إن مستقبل البشرية ومدى ازدهارهم قائم على مدى تعاونهم للتغلب على المشكلات الجماعية التي تواجههم. إن النهج أحادي الجانب يجب أن ينتهي تماماً ليحل محله نهج "يعترف بالاعتماد المتبادل، وأسبقية العمل الجماعي المبني على الأدلة"

الخوف الأكبر لم يعد الإصابة بعدوى الفيروس أو حتى انتشاره، بل أصبح الخوف أن تخرج البشرية من هذا الدرس القاسي ولم تتعلم منه جيداً. والدرس الأهم الذي يجب أن تتعلمه البشرية جمعاء هو أن المشاكل المصيرية التي تواجهها اليوم سواء على نطاق الأوبئة البيولوجية أو الاحتباس الحراري والتلوث وتغير المناخ لن يكون بمقدور جماعة واحدة أو دولة واحدة أو حتى عدة دول مواجهتها بشكل منفرد. بل يجب أن يتوفر تعاون وتنسيق على مستوى عالمي من جميع الدول والمنظمات الدولية والكيانات غير الحكومية للتغلب على هذه المشكلات الكبرى.

لقد جرّب العالم خصوصاً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، نظاماً عالمياً جديداً تشكل فيه الاعتمادية المتبادلة جوهر العلاقات بين دوله الأعضاء. وكان إنشاء المنظمات الدولية كالأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة الدولية وغيرها من الكيانات الانعكاس المؤسسي لفكرة التبادلية، حتى بات العالم يوصف بالقرية الصغيرة وأخذت العولمة فيه تبعاً لذلك لتصبح النسق السائد. وقد كان انضمام الصين إلى منظمة التجارية الدولية مطلع الألفية الثالثة انتصاراً لهذا النهج الاعتمادي.

ترتب من حيث المنطق الإجرائي على هذه الاعتمادية أن يتحقق تعاون متبادل أيضاً. فمن غير التعاون والتنسيق المتبادل تصبح الاعتمادية مفرّغة من معناها. وطيلة السنوات السابقة تمحور النسق التعاوني، على الأغلب، في الشؤون الاقتصادية والتبادل التجاري، في حين تحقق تعاون على خجل في الشؤون الأمنية. وإذا أردنا أن ندلل على ذلك يكفي النظر في الكيفية التي تعاطى فيها مجلس الأمن الدولي مع الأزمة السورية، وكيف عانى من الشلل التام جراء الفيتو الروسي والصيني المتكرر. ولم يكن الحال أفضل فيما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي إذ عجز المجلس عن اتخاذ ما يلزم من قرارات نظراً إلى الفيتو الأمريكي الدائم لصالح "إسرائيل".

والأخطر من ذلك أن هذه النسق التعاوني الدولي قد غاب بشكل كبير في القضايا التي تشكل تهديداً وجودياً على البشرية من أمثال الأوبئة والاحتباس الحراري. ولقد تنبهت لذلك منظمة الصحة الدولية على لسان رئيسها تيدروس أدهانوم غيبريسوس عندما صرّح: "على الرغم من أن سلطات الصحة العامة في جميع أنحاء العالم لديها القدرة على مكافحة انتشار الفيروس بنجاح، تشعر المنظمة بالقلق من أن مستوى الالتزام السياسي في بعض البلدان لا يتطابق مع مستوى التهديد. هذه ليست مناورة. هذا ليس وقت الاستسلام. هذا ليس وقت الأعذار. لقد كانت البلدان تخطط لسيناريوهات مثل هذه لعقود. لقد حان الوقت للعمل وفقًا لتلك الخطط. يمكن دفع هذا الوباء إلى الوراء، ولكن فقط من خلال نهج جماعي ومنسق وشامل يشرك الجهاز الحكومي بأكمله".

يضع الفيلسوف سلافوي تشيتشك كلام غيبريسوس في سياق أوسع، إذ يقول في كتابه الجديد "جائحة: كوفيد-19 يهز العالم": "يمكن للمرء أن يضيف أن مثل هذا النهج الشامل يجب أن يتجاوز إلى حد بعيد آلية الحكومات التي تعمل بشكل منفرد: يجب أن تشمل التعبئة المحلية الأشخاص الذين هم خارج سيطرة الدولة أيضاً (ويعني المنظمات والكيانات غير الحكومية) وكذلك التنسيق والتعاون الدولي القوي والفعال. إذا أصبح الآلاف في المستشفى يعانون من مشاكل في التنفس، فستحدث حاجة إلى عدد متزايد بشكل كبير من أجهزة التنفس، وللحصول عليها، يجب على الدولة التدخل مباشرة بالطريقة التي تتدخل فيها في ظروف الحرب عندما يُحتاج إلى آلاف البنادق. كما ينبغي أن تسعى للتعاون مع الدول الأخرى. كما هو الحال في الحملة العسكرية، يجب تبادل المعلومات وتنسيق الخطط بالكامل ".

هذه "الاشتراكية الجديدة" التي ينظر إليها تشيتشك تصطدم بواقع يتحرك باتجاه معاكس تماماً. صحيح أنه يوجد استنفار عالمي لإيجاد لقاح للفيروس، ولكن لا يبدو أن هذا الاستنفار يجري من خلال تنسيق دولي. نحن نسمع عن لقاح أمريكي وآخر صيني وآخر ألماني وهلم جرّاً.

أما الأدهى والأمر فإنه وفي الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى قيادة حكيمة تتبع النهج التعاوني وتشجع عليه، نجد أن الدولة العظمى في العالم، وهي الولايات المتحدة، تحرض على اتباع نهج معاكس تماماً. فبدلاً من زيادة الدعم لمنظمة الصحة الدولية نجد أن الرئيس ترمب قد قطع دعم بلاده المالي عنها على خلفية اتهاماتها بأنها تحابي الصين في هذه الأزمة، وأنها لم تقم بدورها على أكمل وجه أو أنها تسترت على معلومات بشأن الوباء في بواكير انتشاره. هذا فضلاً عن رواية "فيروس ووهان" أو "الفيروس الصيني" التي تتبعها إدارة الرئيس ترمب وتصعّد من خلالها حدة الخلاف مع الصين.

لا تشكل هذه السياسة نهجاً اعتباطياً لدى الرئيس ترمب، بل هي النهج الذي يعبر عن السياسة المركزية لديه، ذلك أنه لا يؤمن بالاعتمادية أو التعاونية الدولية. بل على العكس، إذ شجع منذ وصوله إلى البيت الأبيض على نهج أحادي الجانب سواء على الجانب السياسي الذي تمثل بالسياسية الانعزالية أو على الجانب الاقتصادي الذي تمثل بالسياسة الحمائية. وهنا نتذكر كيف انسحبت إدارة الرئيس ترمب من اتفاقية المناخ الموقّعة في باريس عام 2015، والاتفاق النووي الإيراني الذي جرى اعتماده بقرار من مجلس الأمن عام 2015 أيضاً.

لا يحدث هذا اللا تعاون على المستوى الدولي وحسب، بل إن النظم الإقليمية أثبتت أنها غير مستعدة للقيام بتنسيق وتعاون يتناسب وخطورة الظرف الراهن. فالاتحاد الأوروبي لم يقم بدوره المفترض في دعم أعضائه، ويكفي النظر إلى تعاطي أعضاء الاتحاد مع إيطاليا التي شكلت لفترة طويلة بؤرة انتشار الوباء في أوروبا. وبدلاً من المسارعة في نجدتها، كان الرد إغلاق الحدود. وفجأة وجد الطليان أنفسهم أقرب من بكين وأنقرة أكثر من باريس وبرلين، إذ سارعت كل من الصين وتركيا إلى تقديم يد المعونة وفق المستطاع.

أما في عالمنا العربي فحدث ولا حرج فلم يقتصر الأمر على غياب التنسيق والتعاون بين دول المنطقة بل رأينا كيف تعمل بعض الجهات على تسعير الأزمات والخلافات في مشهد يندى له الجبين. فهذه الأزمة وعلى الرغم مما فيها من أبعاد إنسانية واضحة، لم تدفع أطراف النزاع إلى وضع خلافاتهم جانباً والبحث عن سبل توافقية لإحلال السلام والاستقرار في بعض البؤر الساخنة لتجنيب المدنيين المزيد من الويلات والآلام. لقد رأينا كيف سعّرت الإمارات من الحروب الدائرة في ليبيا عبر تعزيز دعمها للمنشق حفتر، في حين عززت دعمها للمجلس الانتقالي في جنوب اليمن لكي يصعد، هو بدوره، من هجماته على قوات الحكومة الشرعية. هذا فضلاً عن تلك الجهات التي تحاول ضرب الاقتصاد التركي من خلال التلاعب بسعر صرف الليرة التركية.

لا بدّ من تعلم الدرس الكبير هنا وهو أن مستقبل البشرية ومدى ازدهارهم قائم على مدى تعاونهم للتغلب على المشكلات الجماعية التي تواجههم. إن النهج أحادي الجانب يجب أن ينتهي تماماً ليحل محله نهج "يعترف بالاعتماد المتبادل، وأسبقية العمل الجماعي المبني على الأدلة"، على حد قول ويل هاتون.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي