لا تقتصر تداعيات "البريكست" على خسائر وأضرار موضعية متعددة؛ فالمأزق يتجسّد أساسا في ثقافة مرحلة تشاؤمية تنكفئ فيها الشعوب والنخب على الداخل ولا تُبالي بالتراجع عن التزامات ومعايير سابقة في مجال القيم والحقوق؛ التي كانت أوروبا عنوانا لها.

تنشغل بريطانيا بانفصالها الصعب عن أوروبا الموحدة، منذ أن قرّر استفتاء شعبي في سنة 2016 إخراجها من مشروع الوحدة الذي استغرق تشييده ثلثي قرن. وتتعثّر حكومة تيريزا ماي ومعها مجلس العموم في التوصل إلى صيغة مكتملة مع الاتحاد الأوروبي بشأن خطة "البريكست"، الذي يدنو أجل تنفيذه دون نضوج برنامج متفق عليه مع قادة الاتحاد. سيجرّ الانفصال الشاق تداعيات في أكثر من اتجاه؛ حتى بالنسبة لمكوِّناتٍ تَحمِل خلفية هجرة، ومنهم عرب أوروبا والمجتمعات المسلمة المحلية في القارّة.

يسير "البريكست" في اتجاه معاكس لمشروع الوحدة الذي نثر البشائر وفتح آفاقاً تواصلية بين مكوِّنات المجتمعات الأوروبية، وتطوّر معه التشبيك والربط بين الأقاليم. كما نشأ في ظلال الوحدة مجتمع مدني أوروبي رسّخ أقدامه ضمن جماعات الضغط واتحادات المصالح وتشكيلات اللوبي العاملة في بروكسيل وستراسبورغ حيث يلتئم برلمان الوحدة.

يسير "البريكست" في اتجاه معاكس لمشروع الوحدة الذي نثر البشائر وفتح آفاقاً تواصلية بين مكوِّنات المجتمعات الأوروبية

حسام شاكر

التمَس عرب أوروبا ومسلموها، مثل فئات ومجموعات إثنية عدّة محسوبة على خلفية هجرة؛ فرصاً في روح الانفتاح الجديد ضمن قارة كانت مفكّكة وقسّمها الستار الحديدي خلال الحرب الباردة. تجاوزت هذه المكوِّنات بالتدريج نطاق العمل المحلي في بلدان أوروبية متفرِّقة واتّجهت بالتزامن مع نضوج الوحدة إلى تشكيل اتحادات وتنظيم مؤتمرات وإطلاق مبادرات وإقامة مؤسسات وشبكات عمل على مستوى القارة. واكتسبت هوية هذه المكوِّنات المحسوبة على الأقليات والمهاجرين السابقين إحساساً بالتعزيز المتبادل وتكامل التجارب وتلاقح الخبرات بين أجزائها المبعثرة على الامتداد القاري.

استلهمت بعض أوساط العرب والمسلمين في أوروبا هوية أوروبية منفتحة، وظهر هذا جلياً لدى أوساط تتبنّى خطاب المواطنة والمشاركة الفاعلة. نما شعور بهوية أوروبية متخيَّلة لا تتنكّر للخصوصيات الثقافية الذاتية للمكوِّنات، فعبّر هؤلاء العرب والمسلمون من خلال نزعة "الأوْربة" عن ولَع زائد أحياناً بأوروبا عن المنسوب القائم لدى المكوِّنات التقليدية ضمن شعوب القارّة.

وبادرت كثير من المؤسسات والجمعيات والاتحادات التي تجمع العرب والمسلمين والإثنيات المحسوبة على خلفية هجرة؛ إلى تثبيت الوصف الأوروبي في أسمائها وشعاراتها ورموزها بصفة مبالغ فيها أحياناً، وهي رسالة انتماء مفادها أنهم "أوروبيون أيضاً". سعى بعض العرب والمسلمين إلى التواصل والعمل المدني على المستوى القاري الذي يتجاوز التصنيفات المحلية والوطنية ضمن بلدانهم الأوروبية، وأتاحت هذه الحالة فرصاً للتواصل والتشبيك ضمن المشهد الإثني الفرعي الواحد عبر القارة؛ أي بين عرب أوروبا ومسلميها، بما عزّز الإحساس بالذات الجمعية واستفاد من زوال الحدود والحواجز بين دول الاتحاد.

صار "البريكست" تعبيراً عن موسم التشاؤم الأوروبي الذي تعلو فيه نزعات شعبوية لا ترحب بالتنوع الثقافي والتعددية المجتمعية

حسام شاكر

لكنّ "الشعوب الأصلية" لم تعد متحمِّسة لأوروبا الموحدة على ما يبدو، وتلاشى في عيونها بريق "الصور العائلية" الحافلة بالابتسامات في مؤتمرات القمّة. صعدت نزعات متشائمة وضيِّقة الأفق ترى في الهوية الأوروبية المشتركة نقيضاً للهويات الوطنية ضمن الدول الأعضاء، ثم نجحت حملة "البريكست" في استصدار قرار شعبي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "كي تستعيد استقلالها، وكي تعود عظيمة مجدداً"، كما قيل في شعارات حالمة تفرّ من هواجس المستقبل نحو ماضٍ مُتخيّل.

استدرجت بريطانيا ذاتها إلى تصويت إشكالي للغاية على بقائها في الاتحاد الأوروبي، وحسمت أغلبية ضئيلة قرار الخروج. من الواضح أنّ البريطانيين اقترعوا تحت تأثير الأخبار المزيّفة وسطوة المعطيات المضلِّلة التي راجت في الشبكات الاجتماعية وتطبيقات التواصل؛ علاوة على مفعول حملة شعبوية حرّضتهم على الخروج من الاتحاد الأوروبي واسترجاع "استقلال بريطانيا العظمى". صار "البريكست" منذ ذلك الحين تعبيراً عن موسم التشاؤم الأوروبي الجديد؛ الذي تتأجّج فيه الهواجس وتعلو فيه نزعات شعبوية وانغلاقية لا ترحِّب بالتنوع الثقافي وبمظاهر التعددية في المشهد المجتمعي. إنه اتجاه عكسي لما أراده حكماء السياسة الأوروبيون الذين صنعوا الوحدة والانفتاح بخطوات دؤوبة استغرقت عقوداً طويلة بعد الحرب العالمية الثانية. تطفح المرحلة الجديدة بحمّى شعبوية متفاقمة من السويد شمالاً حتى إيطاليا جنوباً، وتتخلّلها رِدّة قيَمية متسارعة تُذكي روح انغلاق في وجه الهجرة واللجوء وتؤجِّج ثقافة حظر تستهدف خصوصيات دينية وثقافية للعرب والمسلمين بمشروعات قوانين متلاحقة تسعى إلى تقييدها ومنعها وتجريمها.

يشكل البريكست حالة غير مريحة للتنوع الثقافي في أوروبا أو للعرب والمسلمين القاطنين فيها والقادمين من خلفيات مهاجرة

حسام شاكر

لم تَعُد أوروبا الموحدة ذلك الاتحاد للفحم والصلب الذي نهض عام 1952 والذي شكّل نواة مشروع الوحدة، فالتجربة ترى ذاتها أيضاً ائتلافاً قيمياً ضامناً لحقوق الإنسان، حتى أنّ البرلمان الأوروبي أوقع عقوبات على المجر مؤخراً بسبب التجاوزات الجارية تحت قيادة فيكتور أوربان، كما فرض عقوبات على النمسا مطلع القرن الجاري عندما شكّلت ائتلافاً حكومياً ضمّ أقصى اليمين الذي خاض حملة انتخابية مشبّعة بالعنصرية. وظلّت الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة تناهض الاتحاد الأوروبي وترى فيه تحدياً لنزعتها القومية المنغلقة على الذات علاوة على ما تشكِّله نُظُم الاتحاد من كبح محتمل لتطلّعاتها.

قد يشي "البريكست" بروح انغلاق تتنصّل من بعض الالتزامات الأوروبية؛ ومنها ما يتعلّق ببعض القيم والحقوق. كما تعبِّر الحالة من بعض وجوهها عن تدهور الوجهة السياسية وتشنّج الخطاب أسوة بظاهرة دونالد ترامب؛ الذي يتصدّر المتحمِّسين للطلاق البريطاني-الأوروبي. ليست هذه، عموماً، حالة مريحة للتنوّع الثقافي في بلدان القارة، أو للعرب والمسلمين وحاملي خلفية هجرة في أوروبا المتغيِّرة بصفة خاصة. لا تقتصر تداعيات "البريكست" على خسائر وأضرار موضعية متعددة يجوز توقُّعها وتقديرها؛ فالمأزق يتجسّد أساساً في ثقافة مرحلة تشاؤمية محفوفة بالهواجس تنكفئ فيها الشعوب والنخب على الداخل ولا تُبالي بالتراجع عن التزامات ومعايير سابقة في مجال القيم والحقوق؛ التي كانت أوروبا عنواناً لها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.
المصدر: TRT عربي