يقدّر صندوق النقد الدولي أن تكون نسبة التضخم بحدود 6.5% في العام الحالي / صورة: AA (Mustafa Ciftci/AA)
تابعنا

يحتفل البشر حول العالم بحلول العام الجديد، مستبشرين بأن تتحسن أحوالهم خلاله وأن تُرفع عنهم الصعوبات التي واجهوها في العام السابق، ولكن من الواضح أن الأمنيات لا تسير على ما يرام، إذ تبارت المؤسسات الرسمية الدولية وكبار الاقتصاديين حول العالم ببثّ روح التشاؤم حول مجمل الأوضاع الاقتصادية العالمية المقبلة، ومنها استمرار معدلات التضخم القياسية التي يعاني منها البشر في كل أرجاء المعمورة.

وخلال العام الماضي عانى العالم من العديد من التداعيات الاقتصادية، فمنها ما تَبقَّى من آثار الإغلاق بسبب وباء كوفيد، ومنها ما سبّبه اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية. ولكن النظرة المتفحصة تشير ببساطة إلى أن كلا الأمرين أشعل فتيل التضخم العالمي، وبأرقام لم يعتَدها المواطن، لا في الدول الغنية ولا المتوسطة أو الفقيرة.

وتفصيلاً فإن حُزَم التيسير النقدي لمواجهة كوفيد وَلّدت قوى شرائية لا تتناسب مع حجم الإنتاج العالمي المتراجع نتيجة للإغلاق. كما أن حرب الشاحنات وتعطُّل سلاسل الإمداد والتوريد وأزمة الرقائق الإلكترونية وتسببها في الإغلاق الجزئي في بعض مصانع السيارات والأجهزة الإلكترونية والمنزلية، كلها من العوامل التي ولدت الحُمَّى. ولكن ارتفاع أسعار البترول والغاز بالإضافة لأسعار الحبوب الرئيسية والأسمدة والأعلاف والزيوت النباتية في أعقاب الحرب أسقطت البشرية في أتون موجة تضخمية حادة لا تزال مستمرة حتى الآن.

2022 عام التضخم العالمي

سجلت الدول الكبرى معدلات تضخم تاريخية خلال العام الماضي، بداية من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا اللتين سجّلتا معدلاً يفوق 10%، وهو الأعلى منذ 30 عاماً تقريباً، ثم إسبانيا وإيطاليا وكندا المسجّلات لمعدل في حدود 9% في المتوسط، وهو الأعلى منذ ما يزيد على 35 عاماً كذلك.

كما أن دولاً أخرى سجلت معدلات عالية، فسجلت بولندا 15.6%، فيما سجلت مصر 21%، ودول أخرى اشتعلت فيها معدلات التضخم بنسب قياسية، ففي الأرجنتين تخطّى المعدل حاجز 70%، فيما في تركيا تجاوز 85%، وتصدرت زيمبابوي ولبنان وفنزويلا قائمة دول العالم التي تشهد أعلى معدلات التضخم بنسب 269% و162% و156% على الترتيب.

العام الجديد يرث أزمات العام السابق

لا يقف الأمر عند حدود معدلات التضخم المرتفع، التي من المعروف أن معالجتها طبقاً للخبرات السابقة للبلدان حول العالم، تحتاج إلى عدة سنوات وربما إلى عقد كامل، بل تسابقت المؤسسات الدولية بالتحذير من عديد من الأزمات الاقتصادية الموروثة من العام السابق.

وقد تَصدَّر صندوق النقد الدولي الرؤى التشاؤمية بشأن معدلات التضخم، ففي تقريره الدوري بعنوان "آفاق الاقتصاد العالمي أكتوبر 2022″، أشار إلى أن معدلات التضخم عام 2021 بلغت 4.7%، وارتفعت إلى 8.8% عام 2022، أي إن التضخم تضاعف في عامين. ويقدّر الصندوق أن تكون النسبة بحدود 6.5% في العام الحالي، وأن تتراجع لتصل إلى 4.1 % بنهاية عام 2024، ولكن هذا مشروط باستمرار الجهود المبذولة لانخفاض سعر الطاقة والغذاء.

كما يشير الصندوق إلى أن مدة النوبة التضخمية الحالية ستتوقف على عاملين: أولهما التفاعل بين استمرار ضيق الأوضاع في أسواق العمل واختناقات سلاسل الإمداد واستجابة البنوك المركزية، وثانيهما مدة الحرب في أوكرانيا وتداعياتها على أسعار الطاقة والغذاء والنمو العالمي.

وتأكيداً لهذه التوقعات، ذكر تحليل أجرته "بلومبرغ إيكونوميكس" أن الاقتصاد العالمي يواجه "واحدة من أسوأ سنواته منذ ثلاثة عقود"، إذ تستمر صدمات الطاقة وكذلك التضخم المتفاقم في كل مكان، علاوة على تشديد السياسات النقدية، وأثرها في الأداء الاقتصادي.

ولا يتوقف الأمر عند حدود التضخم الجامح، بل يمتدّ إلى مخاوف متعاظمة حول الانزلاق إلى فخ الركود الاقتصادي وربما الكساد التضخمي مع استمرار السياسات التشددية التي تنتهجها البنوك المركزية. وفي هذا الإطار يؤكّد صندوق النقد الدولي أن النشاط الاقتصادي العالمي يشهد تباطؤاً واسع النطاق وأكثر حدة من المتوقع.

وتَوقَّع الصندوق أن يتباطأ النمو العالمي من 6% في عام 2021 إلى 3.2% في عام 2022 و2.7% في عام 2023. وهذا هو أضعف معدَّل نمو منذ عام 2001 باستثناء الأزمة المالية العالمية والمرحلة الحادة لوباء كوفيد-19.

كما كشفت دراسة للبنك الدولي أن العالم قد يتجه نحو ركود اقتصادي في 2023، وما ينتج عنه من تداعيات طويلة الأمد ذات آثار مدمّرة على الشعوب في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، وذلك مع قيام البنوك المركزية في أنحاء العالم بزيادات متزامنة لأسعار الفائدة لمكافحة التضخم.

وفي ذات السياق قال مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال البريطاني، إن العالم سيواجه ركوداً في عام 2023، وحذر من أن أكثر من ثلث الاقتصاد العالمي سوف ينكمش، إذ تؤدّي تكاليف الاقتراض المرتفعة، التي هي بالأساس محاولة من البنوك المركزية لمعالجة التضخم، إلى انكماش عدد من الاقتصادات.

تَغوُّل حالة عدم اليقين حول الاقتصاد العالمي

ربما للمرة الأولى تشير المؤسسات الدولية إلى توقعات متفائلة على المدى غير القريب ومشروطة بأحداث عالمية بعينها مثل نهاية الحرب الأوكرانية، أو استمرار البنوك المركزية في التشدد النقدي على الرغم من أضراره. وقد عزّز حالة عدم اليقين هذه الموجة الجديدة من وباء كورونا التي غزت بعض دول العالم مؤخراً، والتي لا أحد يعرف على وجه التحديد حجم تداعياتها على اقتصاد عالمي بات مسكوناً بأزمات طاحنة يصعب الفكاك منها.


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي