إن الدعوات الصادرة من قبل أفراد بعينهم لإسقاط الجنسية عنهم لا تعد في حد ذاتها خيانة للوطن، بل هي حالة للتعبير عن اعتراضهم واحتجاجهم على سوء تصرف حكوماتهم معهم، وحرمانهم من حقوقهم المشروعة.

مشهدان من المغرب الحديث يلعن أحدهما الآخر: أبطال قبيلة أنجرة ينكسون علم إسبانيا فيطأونه بأقدامهم ويمرغونه في الفضلات العضوية بعد أن استبدت بهم الحميّة والغيرة للوطن وهاجموا نقطة عسكرية أقامها الجيش الإسباني خارج مدينة سبتة المحتلة، في النصف الأخير من القرن التاسع عشر.وجماهير فريق مغربي لكرة القدم، قد يكون من بينهم شبان من أصلاب نفس الأبطال، رافعين أعلام إسبانيا فوق هاماتهم وهم يجوبون شوارع تطوان.

المشهدان يختزلان حالتين شديدتي التباين من حالات الرفض، صادرتين عن الحاضنة الشعبية ذاتها، ليس أمامنا خيارٌ سوى التوفيق بينهما في محاولة للفهم.هل يعكس تعاقبهما الزمني حدوث انقلاب جذري في الوعي الجمعي وبواعثه الموضوعية المرتبطة بالأرض والدين والتاريخ؟ أم أن كليهما لا يعدوان كونهما ردة فعل مناعية متشنجة، وحالة دفاع عن النفس يائسة يحاول فيها البعض أخذ المبادرة بعد أن تخلى عنه الكلّ والخروج بأقل الخسائر بعد تداعي الجسد وخوار الجماعة؟ 

"كل شيء إسبانيا.."

عندما كان عشرات الفتيان يجوبون شوارع تطوان ويصدحون ملء حناجرهم"كل شئ إسبانيا.."لم يستحضر أحدهم على الأرجح أن تلك الأزقة ذاتها كانت هدفًا لمدفعية الجنرال أودونيل السيئ الذكر وأسطوله البحري الذي حاصر تطوان حصاراً خانقاً وجوّع أهلها الذين لجأوا إلى الجبال هرباً بأنفسهم من النهب والسلب.

ورغم أن الحادث وفّر مادة دسمة ومثيرة لصحافة البلدين، فإن الأمر بالنسبة للمعنيين ليس بالخطورة التي أضفيت عليه.قد تبدو الشعارات التي صدح بها الجمهور في ملعب"سانية الرمل"مريعة بالنسبة للزوار القادمين من الجنوب، لكنها بالنسبة لسكان الشمال مشهد مألوف في عالم الكرة الذي تتداعى فيه حدود الوطنية كما نعرفها ويعيد جمهورُها رسم خارطة الولاء والانتماء مع كل موسم وبطولة.

تبدو حالات التخلي عن الجنسية ترفاً لا يُعبأ به كثيراً مهما كانت أسبابها وجيهة وقضاياها عادلة.

الصديق أبو الحسن

قد يكون مشهد فتيان أصحاء أسوياء من أواسطنا يحملون أسماءنا وملامحنا، تلوّح قبضاتهم براية قشتالة وأراغون التي جاست خلال ديارهم في الماضي القريب، وشردت أجدادهم من وطنهم وتعقبتهم في مهجرهم، يلوّحون بها كما يتشبث غريق بطوق نجاة.قد يكون مشهداً مروعاً مؤلماً من منظور هواة السياسة وأفقهم الضيق، أما في عرف الرياضة الأكثر رحابة فما هي إلا حالة انفلات جماعي واحتجاج حاد.وأي محلل عاقل لن يأخذ هلوسات الألتراس مأخذ الجد، وهي ظاهرة عالمية وبنية وجدانية مستقلة لا خلاق لها، وعابرة للقارات.

من بين ظروف التخفيف من جدية المشهد كذلك، في حالة تطوان وشمال المغرب عموماً، أن الأهالي لم ينسوا أيام كان فريقهم ينازل ريال مدريد والبارصا في الدوري الإسباني منازلة الند للند ويستضيف نجوم الليغا في ملاعبه حين كانت"المنطقة الخلفية"تحت الإدارة الإسبانية.فكأن الأمر برمته ليس سوى استحضار عبثي لمرحلة أصبحت ناصعة جميلة في الذاكرة الشعبية التي طهرتها من العنف والدم المُراق، لا سيما بعد الفطام القاسي الذي جربوه على يد حكومات الاستقلال التي فرضت عليهم اللغة الفرنسية قسراً ومعها قاموس إداري وبيروقراطية جديدة وتعاملات يومية غريبة عنهم.

بين الاحتجاج و"ميتة الجاهلية"

في26من يوليو2011صُدم الرأي العام المغربي بخبر لم يسبق له مثيل في ذاكرة جيل كامل:مهندس برز اسمه في السنوات الأخيرة إثر خرجاته الإعلامية المنددة بالفساد واستغلال النفوذ، يوجّه رسالة إلى الملك يعلن فيها خلع بيعته عنه، رسالة غطى وقعُها الإعلامي مؤقتاً على مسيرات حركة"20فبراير"وأخبار الربيع العربي ونقاش الإصلاحات الدستورية الملتهب آنذاك.أحمد بن الصديق لم يكن حينها بحاجة لفرقعة بغرض الشهرة بعد أن صار وجهاً مألوفاً إلى جانب ثلة من الأسماء التي اخترقت جدار الصمت بسرعة فائقة من أمثال النقيب مصطفى أديب والقاضي محمد الهيني والطبيب ورجل الأمن والرياضي.كوكبة من الناجحين الذين تخلوا عن مسار مهني موفق، ووضع اجتماعي مريح وحولوا أسماءهم إلى رؤوس حراب ضد غول الفساد، شباب اعتزل فذلكات السياسة؛ لا أحزاب لهم ولا نقابات ولا ائتلافات أسرية تذود عنهم.

الخطوة فاجأت من حيث جرأتها وجدتها حتى السلطات التي لم تعرف كيف ترد، فإن هي بالغت في العقوبة تحول صاحب الرسالة إلى قائد ملهم، وإن هي سكتت قد يشجع ذلك غيره على الحذو حذوه، وفي كلتا الحالتين قد يتحول الأمر من نكتة سياسية إلى أسلوب مبتكر للاحتجاج وجذب الانتباه، وكذلك كان.بعد فترة ذهول تكرّر هذا النوع من العناوين على المواقع حتى كاد يتحول إلى خبر موسمي بنفس أهمية الإضرابات وانقلاب الحافلات وفيضانات الأقاليم.

يحق للأفراد التخلي عن جنسياتهم أو تغييرها في حالات بعينها ولكن من منظور حقوقي يدافع عن سلامة الأفراد وحقوقهم الأساسية، لا كشكل من أشكال الاحتجاج على جهة سياسية لجلب منفعة أو دفع مضرة.

الصديق أبو الحسن

بعضها استرعى الانتباه أكثر من غيره مع ذلك بحكم طبيعة الذين أقدموا عليه.لن ننسى لحظات الحرج التي سببها ظهور بطل الملاكمة الفرنسي المغربي زكريا المومني على قناةTV5حين اختار استضافته في برنامج"64دقيقة"ليمزق جواز سفره المغربي على الهواء مباشرة احتجاجًا–حسبما يقول–على ما تعرض له من تعذيب وسوء معاملة في وطنه الأصلي.

وثمة من اختار أسلوباً أكثر هدوءاً لتجرده من هويته كما هو شأن المعتقل الإسلامي السابق محمد حاجب الذي راسل سفارة المغرب في ألمانيا بكل ثقة، كما يراجع أحدنا قنصلية بلاده لتجديد جواز سفر أو إتمام معاملة، لالتماس وساطتها في إبلاغ وزير العدل والحريات بإسقاط الجنسية المغربي عنه بسبب ما قال إنه تعرض له من"خطف وتعذيب"من قبل الأجهزة الأمنية.

وهناك من لم ينتظر الهجرة ولا خدمات سفارة مغربية مثل القاضي المعزول محمد قنديل، المعروف بـ"قاضي العيون"الذي أطلع الرأي العالم، بخبرة رجل القانون وبلغة دستورية، على نيته بدء إجراءات المطالبة بإسقاط الجنسية المغربية عنه"احتجاجاً على سلوك وزير العدل والحريات"الذي يُحمّله مسؤولية دفع المجلس الأعلى للقضاء إلى عزله من مهامه كقاضٍ؛ بل دعا المغاربة قاطبة للتنازل عن جنسيتهم وحثهم على الهجرة كحل لمشاكلهم.

إلا أن القوانين وحدها لا تسعفنا كثيراً في فك عقد هذه النوازل، ربما لأن المشرّع في دولة الاستقلال الفتية كان يفصّل النصوص ووجدانه متعلقٌ بأجواء استرداد الحرية المسلوبة، وأسماعه مفعمة بأناشيد الوطنية ورد الاعتبار للهوية المطموسة تحت عقود من الاحتلال، فكيف يعد نصوصاً للتعامل مع حالات فقدان تلك الهوية ناهيك عن الرغبة في التخلي عنها؟ يحدد قانون الجنسية المغربية في الفصل الثامن عشر شروط اكتساب الجنسية المغربية وآثارها، ويورد في الفصل التاسع عشر حالات لسقوط الجنسية لدى اعتبارات خاصة ومنطقية(من بينها مثلاً أن يشغل الفرد وظيفة في مصلحة عمومية بدولة أجنبية أو يخدم في جيشها ثم يرفض التخلي عنها بعد إنذاره رسمياً)، إلا أن القانون لا يراعي حالة تخلي مواطن عنوة عن الجنسية طلباً لإنصافه أو احتجاجاً على حيف حاق به.

ولا عجب إن كان الإطار القانوني يركز على بيئة ثقافية سنية وموروث فقهي مالكي يرى أن بيعة ولي الأمر"على السمع والطاعة في المنشط والمكره"فرض على المسلمين جميعاً رجالاً كانوا أو نساء، وأن من مات وليس في عنقه بيعة"مات ميتة جاهلية".

احتجاج لا خيانة!

ولمّا كان الحرمان من الجنسية وإسقاطها عن الأفراد والجماعات هو ما يشغل الرأي العام العالمي فمن الطبيعي أن تخصص العهود والمواثيق الدولية، بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقات القضاء على جميع أشكال التمييز وغيرها من النصوص المؤسسة، قسطاً وافراً من مقتضياتها للحق في الانتماء لوطن لا التجرد منه.

ما يملأ تقارير المنظمات ويصل عادة إلى نشرات القنوات ويشغل السوشيال ميديا هو حرمان جماعات إثنية أو طوائف دينية بأسرها من وثائق تثبت صلتها بموطنها كعقاب جماعي، كحالة الروهينغا مثلاً أو تتر القرم.وعلى هذه الخلفية تبدو حالات التخلي عن الجنسية ترفاً لا يُعبأ به كثيراً مهما كانت أسبابها وجيهة وقضاياها عادلة.نعم، تقر تلك النصوص حق الأفراد في التخلي عن جنسياتهم أو تغييرها في حالات بعينها ولكن من منظور حقوقي يدافع عن سلامة الأفراد وحقوقهم الأساسية، لا كشكل من أشكال الاحتجاج أو الضغط على جهة سياسية لجلب منفعة أو دفع مضرة.

لا تتبخر الأوطان بحرق أعلامها أو السخرية من رموزها، ولكنها تتفكك من الداخل حين يسمح أهلها للجور والقهر أن يكبر داخلها كما تكبر سيقان الشجر في الدور المهجورة.

الصديق أبو الحسن

وهنا تكتمل الدائرة ونعود إلى منطلقنا إذ لا جدوى من البحث عن اعتبارات خارجية لفهم موجة الاستقالات من الروابط الوطنية هذه.وبمنطق القياس نجد للظاهرة نظائر في دول الجوار بشكل متزايد حيث تثير نفس القدر من القلق.أما في أوروبا المطمئنة على أمنها والراسخة على ركائزها فلم يعد أحد يكترث بـ"الإساءة إلى رموز الدولة"كالأعلام والأناشيد الوطنية التي أصبح رفعها والحرص عليها سلوكاً لصيقاً بجماعات اليمين المتطرف والفاشيين الجدد. ورغم انتهاء الحرب الباردة ورفع الستار الحديدي نهائياً بين الشرق والغرب لم تختف كلياً ظاهرة انتقال رموز السياسة أو الثقافة من معسكر إلى آخر لجلب الانتباه لقضية ما أو بحثاً عن الأمان أو طلباً للشهرة.ولم يكن انتقال ألكسندر سولجنيتسين للعيش في ألمانيا الغربية سبباً في انهيار الاتحاد السوفياتي ولا تضعضع أمن الولايات المتحدة بفرار إدوارد سنودن إلى روسيا، ولا تحللت الثقافة الفرنسية بعد أن تخلى جيرار دوبارديو عن جوازه الفرنسي احتجاجاً على الضرائب المفروضة على ثروات الأغنياء في بلاده.

المشهد الدرامي الذي بدأنا به يقتضي قراءة مركبة تبتعد عن المسح السطحي وصرخات الذعر التي لا ترى إلا بيتًا يحترق.لا تتبخر الأوطان بحرق أعلامها أو السخرية من رموزها، ولكنها تتفكك من الداخل حين يسمح أهلها للجور والقهر أن يكبر داخلها كما تكبر سيقان الشجر في الدور المهجورة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي