تهدف إسرائيل من خلال سياسة تصيد أطراف الفلسطينيين إلى الزج بهم في حالة بين الحياة وبين الموت؛ أن تلقي بهم في عجز دائم يفرض ضغطاً هائلاً على رصيدهم الجسدي وبنيتهم الاجتماعية.

بلغت حصيلة شهداء وإصابات مسيرة العودة منذ انطلاقها قبل نحو عام في قطاع غزة نحو 266 شهيداً و 30398 مصاباً بإصابات مختلفة، ولكن الملاحَظ بقوة في هذه الأحداث هو حالات البتر التي بلغت 136 حالة بتر توزعت بين 122 في الأطراف السفلية، و14 في الأطراف العلوية في ظل عجز شبه كامل في المستشفيات والبنية التحتية الصحية بشكل عامّ.

يجري الحديث في الأراضي الفلسطينية المحتلة عن ظاهرة "أطلق النار لتشلّ". ويتحدث المختصون عن تزايد حالات إطلاق النار على الرُّكَب وعظم الفخذ واستهداف الأعضاء الحيوية للمتظاهرين والمقاومين، كممارسة مستمرة ومكثفة لسياسة إسرائيل في كسر عظم قاذفي الحجارة منذ الانتفاضة الأولى، واستهداف الأعضاء الحيوية الداخلية والحواسّ مباشرة بالرصاص الحي أو الرصاص المتفجر (الدمدم) المصُمَّم ليتفجر في أجساد الضحايا، بهدف إيقاع أكبر قدر ممكن من الضرر الداخلي بهم، في الانتفاضة الثانية، وهو الذي استمر بشكل ممنهج أكثر مسيرات العودة السلمية على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة المحاصَر.

والأمر المثير للسخرية هو أن إسرائيل تزعم أنها لا تقتل الناس وإنما تمارس نهجاً من السياسات الحياتية يُطلَق عليه "دعه يعِشْ"، وهكذا فإن "أطلق النار لتشلّ" يبدو نهجاً إنسانيّاً للحرب في عرف الليبراليين.

ومن مظاهر هذه النزعة الإنسانية المزعومة الصاروخ التحذيري الذي يجب على السكان بعده إخلاء بناية أو مساحة مأهولة بالسكان في وقت لا يتجاوز دقائق معدودة قبل القصف بالطائرات والتدمير الكامل من قبل المقاتلات الإسرائيلية. ولكن ماذا يفعل الأطفال والنساء وكبار السن ومَن تسببت إسرائيل في إعاقتهم الدائمة بسياسية "أطلق النار لتشل" في حالة كهذه على سبيل المثال؟ أو بعبارة أخرى ما الذي يمثله البتر والتعطيل الجسدي الناتج عن هذه السياسة في اقتصاد السياسات الحياتية؟

تمثّل الممارسات الإسرائيلية العدوانية بحق الفلسطينيين ضمنيّاً حالة يمكن أن نطلق عليها "الحقّ في التعطيل الجسدي"، على غرار مفهوم "الحقّ في القتل" الكلاسيكي الذي مارسته السلطات السيادية بحقّ الأعداء في الخارج والمناوئين في الداخل، وبالتالي إضعاف الأجساد الفلسطينية كشكل من أشكال السيطرة على الاقتصاد البشري الفلسطيني.

"التعطيل الجسدي" بوصفه ممارسة متعمَّدة لإسرائيل ضد الفلسطينيين يعتبر أسوأ من الفصل العنصري وأسوأ من الموت.

أماني أبو رحمة

فالتشوية في هذا العرف ليس اعتداءً عرضيّاً على الحياة، أو إضراراً جانبيّاً غير مقصود، ولكنه، بدلاً من ذلك، الهدف النهائي المقصود لإنتاج عجز مزدوج عن طريق إلحاق الأذى الدائم بالجسد وتعطيله اجتماعيّاً واقتصاديّاً، واستنزاف أنظمة دعم الحياة التي تسمح للسكان بالشفاء من هذا الضرر أو غيره.

يُوَظَّف التعطيل الجسدي إجمالاً لتحقيق الأهداف التكتيكية للاستعمار الاستيطاني الإحلالي الإسرائيلي. ويعمل هنا على مستويين: الأول تشويه البشر في سياق محروم بالكامل وبشكل ممنهج من الموارد، والثاني نخر أجساد القادرين وإصابتها بالوهن من خلال السيطرة على السعرات الحرارية والمياه والكهرباء ومستلزمات الرعاية الصحية والوقود. والأمثلة هنا كثيرة، منها "القَزمَنة"، أو ما يُعرف بـ"3 سم أقلّ"، أي نقص متوسط الطول بمعدل 3 سم من جيل إلى جيل بسب سوء التغذية الناتج عن ممارسات متعمَّدة وممنهجة وطويلة الأمد في الأراضي الفلسطينية.

يدعونا فهم التعطيل الجسدي بوصفه هدفاً محدَّداً للسياسات الإسرائيلية إلى توسيع فكرة أن الاستعمار الاستيطاني بوصفه مشروعاً للقضاء على السكان الأصليين لا يعمل إلا عن طريق الإبادة الجماعية أو الاستيعاب، وتتطلب منا إعادةُ تقييم إطار هذه السياسات تضمينَ أشكال مثل البتر والتشويه وتعطيل النموّ الجسدي وسوء التغذية المتعمَّد التي دأب المستعمرون الاستيطانيون على ممارستها، وإسرائيل واحدة منهم.

يحقِّق إنتاج التعطيل الجسدي لإسرائيل أهدافاً متعددة، فهذا الاتجاه يُبقِي عدد القتلى منخفضاً نسبيّاً بالمقارنة مع الإصابات، في حين لا يزال يُضعِف السكان بقوَّة، ويقود إلى تهجير السكان من خلال الاستنزاف البطيء للموارد، ومن خلال تشويه شكل الإنسان.

وبينما تسيطر إسرائيل على الضفة الغربية من خلال نقاط التفتيش والحواجز فإنها تخنق قطاع غزة من خلال "حدود الخنق". وما هو على المحك في سياسة "حدود الخنق" هنا ليس الاستيلاء على حياة السكان فقط، ولكن محاولة الاستيلاء على المقاومة نفسها، أي من خلال جر المقاومين إلى الحدود واستنزاف قدراتهم وتشويه أجسادهم دون اقتحام أو إبادة المناطق الحدودية.

وهكذا فإن الكوارث المتحققة فعليّاً لن تتحول إلى حالة طوارئ تستلزم التدخُّل الفوري والعاجل، بل إنها قد لا تستدعي أي تدخُّل على الإطلاق، كما أنها لن تثير كثيراً من النقاشات حول "القوة غير المتكافئة" و "قتل المدنيين العُزْل".

يدعونا فهم التعطيل الجسدي بوصفه هدفاً محدَّداً للسياسات الإسرائيلية إلى توسيع فكرة أن الاستعمار الاستيطاني بوصفه مشروعاً للقضاء على السكان الأصليين.

أماني أبو رحمة

يصبح "التعطيل الجسدي" بوصفه ممارسة متعمَّدة لإسرائيل ضد الفلسطينيين أسوأ من الفصل العنصري وأسوأ من الموت، إذ باتت تنتشر عبارة "الموت أفضل من هذه الحياة" في المجتمع بأكمله، ويبدو الأمر كما لو أن حجب الموت يعادل نزع الإنسانية عن الفلسطينيين الذين ليسوا بشراً بما يكفي ليحظوا بالموت.

يعمل التعطيل الجسدي كعملية "صنع موت" بطيئة ولكن مكثَّفة في الوقت نفسه، لأن استهداف الجسد بالتعطيل هو هجوم متسارع على جبهتَي الأجساد والبنية التحتية معاً، فهي من ناحية تجعل الجسد معلَّقاً بين الحياة وبين الموت، فهو كموت أعجزته الحياة أو كحياة أعجزها الموت. ومن ناحية ثانية فإن تكاليف رعاية "جيش من العاجزين" تصبح باهظة على الصعيد الاجتماعي والنفسي والمادِّيّ.

إن التركيز على ثنائية الموت والحياة دون النظر إلى الطيف العريض من الاحتمالات بينهما قد يحجب ممارسات متعمَّدة كثيرة ومتنوعة تندرج كلها في إطار "لن ندعه يموت" الذي برعت السياسات الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية في تنفيذه لتحقيق أهداف مضاعفة مع الاختفاء تحت ستار "لم نقتله"، أي لم نقترف ذنباً.

تستوجب الممارسات العدوانية الإسرائيلية المتطورة باستمرار في فلسطين المحتلة تنظيراً أبعد من التنظير العسكري الكلاسيكي، لأن عنف الممارسات وتركيزها غير المسبوق على البشر والبنية التحتية وتحويرها الدائم للهروب من المساءلة القانونية والأخلاقية لا يمكن فهمها إلا بتنظير سياسي حياتي مكثَّف ومخصَّص لحالة استعمارية متجددة وفريدة من نوعها في عالمنا المعاصر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي