الرئيس التونسي قيس سعيد (Others)

وعبّر عن ذلك صراحة في سياقات متعدّدة منذ سنة 2011 ثمّ 2013 تحت عنوان "التّأسيس الجديد"، وكان حواره مع إحدى الصّحف التّونسيّة سنة 2019 وثيقة مهمّة تبرز بعض عناوين رؤيته التّأسيسيّة التي يبشّر بها والتي تندرج ضمن ما اعتبره فكراً سياسيّاً جديداً يقتضي ترجمته في نصّ دستوريّ جديد.

وجوهر هذه الرّؤية التّأسيسيّة قائم على أزمة الدّيمقراطيّة التّمثيليّة في العالم ممّا يفتح الباب للدّيمقراطيّة المباشرة من خلال "البناء القاعديّ" الذي ينطلق من المحليّ نحو المركز حيث يتم التّصعيد من المجالس المحلية إلى الجهوية ثم إلى المجلس الوطني (البرلمان)، فتحذف بذلك الانتخابات التّشريعيّة ليتشكّل المجلس النّيابيّ ممّن يقع تصعيدهم من المجالس المحليّة ثمّ الجهويّة بالقرعة.

وقد أعلن قيس سعيّد بذلك منذ بداية حملته الانتخابيّة لكن خارج فضاءات الحملة الرّسميّة عن نهاية عهد الأحزاب، إذ صارت الشّعوب تنتظم بطريقة جديدة، مشيراً في هذا الصّدد إلى ما حدث وقتها من تحرّكات في فرنسا والجزائر والسودان، واعتبر أنّ الأحزاب مآلها الاندثار باعتبارها مرحلة وانتهت في التاريخ، فقد برزت في وقت معين من تاريخ البشرية.

وصرّح في حواره للصّحيفة المذكورة بأنّ الأحزاب "بلغت أوجها في القرن 19 ثم في القرن 20 ثم صارت بعد الثورة التي وصلت على مستوى وسائل التّواصل والتّكنولوجيات الحديثة أحزاباً على هامش الدّنيا في حالة احتضار، قد يطول الاحتضار لكن بالتأكيد بعد سنوات قليلة سيتنهي دورها".

كما اعتبر أنّ هذه الأحزاب لو كان لها وجود فعليّ لقادت الانفجار الثّوري الذي عاشته تونس إبّان ثورة 17/12/2010 واعتبر أنّ مآل هذه الأحزاب هو الاندثار بشكل تلقائيّ دون حاجة إلى إلغائها، بل ستظهر بديلاً منها أشكال أخرى من الانتظام مختلفة عنها تنسجم مع دخول الإنسانيّة مرحلة جديدة من التّاريخ عنوانها الانتقال الثّوري تقودها الشّعوب لا الأحزاب التي انتهى دورها.

كان يُفتَرَض بعد كلّ هذا التّحليل أن تفقد الأحزاب جدوى وجودها من تلقاء نفسها بلا حاجة إلى الانقلاب عليها لتحلّ محلّها أشكال أخرى من الانتظام التي تعبّر عن إرادة الشّعب وتستجيب لانتظاراته وتحقّق أهدافه، لكن يبدو أنّ الرّئيس المنتخب استعجل الأمر ولم ينتظر "احتضار الأحزاب" وموتها الطّبيعي بفعل الزّمن فيها، بل استعجل الأمر ليطلق عليها رصاصة الرّحمة ويقلب المنظومة برمّتها من خلال تعليق أعمال البرلمان ورفع الحصانة عن نوّابه وسحب صلاحية التّشريع منهم لينقلها إلى شخصه من خلال مراسيم غير قابلة للطّعن والنّقض، ويحيل بذلك الأحزاب إلى عطالة سياسيّة، فهم ليسوا جزءاً من أيّ حوار أو تشاور، بل هم تحت طائلة القانون في انتظار تفعيل عقوبات لمن يفترض ارتكابه لتجاوزات انتخابيّة.

لا اختلاف في تونس على رداءة المشهد السياسي الحزبي والبرلماني الذي أدّى إليه فشل الأحزاب في بناء المشترك بينها وإنجاز التّوافقات التي تمكّن من تفعيل مؤسّسات الدّولة في ظلّ قانون انتخابيّ يشتّت المشهد البرلمانيّ ويفتّت الكتل بما يمنع وجود أغلبيّات حزبيّة أو ائتلافيّة حاكمة، ممّا تسبّب في اضطراب أداء مؤسّسات الدّولة وما انعكس عليه ذلك من تعطّل مصالح المواطنين في وضع صحيّ واقتصاديّ واجتماعيّ صعب أدّى إلى شعور عامّ بالاحتقان والإحباط.

لكن جزءاً من تعفّن الأوضاع في المؤسّسة التّشريعيّة كان مبرمَجاً ومقصوداً لترذيل المؤسّسة التّشريعيّة وتنفير النّاس من الأحزاب.

وقد ساهم الرّئيس نفسه في مزيد تعكير الأجواء بتعطيل قيام المحكمة الدّستوريّة ورفض أداء اليمين للوزراء الذين صدّق عليهم البرلمان بدعوى شبهة فساد تتعلّق ببعضهم.

ووصل الاحتقان داخل البرلمان إلى حالة من الشّلل المتزامن مع شلل الحكومة نفسها، لتكون الفرصة ملائمة لتفعيل الفصل 80 من الدّستور "فصل الخطر الدّاهم" بتوسّع متعسّف في التّأويل خرج عن منطوق النصّ ومقاصده وكان بمثابة الثّقب الذي نفذ منه الرّئيس إلى البدء في تنفيذ مشروعه بإعادة تشكيل منظومة الحكم الجديد بنسق سريع وفق الرّؤية التي أعلن. منظومة بلا ديمقراطيّة تمثيليّة، بلا أحزاب، مع مراجعة لمخرجات المنظومة المنقلَب عليها بمؤسّساتها وهيئاتها ومجالسها.

هو بنظر الرّئيس وأنصاره بناء جديد لا مكان فيه للأحزاب التي وصفها الرّئيس بـ"الفاسدة، الخائنة لإرادة الشّعب، المتآمرة مع لوبيات الفساد، العميلة للخارج ..."، هو زمن جديد تعاد فيه صياغة التّراتبيّة الهرميّة للسّلطة انطلاقاً من المحلّيّ إلى الوطني المركزيّ بما يفتح لثورة سياسيّة ثقافيّة عنوانها "الشّعب يريد".

بعيداً عن الجدل القائم حول نقد الدّيمقراطيّة التّمثيليّة التي يعتبرها بعض الأطروحات نتاجاً للنّظم الليبيراليّة ومنظومة السّوق الرّأسماليّة التي تنتج مؤسّسات حامية للطّبقة البرجوازيّة ومصالحها وضامنة لاستمرار عولمة الاقتصاد على المستوى العالمي بشكل يكرّس التّفاوت واستمرار الهيمنة على الدّول التّابعة عبر الصّناديق المانحة التي تفرض الدّيمقراطيّة التّمثيليّة شرطاً للدّعم بما يمكّن من اختراق المؤسّسات التي تصنع السّياسات وتصدّق على القوانين عبر المال السياسي ولوبيات الدّعم والإسناد... بعيداً عن كلّ هذا الجدل الذي يتوفّر على أقدار من الوجاهة، يطرح ما يحدث في تونس من سرعة نسق تشكيل منظومة جديدة بلا أيّ تفويض شعبيّ حقيقيّ، الكثير من الأسئلة عن المستقبل:

هل انتهى دور الأحزاب التي تعتبر فضاءات لتأهيل القيادات للحكم؟ هل بإمكان الرّئيس أن يحمل على عاتقه عبء الأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في غياب الأحزاب والمنظّمات الوطنيّة والمجتمع المدنيّ؟ هل ستنتقل عطالة الأحزاب إلى المنظّمات الوطنيّة التي ستندثر بدورها لتحلّ محلّها أشكال الانتظام الجديدة؟ ما البديل من الأحزاب والنّقابات والمنظّمات الوطنيّة والهيئات الدّستوريّة؟ ما مستقبل البلد في ظلّ النظريّة السياسيّة الجديدة التي كان التّأويل التعسّفي للفصل 80 من الدّستور مدخلا لإنفاذها؟

للجواب عن هذه الأسئلة واستشراف مستقبل البلد لا بدّ من تأكيد أنّ موطن الخلاف مع هذه الرؤية الجديدة التي يُراد تكريسها في الواقع هو السّبيل الذي اتّخذته في تناقض صارخ مع العنوان الذي اختارته "الشّعب يريد"، إذ جعلت تحرّك بضعة آلاف من الغاضبين والمزاج العامّ المُحْبَط من أداء البرلمان شكلاً من التّفويض الشّعبي الذي أسند سلطات مطلقة إلى الرّئيس ليكون المنقذ والمعبّر بشكل حصريّ عن إرادة الشّعب، في عمليّة تقمُّص واستبطان ذاتيّ لهذه الإرادة.

إضافة إلى ذلك نشهد تشكُّل تنسيقيّات وأطر متعدّدة مختلفة المشارب والمرجعيّات كحزام سياسيّ ساند بديلاً من الأحزاب والجمعيّات تقوم بدور التّعبئة والحشد الشّعبي لأنصار الرّئيس وشيطنة مخالفيه.

هذا التوجّه لا يمكن أن يُصنَّف إلّا خارج المنظومة الدّيمقراطيّة، سواء كانت تمثيليّة أو قاعديّة مباشرة، بل هو أقرب إلى ما أطلق عليه في بعض الدّساتير الغربيّة "الدّكتاتوريّة الدّستوريّة"، رغم اختلاف السّياقات التي ظهر فيها هذا المفهوم والضّوابط والشّروط التي أحيط بها حتّى لا يتحوّل إلى دكتاتوريّة مطلقة خاصّة في بلد أنجز ثورة عنوانها الأبرز إرادة الشّعب.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً