حقلا تمار وليفياثان للغاز الطبيعي قبالة سواحل شمال غرب مدينة حيفا. (Others)

لكن يبقى هناك إشارات أخرى ترجح أن مسار التطبيع ربما يعود إلى نفس وتيرته المتسارعة مع انخراط جديد لبعض الدول العربية التي كانت رافضة للتطبيع "المعلن"، بالإضافة إلى ترسيخ التطبيع القائم مع مصر ودول اتفاقية أبراهام.

يأتي في مقدمة هذه الإشارات أزمة التغير المناخي المتفاقمة والتي انعكست على اتجاه عالمي لصياغة سياسات مفاجئة وغير متدرجة للتحول من الطاقة الأحفورية (النفط والغاز والفحم) إلى الطاقة المتجددة في ما يعرف بسياسات تحول الطاقة (Energy Transition Policies)، وهو الأمر الذي سيفرض نفسه في السنوات القليلة المقبلة، ليس فقط على السياسات الداخلية للدول ولكن أيضاً على العلاقات الخارجية والتحالفات بين الدول.

تغير الاستراتيجية الإسرائيلية والطريق نحو مزيد من صادرات الغاز

الاتجاه المتسارع نحو تحول الطاقة يصاحبه توقعات بتأثر صناعة النفط والغاز عالمياً، وهي توقعات في مجملها تسير في اتجاه تناقص الطلب على النفط والغاز مقابل ارتفاع نسب الطاقة المولدة من مصادر الطاقة المتجددة بهدف الوصول إلى الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتشير هذه التوقعات إلى أن فرص مبيعات وتصدير الغاز الطبيعي ستنتهي بعد عقدين أو عقدين ونصف من الآن (بحلول عام 2050)، هذا بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز المتوقع جراء فرض رسوم وضرائب للحد من استهلاك الوقود الأحفوري.

ويبدو أن إسرائيل نتيجة هذه المتغيرات المتسارعة في طريقها لتغيير استراتيجياتها المتحفظة في تصدير الغاز الطبيعي والتي تُلزمها باستخدام 60% من احتياطاتها للاستهلاك المحلي، وبالرغم أن الاستراتيجية الإسرائيلية في تصدير الغاز هي استراتيجية أمنية بالأساس تعتمد على أولوية تحقيق أمن الطاقة لدى إسرائيل كأولوية مقدمة عن تحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة من احتياطات الغاز الهائلة لديها، لكن تقديرات بخسائر تصل إلى 70 مليار دولار نتيجة سياسات تحول الطاقة العالمية وبقاء احتياطيات الغاز الإسرائيلية دون استثمار في العقود القادمة هي التي دفعت إسرائيل إلى إعادة صياغة استراتيجيتها وتخفيض نسبة 60% لتسمح بمزيد من صادرات الغاز الطبيعي قبل فوات الأوان.

التشريع الإسرائيلي المقترح والذي سيغير استراتيجية إسرائيل في تصدير الغاز سينعكس مباشرة على مسار صادرات الغاز الإسرائيلية، وهذا يعني أن الفترة القادمة ربما ستشهد زيادة صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، بالإضافة إلى الكميات المتدفقة بناء على صفقة الغاز المبرمة بين الطرفين في عام 2018، ويصدق هذا الاتجاه المقترحات الإسرائيلية الجديدة بإنشاء خط أنابيب يربط حقل ليفايثين بمحطات التسييل المصرية إدكو ودمياط، وأيضاً محادثات وزراء الطاقة الأخيرة للجانبين، والتي تشير إلى احتمالية استقبال مصر لصادرات جديدة من الغاز الإسرائيلي من أجل تسييله وإعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية.

زيادة صادرات الغاز الإسرائيلية إلى مصر لن تدعم العلاقات المصرية الإسرائيلية الحالية فقط، ولكنها ربما تفتح الطريق لعلاقات أو تفاهمات مع دول أخرى على رأسها لبنان وسوريا اللتان تعانيان من عدم قدرتهما على تأمين احتياجاتهما من الكهرباء ومن الغاز الطبيعي، حيث يمكن أن يصل إليهما الغاز من خلال زيادة صادرات الغاز الإسرائيلي لمصر ومن خلال إحياء مصر لخط الغاز العربي الذي يربط بين كل من مصر والأردن وسوريا ولبنان.

التكنولوجيا الخضراء الإسرائيلية.. بوابة العلاقات مع العرب

تتميز إسرائيل منذ عقود بتطويرها للتكنولوجيا الخضراء التي تتيح تأمين احتياجات الطاقة والمياه بما يتوافق مع السياسات العالمية المواجِهة للتغير المناخي والمحافِظة على البيئة، واستطاعت إسرائيل من خلال هذه التكنولوجيا فتح مسارات لعلاقات تجارية ودبلوماسية مع عديد من دول العالم.

ويبدو أن إسرائيل ترى أن هذا هو الوقت المثالي لها للاستثمار في ما تمتلكه من تكنولوجيا، لا سيما بعد الآثار الكارثية الناتجة من التغير المناخي العالمي في السنوات القليلة الماضية، وفي ظل التسابق الدولي في التعهد بالتزام سياسات تحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والتي صاحبها التوجه المتزايد عالمياً نحو تطوير التكنولوجيا الخضراء.

يأتي في نفس هذا الإطار، تبني الحكومة الإسرائيلية الجديدة تحت قيادة بينيت استراتيجية "دبلوماسية المناخ"، وهي استراتيجية تعتمد على تصدير إسرائيل للتكنولوجيا الخضراء المتطورة لديها ومشاركة خبراتها في ذلك المجال مع الدول الأخرى، وتأمل إسرائيل من خلال تلك الاستراتيجية أن تُزيد وتعمق من علاقاتها التجارية والدبلوماسية إقليمياً ودولياً.

في نفس الوقت تسعى إسرائيل من خلال تلك الاستراتيجية إلى تمهيد الطريق للتعاون مع الدول العربية غير المطبعة، ولمزيد من التعاون مع الأخرى المطبعة من خلال بوابة الاحتياج وبوابة التعاون العلمي والبيئي. وسيكون من السهل تخيل حجم العلاقات التي يمكن أن تنشأ تحت هذه اللافتة في منطقة تعاني أغلب دولها من تناقص حاد في المياه وأزمات طاقة لا تنتهي، وتكفينا الإشارة هنا إلى امتلاك إسرائيل لتكنولوجيا تحلية المياه ذات التكلفة المنخفضة، وتطويرها أيضاً لتقنيات الطاقة المتجددة وما يمكن أن يمثله ذلك من فرص لإسرائيل لبناء العلاقات أو لدعمها وتقويتها.

ربما لم يتخيل أحد من المتابعين لتطورات العلاقات في منطقة الشرق الأوسط أن انخراط الإمارات في علاقات مع إسرائيل كانت بوابته الرئيسية منذ سنوات هي التعاون البيئي والاستثمار في التكنولوجيا الخضراء، والتي مهدت الطريق في ما بعد للتطبيع ولعلاقات غير مسبوقة بين بلد عربي وبين إسرائيل لم تشهدها المنطقة منذ اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979.

ولا شك أيضاً أن تطورات ملف تحول الطاقة في السنوات الأخيرة أصبحت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعلاقات الخارجية والأزمات والتحالفات بين الدول، وبمعنى آخر يمكن القول إنها أصبحت مكوناً رئيسياً في السياسة الدولية، بالإضافة إلى انعكاسها على السياسات الداخلية للدول.

تدفعنا هذه الحقائق والمتغيرات المتعلقة بتغير الاستراتيجية الإسرائيلية لصادراتها من الغاز الطبيعي واستثمارها في ما تمتلكه من التكنولوجيا الخضراء، وانعكاسات ذلك على علاقتها مع الدول العربية، إلى توقع أن تشهد الفترة القادمة ما يمكن أن نطلق عليه "التطبيع الأخضر"، وهو في حقيقته الأخطر حيث يتمدد في فضاء غير سياسي، ولأنه يعتمد على سياق دولي مناسب من جهة ويعتمد على الاحتياج من جهة أخرى، وهو ما يجعل قبوله والانخراط فيه سهلاً ويفتح الطريق أمام تطبيع شامل ومعلن وفي وقت قصير.

على الجانب الآخر، لا زالت أغلب الدول العربية بعيدة عن مواكبة التحديات الجديدة لسياسات تحول الطاقة عالمياً، ولا زالت بعيدة عن صياغة استراتيجية مشتركة تعمق من تعاونها وتكاملها في ما بينها في مجالات النفط والغاز والطاقة المتجددة، لا سيما أنها تمتلك مقدرات وموارد طبيعية تمنحها التفوق والتميز، بدلاً من انخراط كل دولة على حدة في علاقات مع إسرائيل والتدافع نحو ترسيخ التطبيع الذي ستكون إسرائيل هي المستفيد الأول منه.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي