شكلت مهاجمة السفينة الإسرائيلية في عرض الخليج مصدر قلق للغاية لإسرائيل، لأنها تفتح مجالاً جديداً وبعيدا ومعقداً: جغرافياً واستخباراتياً، لا سيما أن المناقشات الإسرائيلية فور مهاجمة السفينة أكدت توفر إجماع إيراني على أنهم يعرفون ملكية إسرائيل للسفينة.

بعد مرور أيام على الهجوم "المتوسط" على السفينة الإسرائيلية في خليج عُمان، بات الرأي السائد في تل أبيب أنه رد فعل إيراني على اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة، لأن الإيرانيين يسعون للانتقام منذ اغتياله في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بضواحي طهران، وقد تمثل طموحهم الأولي بإطلاق طائرات مسيرة مسلحة من اليمن، وتفجيرها على أهداف إسرائيلية.

حددت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية هذا التهديد في الوقت المناسب، وتعاملت معه بطرق عدة، أولها زيادة التنسيق الاستخباري مع الأمريكيين، وثانيها زيادة التأهب في أنظمة القتال والدفاع الجوي، وثالثها إرسال رسائل سرية وعلنية إلى إيران واليمن، مفادها أن مثل هذا العمل لن يمر دون أن يلاحظه أحد، رغم أن الحوثيين في اليمن ليس لديهم نضج عملياتي يؤهلهم لتنفيذ مثل هذا الهجوم المعقد.

شكلت مهاجمة السفينة الإسرائيلية في عرض الخليج مصدر قلق للغاية لإسرائيل، لأنها تفتح مجالاً جديداً وبعيداً ومعقداً: جغرافياً واستخباراتياً، لا سيما أن المناقشات الإسرائيلية فور مهاجمة السفينة أكدت توفر إجماع إيراني على أنهم يعرفون ملكية إسرائيل للسفينة، ورغم ذلك هاجموها، ممَّا فسر الرد الإسرائيلي السريع بعد ثلاثة أيام فقط بمهاجمة دمشق، وهذا يؤكد أن المنظومة العسكرية الإسرائيلية مقتنعة بأن الهجوم متعمد ضد هدف محدد.

ورغم أن السفينة أبحرت تحت علم أجنبي، فإن ملكيتها تعود لرجل الأعمال الإسرائيلي رامي أونغر، الذي يمتلك العشرات منها، ممَّا يشير إلى أن الإيرانيين قاموا بعمل استخباراتي دقيق بجمع المعلومات حول السفينة وتحركاتها، دون استبعاد أن يكون لديهم عملاء في ميناء الدمام بالسعودية، وهذا يعني أن المعلومات الاستخبارية في الوقت الحالي تعدّ أمراً بالغ الأهمية لنجاح هذه العملية، وتشير مرة أخرى إلى الانتشار الواسع للحرس الثوري في المنطقة وخارجها، رغم أن الإيرانيين لم يرغبوا في إغراق السفينة، بل إيذائها، وفق التقدير الإسرائيلي.

ورغم تلك المعطيات المتزايدة، فإن النقاش الأمني الإسرائيلي الكبير ما زال على حاله حول طبيعة الهجوم، بين كونه حدثاً منفرداً ضمن "قواعد اللعبة"، أو بداية لفتح ساحة جديدة للمواجهة التي لا تنتهي بين إسرائيل وإيران، والجواب عن هذا الجدل سيعطي إجابات واضحة حول موعد الهجوم الإيراني الجديد.

هذه الفرضيات تأخذنا إلى الخلاف الناشب داخل المنظومة السياسية والعسكرية والأمنية في إسرائيل حول الرد المطلوب على الهجوم الإيراني، لأن الخبراء الإسرائيليين يختلفون حول ما إذا كان الهجوم حادثاً واحداً، أو جزءاً من حملة جديدة وواسعة.

الخلاف الحاد بين أقطاب المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية حول طبيعة التعامل المستقبلي تجاه إيران، ظهر خلال نقاشات حساسة عُقدت بمشاركة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حين طالب رئيس الموساد يوسي كوهين برد جريء ضد إيران، التي تجرأت على مهاجمة سفينة إسرائيلية في خليج عُمان، فيما امتلك رئيس هيئة أركان الجيش أفيف كوخافي موقفاً آخر، ومع مرور الوقت، بدا واضحاً أن كوهين قدم خطاً حاداً للغاية، وطالب برد جريء ضد إيران، من شأنه أن يعبر عن رد غير عادي، فيما قال كوخافي إنه يجب أن يأتي الرد بطريقة معتدلة وفورية، بطريقة لا تثير اشتعال النيران.

كما تنامى الخلاف الإسرائيلي عقب مهاجمة إسرائيل لمعسكر تدريب إيراني بالقرب من العاصمة السورية دمشق، حيث تنشط القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها في السنوات الأخيرة، ورغم عدم إعلان إسرائيل المسؤولية عن هذا الهجوم، لكن يبدو أن من تصرفوا هناك استمعوا إلى رأي رئيس الأركان، فيما رد المتحدث باسم الجيش على التصريحات، وقال إنه حريص على عدم التعليق على مضمون المناقشات السرية.

كل ذلك يؤكد أن الهجوم الإيراني على السفينة الإسرائيلية يعتبر تصعيداً مقلقاً في السنوات الأخيرة، ومع تشديد سيف العقوبات على إيران، فقد أبدت حرصاً على نقل الرسائل من خلال إيذاء السفن العربية فقط، أما إسرائيل، وليس من قبيل الصدفة، فقد ظلت خارج الحدود.

لذلك يتمثل الانطباع الإسرائيلي السائد أن الهجوم الإيراني على سفينة تجارية مملوكة لإسرائيل في خليج عُمان يعتبر خطوة مقلقة إلى الأمام لها في المواجهة مع إيران، حيث لكل منهما حسابات مفتوحة مع الأخرى بسبب سلسلة من الأعمال التي أضرت بمصالحهما في الشرق الأوسط، عبر انتهاك ممرات الشحن والحرية الاقتصادية.

يدرك صناع القرار في طهران جيداً أن استهداف حرية الملاحة للسفن الإسرائيلية في الخليج، أو التسبب في أضرار اقتصادية لإسرائيل، مع تكرار وقوع مثل هذه الحوادث بشكل متكرر، قد يؤدي إلى نشوب حروب بين الدولتين، رغم أن الأضرار التي لحقت بالسفينة ليست قاتلة، ما يعني أن هذا الحادث ضمن "قواعد اللعبة" السائدة الشرق الأوسط، حيث تواجه إيران صعوبة حقيقية في إيجاد أهداف ضد إسرائيل دون انزلاق لمواجهة أوسع.

اللافت في الهجوم "الإيراني" المفترض على السفينة "الإسرائيلية"، أن رد الأخيرة جاء على الأراضي "السورية"، ممَّا يوضح أن الخيار الإسرائيلي بمهاجمة الأخيرة رداً على الاستهداف الإيراني لا يواجه صعوبة في إيجاد أهداف سريعة للرد على الإجراءات الإيرانية، دون الانجرار للتصعيد.

مع العلم أن سوريا، باعتبارها ملعباً مستباحاً للعديد من الأطراف الإقليمية والدولية، زودت إسرائيل بالقدرة على إغلاق هذه الحلقة القصيرة ضد الإيرانيين، لكن من الواضح للطرفين أنه ستكون هناك تبعات ونتائج، وحتى ذلك الحين سيُطلب من المستويات المهنية في الجيش الإسرائيلي والموساد إعداد خطط طوارئ للاستجابة لحوادث مماثلة، وربما أكثر خطورة قد تحدث على ممرات الشحن البحرية.

إن التقديرات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية التي تتهم الحرس الثوري الإيراني بالمسؤولية عن مهاجمة السفينة الإسرائيلية في عمق الخليج العربي، رغبة منه بالسعي للانتقام من اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي اغتيل قبل أكثر من عام في العراق، يمكن اعتبارها تحذيراً للأوساط الأمنية الإسرائيلية من هجمات إيرانية في البحر الأحمر والخليج العربي.

صحيح أن إسرائيل لا تستطيع كبح جماح مثل هذه الحوادث، لأنها أمام عمليات خطيرة للغاية، وبعد مرور أيام قليلة على انفجار السفينة المملوكة لإسرائيل في خليج عمان، فإن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تحاول توضيح صورة العامل الفعال للهجوم، والدوافع، وتداعياته على المستقبل.

تتواتر الأوساط العسكرية الإسرائيلية على ترديد الاتهام بأن منفذي الهجوم هم عناصر الوحدات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، وأن إيران تخطط لمزيد من الهجمات، حيث تلقت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية مؤخراً أنباء عن تصاعد التوترات في الوحدات الأمنية داخل طهران بعد اغتيال مسؤولين كبار، ومن ثم حصلت محاولات لتنفيذ هجمات، عطل الموساد الإسرائيلي بعضها.

جهاز الموساد لم يُفاجأ بالهجوم على سفينة "هيليوس راي" الإسرائيلية، لكن الجهة التي اصطدمت بها لم تقصد إغراقها، بل أرادت الإشارة لإسرائيل حول نياتها المستقبلية، ممَّا يعني أننا أمام عمل متخصصين، في ضوء القلق الشديد الذي يساور قائد فيلق القدس إسماعيل قآني، الراغب في الانتقام، وهو يتابع الغضب المتراكم في مختلف وحدات الحرس الثوري التي يسيطر عليها، بالتزامن مع ما تخوضه القيادة الإيرانية من مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن الاتفاق النووي، كما زعمت إيران مؤخراً أن إسرائيل كانت تخرب سفنها في المنطقة، لكن الأخيرة لم تتعامل مع هذه المزاعم حتى الآن.

المصادر الإسرائيلية تحذر من هجمات إيرانية في البحر الأحمر والخليج العربي ضد سفن إسرائيلية بهدف الإضرار بمصالحها، ممَّا يعني أن ما نشهده في هذه الأيام ليس نهاية القصة، وفي الوقت ذاته لا يمكن لإسرائيل كبح جماح مثل هذه الحوادث، لأنها عمليات خطيرة للغاية، ممَّا يعني زيادة التوترات مع الإيرانيين، مع أن مهاجمة السفينة الإسرائيلية مجرد إشارة، وليست محاولة لتنفيذ هجوم مميت.

في الوقت ذاته، لعل السبب في الاستهداف الإيراني "الرمزي" للسفينة الإسرائيلية بسيط للغاية، لأنهم إذا قاموا بضربها من الخلف، أو في منطقة المحرك، أو في نظام التوجيه، فإنهم سيغرقون السفينة، وفي هذه الحالة من الممكن أن تحدث كارثة إقليمية، وربما دولية، لذلك اختاروا ضرب الجبهة الجانبية للسفينة فوق خط المياه، لكن طريقة الهجوم والضرر الذي أحدثه أثارا تساؤلات حول مدى الإجراءات الأمنية لحماية السفن في المنطقة.

رغم كل ما تقدم، فلا تزال هناك علامات استفهام حول السفينة، حيث يقال إن هناك فتحتين على كلا جانبيها بالحجم نفسه، وهو أمر غريب، أما إذا كان هناك إطلاق نار من الخارج، فيجب أن تكون فتحة المدخل صغيرة، وفي هذه الحالة تترتب عليها عواقب وخيمة.

الخلاصة أن الهجوم "الإيراني" المفترض على السفينة "الإسرائيلية" كشف أن لديها "بطناً رخوة"، و"خاصرة ضعيفة"، وقد تتضرر منهما في جميع أنحاء العالم، بسبب انتشار ملاحتها البحرية في العديد من البحار والمحيطات، وكأن الإيرانيين يريدون القول للإسرائيليين: "لا تعبثوا معنا".

TRT عربي