يمكن القول إن السياسات العامة الفرنسية في مجال التعاطي مع الفرنسيين من أصول غير فرنسية ومع إرثهم الفكري والحضاري وخصائصهم الاجتماعية والثقافية قد ساهمت في خلق توترات حادة تبرز ارتداداتها من حين إلى آخر وتتخذ أشكالاً عنيفة.

"لتغيير الحياة ينبغي البدء بتغيير الحياة السياسية"، هكذا قال عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، وهو قول يمكن الاستفادة منه في شأن ما تعيشه فرنسا اليوم من توترات اجتماعية عموماً، وخصوصاً في ما يتعلق بالمهاجرين إجمالاً، والمسلمين على وجه الخصوص.

في البداية علينا أن نعلم أنه وفق إحصائيات رسمية، يوجد في فرنسا مواطن من كل خمسة هو بالأصل مهاجر أو هو ابن مهاجر، لهذا بات سؤال إدماج المهاجرين مسألة مركزية مطروحة اليوم على الفاعلين السياسيين في فرنسا.

إذ لم يعد خافياً على أحد أن أحفاد شارل ديغول باتوا عاجزين إلى حد كبير عن استيعاب الفرنسيين من أصول غير فرنسية، وليس هذا فحسب، فمقولة الاندماج التي طالما تغنى بها الفرنسيون على امتداد عقود، باتت اليوم مجرد وهم مع ظاهرة "قلق" الهوية التي تعيشها فئات كبرى من المهاجرين، بخاصة من المسلمين الذين لم تعد فرنسا بالنسبة إلى الكثيرين منهم بلداً يطيب فيه العيش.

أقرأ أيضا:
فرنسا وسياسة صب الزيت على النار في شرق المتوسط

وهنا يمكن القول إن السياسات العامة الفرنسية في مجال التعاطي مع الفرنسيين من أصول غير فرنسية ومع إرثهم الفكري والحضاري وخصائصهم الاجتماعية والثقافية قد ساهمت في خلق هذه التوترات الحادة التي تبرز ارتداداتها من حين إلى آخر وتتخذ أشكالاً عنيفة.

ذلك أن فرنسا تعاملت معهم على قاعدة استغلال قدراتهم وتوظيف طاقاتهم في العمل سواء بالنسبة إلى الموجة الأولى من المهاجرين بخاصة من شمال إفريقيا وتحديداً من تونس والجزائر والمغرب، وهم يشكلون حتى اليوم العدد الأكبر من هذه الفئة الذين كانوا يعملون بالساعد من المستويات التعليمية المحدودة وأحياناً الأمية، أو من الموجات التي تلتها والتي كانت هجرات لذوي الكفاءات العلمية سواء لمواصلة الدراسة في الجامعات الفرنسية أو بحثاً عن آفاق أرحب للعمل والعيش الكريم هرباً من قسوة الظروف في بلدانهم.

وإذا كان بعض المهاجرين في مراحل معينة من التاريخ اعتبروا فرنسا الأم الرؤوم التي وفرت لهم ما لم ينعموا به في بلدانهم الأصلية، فإن الوضع تغير بشكل جذري في الفترات الأخيرة وازدادت الأمور سوءاً مع الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي لم ينجح في إدارة ملف استيعاب المهاجرين، وهو الذي سمح لنفسه بما لم يسمح به من سبقه من الرؤساء، بخاصة على مستوى التدخل في المستعمرات القديمة وإقحام نفسه من الملفات الداخلية لهذه البلدان.

ويكفي أن نقيم مقارنة بين فرنسا عام 1990، أي فرنسا فرانسوا ميتران التي اتسمت بالانفتاح والتعاون من أجل بناء الفضاء الأوروبي، وفرنسا 2020، فرنسا ماكرون التي تتسم بـ"وصم" مواطنيها من الأصول غير الفرنسية ومحاصرتهم.

وكانت السلطات الفرنسية في الماضي تتعامل مع قضية الهجرة، ليس على أساس أنها مشكل ينبغي حله بقدر ما هي مسار لا ينتهي أبداً، ومهمة الفاعل السياسي هي إيجاد السياسات الناجعة للإدماج المرن.

وإذا كانت فرنسا قد عرفت موجات هجرة أوروبية متعددة من الإيطاليين والبولونيين والبلجيكيين والإسبان والبرتغاليين الذين أصبحوا جزءاً من النسيج المجتمعي الفرنسي، فإن الإشكال المطروح اليوم هو بالنسبة إلى جنسيات أخرى من المهاجرين وعرقيات غير أوروبية، ونعني الأفارقة مثلا أو المسلمين من مختلف أنحاء العالم، الذين باتوا يشعرون بالكثير من التململ إزاء السياسات الفرنسية الحالية.

عندما يود الساسة الفرنسيون التباهي بالنموذج الفرنسي في مستوى سياسات الإدماج يرفعون ورقة الرموز، أولئك الذين ساهموا في إشعاع الحضارة الفرنسية.

اقرأ أيضا:
أزمة فرنسا المزمنة مع قطعة قماش

فشارل أزنافور وإيزابيل أدجاني وجاد المالح وميشيل دبوز ورشيدة داتي والطاهر بن جلون وإدغار موران وزين الدين زيدان وميشال بلاتيني وغيرهم هم أفضل السفراء الذين يقدمون صورة براقة عن الاندماج على الطريقة الفرنسية، ولكن هذا الوجه المشرق لنماذج من نجوم المجتمع الفرنسي وأسطورة مجدهم في الماضي والحاضر تبدو خادعة بالنظر إلى عمق التوترات الاجتماعية والمكابدة التي يعيشها المهاجر راهناً.

ويمكن تقديم صور مغايرة عن الجانب المظلم من هذه الصورة عبر شهادات حية لمهاجرين، وفي هذا الغرض يقول الصحفي والإعلامي سورو سولو، وهو فرنسي من أصل إيفواري: "يعلمونك أن تخجل من نفسك وثقافتك وأن تتبنى حضارة المهيمن وهو الفرنسي، هذه نتيجة غسل الدماغ التي يقوم بها الاستعمار... في المدرسة استنبطوا طريقة لإرغامنا على التحدث والتفكير باللغة الفرنسية، وإذا فاجأك أحد رفاقك وأنت تتحدث بلغتك الأم فعليه أن يخبر المعلم بذلك، ولإذلالك يضعون حول عنقك جمجمة حمار...".

كما أن هذه الصورة القاتمة تتجلى في فشل أداء الرئيس الفرنسي عموماً وفي ملف المهاجرين على وجه الخصوص، وآخر ما أقدم عليه هو خطابه بشأن الهوية الذي كان فاشلاً وكان هزيمة للقيم العلمانية، والدليل على ذلك وصفه للمسلمين بالانعزاليين، وهو يستعد لتقديم مشروع قانون يجري إعداده لمحاربة هذه الأفكار الانعزالية وفق تعبيره، وهو في الحقيقة يريد التعتيم على فشله الذريع في استيعاب المهاجرين.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي