تحاول الدراما الخليجية في موسمها الجديد اللعب على وتر التطبيع الثقافي مع "إسرائيل" من خلال مجموعة من المسلسلات التي تعرض على شاشة الـ MBC من أبرزها مسلسل "أم هارون".

هل قرر بعض المحسوبين على النخبة العربية تجاوز "المحظور" وإعلان الولاء للكيان الصهيوني ثقافياً وفنياً؟ وهل بات التطبيع مجرد وجهة نظر بعد أن كان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال؟ وهل باتت الدراما قوة ناعمة لتوجيه الرأي العام العربي نحو العلاقة مع إسرائيل؟ وهل ينجح التطبيع الثقافي في تغيير تصوُّر العرب عن إسرائيل ؟

أسئلة كثيرة تخامر المشاهد العربي وهو يشاهد بعض الأعمال الدرامية الخليجية الصادمة في هذا الموسم الرمضاني الجديد. إذ قرر صناع الدراما فجأة إسقاط جميع الأقنعة والتعاطي مع موضوع شائك كان التطرق إليه بمثابة المشي في حقل من الألغام.

لكن مع مسلسلات من قبيل "أم هارون" و"مخرج 7" بات من الجلي أن مرحلة جديدة تنخرط فيها الدراما الخليجية التي كانت بعيدة عن دائرة التطرق إلى قضايا التطبيع الثقافي والنبش في الذاكرة بخصوص تاريخية الوجود اليهودي في الجزيرة العربية.

كما أن من الواضح أن صناع الدراما الخليجية الذين خصصوا اعتمادات مالية ضخمة هذه السنة لإنتاج هذه المسلسلات التي تهدف إلى تجسير الفجوة الثقافية مع الكيان الصهيوني الغاصب، أرادوا أن يقطعوا مع الصورة التي راكمتها الأجيال العربية عن التغريبة الفلسطينية ورسخت في المخيال الجماعي عن المحتل الصهيوني الفاشي الذي أسس وجوده على أساطير، واغتصب الأرض بقوة السلاح من أجل اجتثاث الفلسطينيين من أرضهم وتشريدهم.

وهذه الصورة التي تتوارثها الأجيال العربية منذ نكبة 1948 لا تزال حية في الأذهان وقد اجتهد عدد كبير من المبدعين في مجال الرواية والشعر والدراما والسينما لتخليد الملاحم الفلسطينية وجعل الوجع الفلسطيني حياً في الذاكرة تتوارثه الأجيال تماماً، كما تُراكم الوقائع المأساوية التي حدثت ولا تزال تحدث على أرض فلسطين. ولا تزال صرخة "لا تصالح" حية في أذهان أغلب النخب العربية، وأذهان أغلب المنحازين لقيم التحرر في العالم.

إذن ظل سؤال التطبيع حارقاً في المشهد الثقافي والسياسي العربي منذ سبعينيات القرن الماضي. وانحازت النخب الثقافية في مجملها إلى القضية الفلسطينية رافضة كل أشكال التطبيع مع الكيان الغاصب على الرغم من وجود تطبيع سياسي من قبل بعض الدول العربية.

وكانت جمهورية مصر العربية هي التي دشنت أولى لبنات التطبيع عندما أقامت صلحاً منفرداً مع "إسرائيل" من خلال معاهدة كامب ديفيد التي أمضاها الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات.

وكانت نتيجة هذا الصلح المنفرد بمثابة الصدمة للعرب جميعاً الذين قرروا مقاطعة مصر ليس سياسياً فقط بل ثقافياً أيضاً. وعلى الرغم من أن الإبداع المصري يعد جزء أصيلاً من الذائقة العربية من المحيط إلى الخليج فقد ظل لمدة ليست قصيرة خارج دائرة الاهتمام بعد مقاطعة عربية على إثر نقل الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس.

ولكن المفارقة اللافتة تؤكد أن مصر التي سبقت العرب جميعاً في إقامة علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني ظلت نخبتها الثقافية رافضة للتطبيع في مجملها. بل إن بعض الوجوه الثقافية التي ساندت التطبيع وروجت له كانت مآلاتها سيئة. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك اغتيال الأديب المصري يوسف السباعي في قبرص كرد فعل على مرافقته لأنور السادات في رحلته الشهيرة إلى القدس عام 1977، بصفته رئيس تحرير جريدة الأهرام.

كما أفادت بعض التقارير إلى أن وفاة عازف الغيتار المصري الشهير عمر خورشيد في حادث سير كانت مدبَّرة أيضاً. وهي بمثابة رد فعل على مرافقته السادات في رحلته إلى واشنطن في سياق المعاهدة مع إسرائيل.

وفي سياق متصل، ظلت الأعمال الفنية المعادية لإسرائيل والمنحازة للقضية الفلسطينية حاضرة بشكل دائم في كل المواسم. وتوجد أعمال أثارت ردة فعل كبيرة من الكيان الصهيوني نفسه واتهمت أصحابها بمعاداة السامية على غرار مسلسل "فارس بلا جواد"للفنان محمد صبحي، وغيرها من الأعمال الفنية التي جعلت القضية الفلسطينية حية في الأذهان.

وإذا كانت التغريبة الفلسطينية قد عرفت منعرجات كثيرة منذ النكبة وتأسيس دولة للكيان الغاصب على أرض فلسطين، وصولاً إلى نكسة عام 67 وما رافقها من تحولات جيو استراتجية، ثم حرب العبور عام 1973، وصولاً إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1978، من دون أن ننسى الانتفاضة الأولى والثانية والاجتياح وغيرها، فإن الدراما العربية ونعني المصرية والسورية على وجه الخصوص قد وثقت لكل هذه الوقائع وجعلتها قضيتها المركزية.

غير أن الوضع اليوم يبدو مختلفاً مع الدراما الخليجية. ففي ظل الارتباك الذي يعيشه المشهد العربي العام، وضياع البوصلة والفوضى العارمة الحاصلة فيه، يبدو أن الأولويات تغيرت سواء على مستوى الفعل السياسي أو الإبداع الفني.

فمن الملاحظ أن الدراما المصرية توجهت إلى بعض القضايا المخصوصة كما أن فرص الإنتاج بالنسبة إلى الدراما السورية تراجعت وانحسرت أيضاً إمكانات العرض في ظل الظروف التي تعيشها سوريا. وفي المقابل ارتفعت أسهم الدراما الخليجية القادمة على عجل للمنافسة وهي المدججة بتمويلات كبيرة سعودية وإماراتية ومدعومة من القنوات الخليجية.

ومن الواضح أن هذه الدراما اختارت أن تغرد خارج السرب وأن تطرق باب التطبيع بشكل مفضوح وصادم اتساقاً مع صفقة القرن. ففي ثنايا الفن تكمن السياسة. وهي هنا سياسة تتسم بالفجاجة والجُبن. فعلى الرغم من العلاقات الوطيدة بين بعض الدول الخليجية و"إسرائيل" التي تجري تحت الطاولة، وعلى الرغم من هذا التطبيع السينمائي، فلم يجرؤ أحد من هذه الأنظمة على إظهار هذه العلاقة للعلن وتحمل المسؤولية، ما دامت العلاقة مع "إسرائيل" تخدم مصالحهم كما يدعون.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي