غارة جوية روسية استهدفت مركزاً للدفاع المدني في إدلب  (Onayli Kisi/Kurum/AA)

وذلك سعياً منها لإنعاش اقتصاد نظام الأسد الذي انهار بسبب العقوبات الاقتصادية على سوريا وتسخير النظام السوري معظم اقتصاد سوريا لصالح معركته العسكرية فيها.

تلتقي الدول الضامنة إضافة إلى وفدَي المعارضة والنظام السوري في أستانة لمناقشة عدد من القضايا، على رأسها تمديد دخول المساعدات الإنسانية إلى سوريا من معبر باب الهوى، وهذا اللقاء يسبق جلسة مجلس الأمن لمناقشة تمديد التفويض الأممي لإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2533 الذي ينصّ على السماح بإدخالها إلى الشمال السوري، عبر معبر "باب الهوى" الحدودي بين تركيا وسورية، إذ لوّحت روسيا باستخدام حق النقض لإغلاق هذا المعبر.

يبدو أنّ روسيا منزعجة من تنسيق تركيا مع الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص إدلب والمعابر الإنسانية، فضلاً عن متابعة تركيا لجهودها في جبل الزاوية، وهذا ما يفسر إعلان مركز المصالحة الروسي الذي نقلته وكالة إعلام النظام السوري ووكالة سبوتنيك الروسية أنّ عناصر "هيئة تحرير الشام" بالتعاون مع منظمة "الخوذ البيضاء" يستعدون لاستفزازات بموادّ سامة وتنفيذ هجوم بالمواد الكيماوية على الجزء الجنوبي من جبل الزاوية، بمعنى أنّها تريد الزج بتنظيم مصنَّف إرهابياً لتبرير إغلاق المعبر، والتغطية على أي هجوم كيميائي قد يحدث في حال فشل المفاوضات.

تركيا لم تقف مكتوفة الأيدي، إذ لوحت منذ الحملة الأولى في آذار الماضي بأنّها مستعدة لأي خيار قد يواجهها في المنطقة، فأعادت توزيع بعض النقاط العسكرية التابعة لها على مَقرُبة من نقاط التماسّ مع قوّات النظام السوري في جبل الزاوية جنوب إدلب، استعداداً لأي سيناريو محتمَل في المنطقة التي تُعتبر بمثابة الأمن القومي لها.

إنّ ما قاله وزير الدفاع التركي خلوصي أقار لنظيره الأمريكي لويد أوستن قبل أيام في أنّ "أهمية حلف شمال الأطلسي تتزايد" يُعتبر أيضاً رسالة واضحة مفادها أنّ أي استهداف لتركيا هو استهداف لحلف شمال الأطلسي الذي تُعتبر تركيا إحدى الدول المهمة فيه.

وعلى هذا فليس من المرجح أن توسّع روسيا تلك العمليات العسكرية المحدودة في إدلب، فهي تهدف من ورائها إلى أن تكون لأهداف تفاوضية فقط، إذ إنّها تعلم جيداً أنّ الحرب على حدود تركيا سيكلّف أثماناً لن يستطيع الأسد تسديدها.

إغلاق المعبر الوحيد وتحويل المساعدات الإنسانية عن طريق النظام السوري قد يحقّق مكاسب عدة للأسد، منها تلاعبه بكميات المساعدات وإنعاش اقتصاده، فضلاً عن إجبار المعارضة على فتح المعابر الداخلية مما يسهّل عليه الاختراقات الأمنية بشكل كبير في الشمال السوري وزعزعة استقرارها، الذي بدأ يتجلى بصورة كبيرة.

روسيا إذاً ليست مصرّة على الذهاب مع الأسد إلى النهاية إن استطاعت الحصول على مكاسبها السياسية والاقتصادية من خلال المفاوضات، لا سيما أنّ التصعيد في إدلب بحجة التنظيمات المصنفة إرهابية قد يقوّض جهود المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية في جنيف، وهنا أمامها عدة خيارات:

من آثار قصف النظام السوري والروسي للمدنيين في إدلب  (AA)

الأول أن توافق على تمديد التفويض الأممي لإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا مع تقليص المدة لستة أشهر بدلاً من عام، مقابل اشتراطها فتح المعابر الداخلية بين النظام والمعارضة، وهذا ما قد ينعش اقتصاد النظام الذي انهار بسبب العقوبات، وعلى رأسها قانون قيصر، أو مقابل مكاسب في ملفات دولية أخرى كالملف الأوكراني.

وأما الخيار الثاني فهو تعنُّتها بعدم تمديد القرار، مما قد يدفع المنظمات الأممية إمّا إلى التزام تقديم المساعدات عن طريق نظام الأسد، وهذا غير مرجح، وإما إلى تحويل المساعدات إلى المنظمات الدولية الأمريكية والتركية على اعتبار أنها غير مُلزَمة قرارَ مجلس الأمن، وهذا هو الأكثر ترجيحاً.

على أي حال، فإن العودة إلى العمل العسكري لا تصبّ في مصلحة أي من الأطراف المتنازعة، فالأمر مختلف عمَّا جرى في ريف حمص الشمالي أو غوطة دمشق أو درعا، إذ لن تكون المعركة بين القوى المحلية بدعم من الحلفاء، بل ستتحول إلى حرب مباشرة بين الدول الداعمة، وهذا ما لا تريده روسيا التي تأثرت اقتصادياً بسبب الحرب على سوريا واتهمت بجرائم ضد الإنسانية على خلفية استخدامها سلاح الجو بطريقة عشوائية استهدفت المدنيين والبنى التحتية، وأيضاً تركيا التي تجنح إلى الحلول التفاوضية ما أمكن على اعتبار أنها تخوض معركتين مهمتين تُعتبران من أمنها القومي، الأولى شمال شرق سوريا مع المليشيات التابعة لـPKK الإرهابي، والثانية شمال غرب سوريا للحفاظ على استقرار المنطقة.

إنّ تركيا التي اكتظت بالسوريين من منطلق إنساني، تسعى لاستقرار مناطق المعارضة التي يعيش فيها نحو أربعة ملايين سوري، فأي أزمة إنسانية تعني المزيد من الضغط عليها وعلى أوروبا أيضاً، وأمام محاولة روسيا والنظام السوري رفع فاتورة الدم، فإنّ الصمت على الانتهاكات لن يستمر طويلاً، مما يعني نسف المسارات السياسية بالكامل والعودة إلى الحق المشروع للمعارضة السورية في الدفاع عن نفسها، وهذا ما قد يعيد الجميع إلى نقطة البداية، وأعتقد أن روسيا تعلم أن حسابات الحقل في الجنوب السوري وريف دمشق لا تنطبق على حسابات البيدر في الشمال السوري.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً