بينما تعارض كل التيارات الإسلامية والأحزاب القومية العربية التطبيع وتعتبره جريمة سياسية وخيانة للثوابت الوطنية والمبادئ الإسلامية، نجد أن الحزب الجمهوري، وحزب المؤتمر السوداني بقيادة عمر الدقير، من أشد المؤيدين للتطبيع الكامل مع إسرائيل.

تباينت مواقف القوى السياسية السودانية حول إقدام الحكومة الانتقالية على إعلان التطبيع مع إسرائيل تحت رعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

إجمالاً، بينما تعارض كل التيارات الإسلامية والأحزاب القومية العربية التطبيع وتعتبره جريمة سياسية وخيانة للثوابت الوطنية والمبادئ الإسلامية، نجد أن الحزب الجمهوري الذي أسسه محمود محمد طه، وحزب المؤتمر السوداني بقيادة عمر الدقير، من أشد المؤيدين للتطبيع الكامل مع إسرائيل.

ويعد حزب المؤتمر السوداني والحزب الجمهوري من الأحزاب التي تشكل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (قوى الحرية والتغيير) بجانب الحزب الشيوعي وحزب الأمة وأحزاب أخرى.

في مقابل هذه الأحزاب الصغيرة داخل تحالف قوى الحرية والتغيير، يرفض حزب الأمة القومي أكبر الأحزاب السودانية تاريخياً التطبيع مع إسرائيل. كما أعلن الحزب الشيوعي السوداني، السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول، 2020 رفضه لتطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل باعتبار أن قرار التطبيع مع الكيان الصهيوني جرى بمراوغة، فضلاً عن الابتزاز الذي تعرضت له حكومة الخرطوم.

ورفضت أحزاب أخرى من تحالف الحرية والتغيير التطبيع منها حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الناصري، واعتبرتها انقلاباً على الحاضنة السياسية للحكومة.

وفي بيان أصدره السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة، وآخر رئيس وزراء منتخب، في 24 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لخص الحيثيات المبدئية والسياسية لرفض التطبيع، بالقول: إن "مؤسسات الحكم الانتقالية غير مؤهلة لاتخاذ أية قرارات في القضايا الخلافية مثل إقامة علاقات مع دولة الفصل العنصري: إسرائيل. يرجى أن تلتزم مؤسسات الحكم الانتقالي كافة بهذا الموقف، ونحن نسحب تأييدنا لمؤسسات الحكم الانتقالي إذا أقدمت على إقامة علاقات مع دولة الفصل العنصري والاحتلال. العلاقات مع دولة الفصل العنصري، إسرائيل، لا صلة لها بالسلام بل سوف تدفع نحو مزيد من المواجهات. لا سلام بلا عدالة".

وعن الخطوات العملية التي يعتزم القيام بها المهدي وحزبه، قال في بيانه: "لقد ناشدنا نقابة المحامين أن تتولى فتح بلاغات ومساءلة الذين يخالفون قانون مقاطعة إسرائيل، وسيقوم محامو حزب الأمة القومي بذلك أيضاً، فالخيانة ليست وجهة نظر تحميها الحرية"، كما أكد عزمه الانسحاب من دعم الحكومة الانتقالية حال التوقيع الرسمي على أي اتفاقية تقرر تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

بهذه التطورات الميدانية الكبيرة تصبح الحكومة الانتقالية على المحك السياسي، فالقوى السياسية الرئيسية الداعمة للحكومة الانتقالية ترفض التطبيع مع إسرائيل.

كما أن الشارع السوداني والجماهير العريضة التي حملت السيد عبد الله حمدوك من وظيفة بيروقراطية في منظمة إقليمية إلى منصب رئيس الوزراء لم تعد بذات الحماس للرجل. بل خرجت مظاهرات كبيرة في العاصمة الخرطوم وبعض الولايات في ذكرى ثورة 21 أكتوبر 1964 منددة بالفشل السياسي والاقتصادي لحكومة حمدوك.

استبدال الحاضنة السياسية

ممَّا يزيد الأوضاع الداخلية في السودان تعقيداً الانقسام الحاد في الموقف من إسرائيل من جهة، والواقع الذي فرضته اتفاقية السلام الموقعة حديثاً في جوبا بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية من جهة أخرى.

فهذا الاتفاق ينص على منح القوى الموقعة على اتفاق جوبا ثلاثة مقاعد في مجلس السيادة، وخمس حقائب وزارية في مجلس الوزراء، لقادة الفصائل المسلحة، بالإضافة إلى 25% من المجلس التشريعي المزمع تكوينه بجانب حكم ذاتي لجنوب كردفان والنيل الأزرق.

ويتوقع أن تنخرط الحكومة الانتقالية مجدداً في مباحثات سلام مع الحركة الشعبية مجموعة عبد العزيز الحلو (التي تحتل مناطق واسعة في منطقة جبال النوبة في جنوب كردفان) وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور. وأي اتفاق سلام يعني محاصصة جديدة تقضم من نصيب الحاضنة السياسية القديمة أي قوى الحرية والتغيير التي تعاني انقساماً الآن بسبب التطبيع مع إسرائيل.

في هذا السياق ربما يحدث استبدال شبه كامل للحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية بخروج الأحزاب الرافضة للتطبيع من الحكومة التنفيذية ودخول الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقيات سلام بدلاً عنها.

في ظل هذا التوجه سيكون السودان مقبلاً على تحول توجد فيه حاضنة سياسية تغلب عليها الحركات المسلحة المنحدرة من دارفور، وهنا ستدخل هذه الحركات في تحالف مع نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان حميدتي قائد قوات الدعم السريع. وقد أشار تقرير أممي صادر عن لجنة الخبراء في مجلس الأمن في 14 يناير/كانون الثاني 2020 إلى أن حميدتي عمل على هامش مفاوضات جوبا على استمالة الحركات الدارفورية المسلحة من خلال "استخدام خطاب يركز على المصلحة المشتركة، وأنه ينبغي على جميع أهالي دارفور، عرباً أو غير عرب، أن يتحدوا لتولي الحكم في الخرطوم ضد نخب الجلابة التي هيمنت على السودان منذ الاستقلال، وذلك بغية وضع حد لعقود من تهميش دارفور"، وذكر التقرير أن بعض قادة الحركات المتمردة أبدوا تجاوباً مع هذا الخطاب. ولا يغيب عن البال أن الفريق أول حميدتي من أشد المؤيدين للتطبيع مع إسرائيل.

تأتي هذه الترتيبات في سياق أن الفريق الداعم للتطبيع في السودان يحظى بدعم محور الإمارات-السعودية-مصر، وهو المحور نفسه الذي استعاد موكب التطبيع مؤخراً. وقد كشف وزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين لصحيفة (السوداني) في عددها الصادر يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2020 عن ارتباط عملية التطبيع بالوضع السياسي العام في المنطقة بقوله: "الاتفاق مع السودان جاء بعد الاتفاق مع الإمارات والبحرين، ونحن حالياً تحت المظلة الأمريكية نبني في تحالف سوداني، إماراتي، مصري وأردني، ونتوقع انضمام دول أخرى في الإقليم لهذا التحالف"، ولا يغيب عن الملاحظة طبيعة دول هذا التحالف الجديد فهي أنظمة إما ملكية وإما عسكرية.

إذا وضعت عملية التطبيع بين السودان وإسرائيل في سياق تشكل أو توسع محور الثورة المضادة والتطبيع فيمكن الجزم بأن الفترة الانتقالية في السودان لن تنتهي بعد 3 سنوات بانتخابات حرة ونزيهة تضمن الانتقال الديمقراطي والتبادل السلمي للسلطة في السودان بعد ثلاثة عقود من الحكم العسكري بقيادة الرئيس المخلوع عمر البشير، بل ستؤول إلى حكم شمولي جديد بقيادة جنرال عسكري مثل عبد الفتاح البرهان، أو سيدفع هذا المحور برئيس جديد ذي خلفية عسكرية كما حدث في القاهرة 2013، وهو السيناريو الثاني البغيض سودانياً وعربياً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي