَمَّى حكومة "وحدة وطنية"، باعتباره الحزب الفائز في الانتخابات، ثم إن مبرّراً أساسيّاً لإنشاء هذا الحزب كان إزاحة نتنياهو عن الحكم. وكان لدى شريكَي غانتس الأساسيين (يائير لابيد وموشيه يعلون) رغبة قوية في عدم العمل تحت قيادة نتنياهو.

ثالثاً: لم ينجح نتنياهو في ضمّ ليبرمان إلى تكتُّله اليميني، على الرغم من يمينية ليبرمان القوميَّة الليبرالية المتعصبة، وذلك بسبب الفجوة الواسعة في التفاهم حول علاقة الدين بالدولة، وتحديداً تجنيد المتدينين اليهود (الحريديم)، وكان ذلك شرطاً أساسيّاً لليبرمان خاض على أساسه الانتخابات.

رابعاً: لم ينجح غانتس في ضمّ ليبرمان إلى تكتُّله، على الرغم من حصول تقدُّم كبير في المفاوضات بينهما، إذ إن تجاوز حاجز الـ61 صوتاً كان بحاجة إلى شبكة إسناد تقدِّمها القائمة العربية المشتركة، وهو ما يصعب على ليبرمان اليميني المتطرف قبوله، الذي اعتبر القائمة العربية "طابوراً خامساً" أو جهة معادية. بالإضافة إلى أن حزب "الجنرالات" ليس ميالاً إلى الاعتماد في تشكيلته على الإسناد العربي، ويَعدُّه إما خياراً مؤقَّتاً، وإما يستخدم الإعلان عن احتمال قبوله أداةً للضغط على نتنياهو للقبول باشتراطاته.

خامساً: لم تنجح فكرة تشكيل حكومة أقلية تدير الحكم بدعم أقل من 61 عضواً في الكنيست،ولكن مع صعوبة إسقاطها من الكتلة المنافسة، إذ عندما أخذ غانتس يناقش خيار تشكيل حكومة أقلية، تَعرَّض لهجوم كبير من أطراف صهيونية مختلفة على رأسها نتنياهو، الذي قال إنه إذا تشكلت هكذا حكومة فسيحتفلون في طهران وغزة ورام الله، وذكر أن عقد انتخابات ثالثة كارثة، لكن تشكيل حكومة أقلية بدعم القائمة العربية كارثة أكبر. وعقد نتنياهو مؤتمراً طارئاً لحزبه هاجم حزب أزرق أبيض لأنهم سيعتمدون على "العرب الإرهابيين" لتشكيل الحكومة. وبالنسبة إلى المعترضين فإن حكومة أقلية لا تقدر على مواجهة تحديات "الأمن القومي" التي يمر بها الكيان الإسرائيلي في هذه المرحلة.

سادساً: لم ينجح اقتراح الرئيس ريفلين في تشكيل حكومة "الرأسين" بحيث يكون أحدهما فعَّالاً والآخر معطلاً، ويكون فيها نتنياهو أولاً إلى حين انتهاء محاكمته، وبعد مئة يوم إذا لم يُبرَّأ يحقّ لغانتس أن يصبح الرئيس الفعلي للحكومة، إذ حالت اعتراضات قوية داخل أزرق أبيض دون ذلك.

محاكمة نتنياهو

بعد نحو ثلاث سنوات من التحقيقات، وفي21 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 أُعلِنَ أن المستشار القضائيّ للحكومة مندلبليت قرّر تقديم ثلاث لوائح اتهام ضدّ نتنياهو بتهم الرشوة والنّصب وخيانة الأمانة (الملفات 1000 و2000 و4000).

بذلك تَحوَّل نتنياهو من مشتبَه به إلى متهَم، وصار أمامه مئة يوم لإثبات براءته وإلا فسيتعرض للمحاكمة. ردّ نتنياهو على الاتهام بغضب واعتبر ذلك محاولة انقلاب، واتهم المحقّقين بأن تحقيقاتهم زائفة، وطالب بالتحقيق مع المحققين، وبإنشاء لجنة خارجية مستقلّة للنظر في الاتهامات.

في الوقت نفسه قرّر نتنياهو الاستمرار في ممارسة عمله رئيساً للوزراء، إذ إنه لا يلزمه شيء بالاستقالة إلا إذا صدر حكم نهائي غير قابل للاستئناف بإدانته، وهو ما قد يأخذ وقتاً طويلاً يصل لسنوات.

وعلى الرغم من عديد من مظاهر التضامن مع نتنياهو داخل الليكود وأحزاب اليمين، فإن صورته أخذت بالاهتزاز. ورأى 56% من الجمهور الإسرائيلي أن نتنياهو يجب أن يستقيل من منصبه بعد توجيه الاتهامات.

كما أن ذلك منح منافسي نتنياهو في الليكود فرصة للحلول مكانه في الزعامة، فهاجمه جدعون ساعر داعياً إياه إلى الاستقالة. واضطُرّ نتنياهو في 24 من الشهر الجاري إلى الموافقة على إجراء انتخابات داخلية لحزب الليكود خلال ستة أسابيع. غير أن ساعر لا يشكّل منافساً قويّاً، وما زالت حظوظ نتنياهو في الاستمرار في قيادة الليكود كبيرة.

المسارات المحتمَلة

حسب القانون الأساسي الإسرائيلي، وبعد فشل نتنياهو وغانتس في تشكيل الحكومة، أعاد الرئيس التفويض بتشكيلها إلى للكنيست، إذ يمكن لأي عضو كنيست خلال21 يوماً أن يشكل حكومة تحظى بتأييد 61 نائباً أو أكثر. وهو أمر مستبعد جدّاً. وهذا يعني أن الكيان الإسرائيلي يتجه نحو انتخابات ثالثة في 3 مارس/آذار 2020.

تشير استطلاعات الرأي في هذه الأيام إلى تحسُّن محدود في فرص أزرق أبيض بالفوز ليحصل على نحو 37 مقعداً، وتراجع ضئيل في فرص الليكود ليحصل على نحو 30 مقعداً، وهذا ما قد يوصل كتلة يسار الوسط إلى نحو 58 مقعداً.

وهذا لا يكفي أيضاً لتشكيل حكومة بأغلبية المقاعد، مِمَّا يفتح المجال لاستمرار الأزمة السياسية بعد الانتخابات الثالثة، وهذا قد يدفع الأحزاب السياسية في نهاية المطاف إلى الاستسلام والدخول في توافقات تؤدِّي إلى تشكيل حكومة.

أما الاحتمال الثاني فهو الذهاب إلى انتخابات رابعة إن لم يتم التوافق.

ويلوح في الأفق احتمال ثالث مرتبط بتغيُّر مزاج وموقف الناخب الإسرائيلي باتجاه إزاحة نتنياهو وتراجع حظوظ الليكود أكثر إذا لم ينجح نتنياهو في تبرئة نفسه خلال المئة يوم المحددة، ومِن ثَمَّ تتعاظم حظوظ أزرق أبيض في تشكيل الحكومة.

كما أنه ليس من المستبعَد احتمال رابع أن ينجح نتنياهو، إما بتبرئة نفسه، وإما بمحاولة تحقيق "منجزات" على الساحة الإسرائيلية تدفع باتجاه إعادة انتخابه. وهنا يبرز احتمال سعيه لتحقيق "بطولات" من خلال شنّ عدوان واسع على قطاع غزة أو الجبهة الشمالية، أو تنفيذ اغتيالات نوعية لقيادات المقاومة.

أما الاحتمال الخامس فهو أن تعترف الأحزاب بفشل منظومتها السياسية، وتتداعى إلى تغيير شروط العملية الانتخابية، لتجاوز مُعضِلات التعطيل الناشئة عنه، كالانتخاب المباشر لرئيس الوزراء، أو إعطاء مزايا خاصَّة للحزب الفائز، وغيرها.

وأخيراً، لا ينبغي المبالغة في توصيف أزمة المنظومة السياسية الإسرائيلية، إذ ما زالت البنية المؤسَّسية الداخلية قويَّة نسبيّاً، وما زالت الأطراف الصهيونية قادرة على إدارة خلافاتها كما فعلت على مدى السبعين سنة الماضية.

كما أن الاهتزاز الحاصل بسبب محاكمة نتنياهو له جانبه الإيجابي في الكيان باعتبار أن المنظومة الرقابية والقضائيَّة ومكافحة الفساد، ما زالت قوية وفعالة حتى في مواجهة أقوى رجال الحكم.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي