تمر التجربة التونسية الديمقراطية بفترة عصيبة، إذ عرفت في غضون الأسابيع المنصرمة أحداثاً متواترة تلقي بظلالها وتؤثر سلباً على مسارها، منها تعثُّر أشغال البرلمان وأعمال شغب وبلطجة في رحابه، واستقالة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ على أرضية تضارب المصالح.

هذا فضلا عن تصريح رئيس الجمهورية قيس سعَيِّد، بالأدوات التي يتيحها له الدستور لحماية المؤسسات، وهي إشارة إلى إمكانية حل البرلمان، بجانب زياراته المتكررة لمقرات الجيش والإشادة بدوره.

رأى البعض فيما يجري إرهاصاً لما عرفته مصر قبل سبع سنوات من تهييج الشارع وعرقلة سير المؤسسات، وانتهى الأمر بالإطاحة بالرئيس محمد مرسي. لكن هذا الاحتمال مستبعد في الحالة التونسية بالنظر إلى طبيعة الثقافة السياسية التونسية، وتوجهات المؤسسات بها، وبخاصة الجيش.

لتونس في العالم العربي مكانة خاصة، فلها تاريخ عريق في التعايش مع كل الأطياف المذهبية والعقدية، ولها ثقافة مسالمة لا تجنح للعنف، ولها نزوع عقلاني حتى في أعرق مؤسسة دينية وهي الزيتونة، وقدمت تلك المؤسسة فطاحل زاوجوا ما بين النقل والعقل.

لذلك يُعتبر ما عاشته تونس في ظل النظام الدكتاتوري لبن علي مخالفاً لطبيعة تونس وتاريخها وثقافتها. وتعتبر ثورتها التي أطاحت بالنظام الدكتاتوري لزين العابدين بن علي عودة إلى طبيعة الأشياء.

وما لبثت تلك الهبَّة التي انطلقت شرارتها من تونس أن تجاوزت الحدود، وألهبت الحراك في أغلب أرجاء العالم العربي، وظلت الأنظار منذ ذلك الحين منصبَّة على بلد أبي القاسم الشابي.

لم يعد الرهان الإطاحة بنظام مستبد لكن بناء بديل سياسي له جاذبية، من خلال إرساء أسس الديمقراطية، واقتصادياً من خلال توزيع عادل للثروات، وثقافياً من خلال تماثل النخبة المهيمنة مع الجماهير وثقافتها وهمومها وتوجهاتها. لذلك ظلت الأنظار منصبَّة على تونس كنموذج قابل للاحتذاء ترصد تطوُّرها.

شقت تونس طريقها نحو الديمقراطية، وعرفت انتخابات حرة وتداولاً على السلطة، وأسعفتها ثقافة سياسية تقوم على التراضي عوض الصدام، لكن كما في كل ثورة لم تهدأ الثورة المضادة التي تستند إلى شبكة من أصحاب المصالح، والبنية التكنوقراطية في الإدارة، وتوظف الأزمة الاقتصادية وخطر الإرهاب، وتستفيد كذلك من الوضع الملتهب في ليبيا.

أخذ توجُّه ضرورة تغليب الأمن يسري، وأخذ الحنين إلى عهد بن علي يتسرب في الخطاب، لكن القوى الحية في تونس والمجتمع المدني ظلوا مشدودين إلى الديمقراطية على الرغم من التشويش والصعاب الاقتصادية والسياق المضطرب الذي تعرفه المنطقة.

تظل تونس البلد الوحيد في العالم العربي الذي يصوت فيه رئيس سابق على رئيس لاحق. وتظل التجربة الوحيدة التي لم يعد الرئيس مخلَّداً إلى أن ينتزعه الموت أو انقلاب عسكري، والبلد الوحيد الذي يصبح فيه الرئيس السابق مواطناً لا ينتهي به الأمر في السجن أو المنفى أو الإعدام.

لكل ذلك كنت أعتبر تونس ليست فقط بلداً ولكن فكرة بالأساس، فكرة تهوى إليها قلوب كل الذين يتوقون إلى التغيير السلمي في العالم العربي وفق قواعد الديمقراطية ومعانقة الديناميات الشعبية.

في التجربة التونسية قضايا تهم التونسيين ولا أحد سواهم، فهُم من يحدد الأولويات والتوجهات والأسلوب، لكن تونس باعتبارها فكرة لا تهم التونسيين وحدهم، وتجربتهم إن نجحت فستكون منارة يهتدي بها العالم العربي وتدحض الفكرة القائمة لدى اتجاهات في الغرب بأن العالم العربي غير قادر على أن ينغمر في سلك الديمقراطية أو يستوعب ثقافتها ويتبنى آلياتها.

في التجربة التونسية قضايا تهم التونسيين ولا أحد سواهم، لكن تونس باعتبارها فكرة لا تهم التونسيين وحدهم، وتجربتهم إن نجحت فستكون منارة يهتدي بها العالم العربي

حسن أوريد

لا يمكن طبعاً أن نختزل الديمقراطية في الانتخابات، فهي تستند إلى معطىً أساسي وهو السيادة الشعبية، وهي الفكرة الثورية المزعجة في العالم العربي لاتجاهات أوليغارشية (حكم الأقلية) أوطُغمات عسكرية لا تنظر بعين الارتياح إلى ما يجري في تونس، ولا تريد للتجربة التونسية أن تنجح، لأنها تُقوِّض المرجعيات التي تعتمدها تلك الاتجاهات من سلطوية وأوليغارشية في الحكم، وتسعى من أجل ذلك إلى إجهاضها في المهد، هذا فضلاً عن الوصاية الفرنكوفونية التي لا ترى بعين الرضا الدينامية التي تعتمل في تونس ثقافياً وسياسياً.

وتستند المظلة الفرنكوفونية إلى شبكة مؤثرة في البنية التقنية ومصالح اقتصادية وضغوطات مالية وإعلامية، وتمارس امتداداتُها نوعاً من التشويش الخفي. إلى ذلك فإن التوجهات التي عبَّر عنها الرئيس التونسي قيس سعيد حيال القضية الفلسطينية ليس من شأنها أن تروق للاتجاهات الصهيونية أو الصهيونية الجديدة.

ليست الديمقراطية قراراً بل مسار يكتنفه مد وجزر، ولم يكن لأحد أن يتوقع أن تنجح التجربة التونسية بين عشية وضحاها بعد ليل طويل من نظام بوليسي مقيت.

والمؤكد أن الأزمة الاقتصادية التي يعرفها البلد الذي يعتمد في جانب كبير من إيراداته على السياحة تؤثر سلباً على التجربة الديمقراطية وتؤجج التوتر الاجتماعي. والمؤكد كذلك أن الوضع غير المستقر في ليبيا له تداعيات على تونس، لكن على الرغم من كل تلك الصعاب، فالتجربة التونسية محكوم عليها بالنجاح.

عوامل الفشل قائمة، وهي التي ألمعتُ إليها والمتمثلة في التدخلات الخارجية والتضخيم الإعلامي لبعض الظواهر المشاغبة والأزمة الاقتصادية، لكن عوامل النجاح تفوق عوامل الفشل أو الإفشال على الأصح، ومنها وعي القوى الحية بضرورة إنجاح التجربة التونسية، والثقافة السياسية في تونس، والمهم دور الجيش، فهو منذ بداية الثورة انصاع لخيار الشعب، ولم يكن قط بديلاً عن القوى الحية أو سلطة موازية، واقتصر دوره على حماية الدولة ومؤسساتها وأمن الشعب.

التجربة الديمقراطية التونسية لا تهم تونس وحدها، ومحكوم عليها بالنجاح، وكل تعثر أو كبوة ستكون له انعكاسات وخيمة ليس على تونس وحدها. محكوم على التونسيين بالنجاح في مسارهم الديمقراطي لأنفسهم ولقوى التغيير السلمي في العالم العربي.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي