دخل قطاع غزة دائرة التصعيد بالاعتداءات الإسرائيلية، والتي استوجبت رد المقاومة برشقاتٍ من الصواريخ أثبتت المقاومة من خلالها جديتها في عدم السماح باستمرار نزيف الدم الفلسطيني والحصار الظالم على قطاع غزة.

لم تكُن المقاومة الفلسطينية في غزة إلا أمام خيار الرد على جرائم الاحتلال التي وقعت في غزة مساء الجمعة 3 مايو 2019، إذ كانت الأمور في الأصل مشحونة جدّاً بسبب تنصُّل الاحتلال من التفاهمات التي تم الاتفاق عليها في التصعيد السابق.

وقد كانت بداية الأحداث الحالية استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة 51 آخرين في اعتداءات كان بعضها قد نفذته قوات الاحتلال بحق المتظاهرين المدنيين السلميين المشاركين في فاعليات مسيرات العودة شرق غزة المستمرة منذ 30 مارس/آذار من العام الماضي. وكان الاعتداء الآخر في قصف إسرائيلي منفصل في مناطق بعيدة عن نقاط التماسّ الحدودية، وبهذا كان الاحتلال الإسرائيلي يريد أن يفرض كلمته على المقاومة الفلسطينية في غزة، على أمل تثبيت معادلة ردع جديدة هي التي عجزت عنها حكومة نتنياهو قبل الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة.

وقد دخل قطاع غزة دائرة التصعيد بالاعتداءات الإسرائيلية المذكورة والتي استوجبت رد المقاومة برشقات من الصواريخ أثبتت المقاومة من خلالها جديتها في عدم السماح باستمرار نزيف الدم الفلسطيني والحصار الظالم على قطاع غزة. وقد تبع ذلك غارات جوية عنيفة من قوات الاحتلال على قطاع غزة شملت قصف مبانٍ سكنية ومؤسسات، وتدمير أكثر من 70 مبنى في غضون وقت قصير، أثبتت قِصَر نفس الاحتلال الإسرائيلي لأنه أراد أن يشكّل ضغطاً نفسيّاً وشعبيّاً على المقاومة التي كان قادتها في القاهرة للتباحث بشأن عدم تطبيق الاحتلال تفاهمات التهدئة السابقة. ولكن على الرغم من ذلك أبدت المقاومة حالة ضبط نفس عالية وأدارت العملية بهدوء وبتنسيق وقوة.

دخل قطاع غزة دائرة التصعيد بالاعتداءات الإسرائيلية المذكورة والتي استوجبت رد المقاومة برشقات من الصواريخ أثبتت المقاومة من خلالها جديتها في عدم السماح باستمرار نزيف الدم الفلسطيني والحصار الظالم على قطاع غزة.

محمود الرنتيسي

وأرادت حكومة نتنياهو من خلال الضغط والقصف المكثف تثبيت معادلة ردع جديدة بعد علوّ كلمة المقاومة في الجولات السابقة ابتداءً من الجولة التي قدّم فيها وزير الدفاع الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان استقالته بعد محاولة فاشلة للتسلُّل إلى غزة أحبطتها المقاومة في نوفمبر 2018، وكذلك في التصعيد الأخير والمحدود قبل الانتخابات الإسرائيلية الشهر الماضي.

ولكن مرة أخرى كما كانت خيارات حكومة الاحتلال مقيَّدة بسبب الخوف من تأثير ردّ المقاومة على نتيجة الانتخابات، كانت مقيدة هذه المرة لأنها لا تريد لردّ المقاومة الصُّلْب والقويّ أن يُفسِد احتفالات ذكرى قيام دولة الاحتلال على أرض فلسطين في 15 مايو المقبل، واحتفالات الأغنية الأوروبية "يورو فيجن" التي تستضيفها تل أبيب بين 14 و18 مايو الجاري، وتُعَدّ المسابقة الكبرى من نوعها في العالم، وهي مسابقة مهمة للاحتلال للترويج والدعاية السياسية.

مع توسيع الاحتلال للهجمات وإعادته سياسة الاغتيالات وتدمير البيوت ردّت المقاومة بعمليات مختلفة عدا الرشقات الصاروخية.

محمود الرنتيسي

ومع توسيع الاحتلال للهجمات وإعادته سياسة الاغتيالات وتدمير البيوت، ردّت المقاومة بعمليات مختلفة عدا الرشقات الصاروخية، إذ استهدفت كتائب القسام وسرايا القدس ناقلة جند لقوات الاحتلال شرق غزة وأطلقت رشقات صاروخية مدروسة على أهداف للاحتلال الإسرائيلي، وهنا يبدو بشكل واضح حجم التنسيق بين أكبر فصيلين مقاومين في قطاع غزة، إضافة إلى العمل المشترك في الغرفة العسكرية المشتركة للفصائل الفلسطينية.

ولكن الأهم من التنسيق بين الفصائل الفلسطينية -على أهميته- هو التطوُّر الجاري في قرار المقاومة على صعيد التوقيت، وقرار استمرار الرد على جرائم الاحتلال بطرق ووسائل أكثر نجاعة وتأثيراً على الاحتلال، انطلاقاً من فهم طبيعة قرار الاحتلال وأهداف عدوانه.

ويندرج في هذا السياق ردّ المقاومة على اعتداءات الاحتلال قبل الانتخابات الإسرائيلية، والتصعيد الحالي قبل مسابقة يوروفيجن التي اعتقد الاحتلال أنه قد يشنّ تصعيداً متحكماً به بأقلّ الأضرار. لكن ردّ المقاومة جعله يسابق الزمان لكي ينزل عن الشجرة معتمداً على الوساطات الدولية والعربية، وعلى الضغط على المقاومة بتصعيد مكثف.

أرادت المقاومة تحقيق ثلاثة أمور رئيسية أولُها أن تردّ على العدوان وأن تمنع الاحتلال من صياغة معادلة ردع جديدة لصالحه.

محمود الرنتيسي

لم تكُن المقاومة في غزة أيضًا ترغب في حرب مفتوحة، بخاصة في ظل المعاناة التي يعانيها الفلسطينيون في غزة، بل أرادت تحقيق ثلاثة أمور رئيسية: أولها، أن تردّ على العدوان وأن تمنع الاحتلال من صياغة معادلة ردع جديدة لصالحه. وثانياً، أن توصّل رسالة مفادها أنها لن تقف صامتة أمام عدم التزام الاحتلال الشروط التي تَعهَّد بها في التهدئة السابقة. وثالثاً، إثبات المقاومة استعدادها وجهوزيتها الدائمتين لصَدّ أي عدوان إسرائيلي.

لذلك،وعلى الرغم من أن التصعيد الحالي هو الأكثر عرضة للتحوُّل إلى حرب، فقد نجحت صباح اليوم محاولات التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.

مع ذلك وفي ظل الحديث المتداوَل عن إعلان قريب لبنود صفقة القرن والبدء في تطبيقات جديدة لها بعد مرور عام على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وكذلك في ضوء ما هو معروف عن عنجهية الاحتلال وشخصية رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو وتنصُّله من التفاهمات كافة، فإن استمرار التصعيد في الفترة القادمة يبقى يلوح في الأفق، وتبقى الأوضاع في غزة على صفيح ساخن.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي