من تظاهرات اللبنانيين مؤخراً امام مقر البرلمان  (Joseph Eid/AFP)

وهناك توقعات بمزيد من الانهيار في ظل انشغال أركان السلطة بخلافاتها. الانهيار السياسي ليس أقلّ سوءاً من النقدي، فالخلافات حول تشكيل الحكومة ما زالت على حالها، وكلّ ما قيل عن مبادرات لإيجاد مخرج للتوافق بين رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ورئيس الجمهورية ميشال عون ومعه جبران باسيل حول شكل الحكومة وعدد وزرائها وتوزيع حقائبها، ما زال تكهنات وآمالاً يعقدها اللبنانيون على كل تصريح أو موقف أو زيارة يقوم بها أحد سعاة الخير.

وفي الوقت الذي تعمّ الشارع فيه الفوضى بسبب جنون الليرة وغياب أي دور للسلطة بضبطها، أطلّ وزير الداخلية قبل أيام ليعلن أن الوضع الأمني في لبنان بات مكشوفاً، متوقعاً حصول انفلات في الشارع. هذا الإعلان تزامن مع تحليلات عدد من المحللين والمراقبين حذروا من حصول حدث أمني كبير قد يشهده لبنان في الفترة المقبلة نتيجة للانفلات الحاصل وحال الضياع الذي تعيشه السلطة.

الصورة المتشائمة للوضع في لبنان ليست مبنية فقط على تحليل أو تقدير موقف، بل صدرت عن رأس الدبلوماسية الفرنسية جان إيف لودريان الذي قادت بلاده مبادرة للبحث عن مخرج للأزمة اللبنانية، إذ أشار إلى أن "الوقت قصير جداً قبل انهيار لبنان"، وتنسجم هذه الصورة السوداوية مع ما عبّر عنه السفير البريطاني في بيروت الذي حذّر من عواقب إطالة أمد الأزمة، متهماً "المسؤولين اللبنانيين بعدم مساعدة بلدهم في مواجهة مخاطر الانهيار".

استمرار تهاوي سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار حيث فقدت أكثر من 90 بالمائة من قيمتها في السوق السوداء  (Reuters)

الانهيار الذي يتمّ الحديث عنه يشكّل التوافق السياسي الخطوة الأولى لتجنّبه. فأهمية الحل السياسي لا تكمن فقط في أنها تُنهي الشغور الحكومي، وتعيد ترتيب أوراق السلطة، بل كذلك لأنها تعني توافقاً بين القوى المتخاصمة ونهاية لحالة الطلاق البائن في ما بينها.

الأهمّ من ذلك هو أن تشكيل الحكومة يُعَدّ مدخلاً أساسياً لبدء البحث عن حلول للأزمات الأخرى التي يرزح تحتها اللبنانيون، والتي تتصدرها الأزمة النقدية والانهيار الاجتماعي والمعيشي.

فصندوق النقد الدولي اشترط لتقديم أي مساعدة للبنان تشكيل حكومة اختصاصيين فاعلة وقادرة على القيام بالخطوات المطلوبة منها، والتي تشكل الإصلاحات الاقتصادية أبرز خطوطها.

من جانب آخر، فإن الانفلات النقدي في الشارع وغياب أي ضابط له، وانتعاش السوق السوداء لسعر صرف الليرة، وجشع بعض التجار وتحكّمهم بالسلع المتاحة في السوق، لا يمكن معالجة كل ذلك إلا من خلال حكومة تملك الغطاء السياسي من القوى السياسية للقيام بضبط الشارع ومكافحة السوق السوداء، وملاحقة التجار الذين يستغلون الأزمة الحاصلة لتحقيق أرباح على حساب اللبنانيين.

كما أن عودة التظاهرات والاحتجاجات وقطع الطرقات إلى الشارع لا يمكن مواجهته إلا بتوافق سياسي يتمّ تتويجه بتشكيل الحكومة وعودة السلطة التنفيذية بوزاراتها وإداراتها المختلفة وأجهزتها الأمنية للقيام بعملها، سواء من خلال السعي لوضع حد للانهيار الحاصل، ومخاطبة الناس وطمأنتهم وتقديم مساعدات مؤقتة لهم تعينهم على مواجهة الانهيار الاقتصادي وتردّي قيمة رواتبهم، أو من خلال تقارب القوى الرئيسية في قاعة مجلس الوزراء، بخاصة بعد تردُّد معلومات أكدت أن معظم التحركات المطلبية التي شهدها الشارع في الأسابيع الماضية تحرّكها أحزاب تستغلّ حاجات الناس والأوضاع المعيشية لتوجيه رسائل إلى خصومها.

متظاهرون غاضبون يشعلون النار في حاويات القمامة ويغلقون شارعا في بيروت احتجاجا على انهيار الوضع الاقتصادي.  (Reuters)

الانعكاسات الإيجابية للتوافق السياسي وتشكيل حكومة جديدة سيطال أيضاً السلطة القضائية وعمل القضاة، بخاصة أن العديد من القضايا الهامة قد وُضع على القضاء لمتابعتها والتحقيق فيها، لا سيما الاغتيالات السياسية التي كان آخرها اغتيال الناشط لقمان سليم، بالإضافة إلى ملف انفجار مرفأ بيروت، وما يستدعيه من توجيه الاتهام إلى مسؤولين كبار في السلطة أمنيين وسياسيين وإداريين.

صحيح أن السلطة القضائية، حسب الدستور، مستقلة، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن القضاء في لبنان مسيَّس ويتأثر بشكل سلبي بالخلافات والمناكفات. في المقابل يشكّل الاستقرار السياسي حاضنة للقضاة، ويشجّعهم على القيام بدورهم في متابعة الملفات، ويمنحهم الجرأة لاتخاذ الإجراءات القضائية المطلوبة للوصول إلى النتائج المرجوّة. عمل القضاء مرتبط كذلك بالأجهزة الأمنية التي تشكّل أداة تنفيذية له. فالاستقرار السياسي يتيح لهذه الأجهزة القيام بواجباتها في تنفيذ مذكرات التوقيف وإجراء التحقيقات الميدانية.

التوافق السياسي في حال حصوله سيشكّل كذلك مدخلاً للحوار حول القضايا التي باتت عنواناً للانقسام بين اللبنانيين، والتي كان آخرها دعوة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من منبر بكركي لعقد مؤتمر دولي حول لبنان، ومطالبته بالحياد عن الصراعات القائمة في المنطقة، ورفض وجود سلاح غير سلاح الجيش اللبناني.

مواقف البطريرك الراعي الموجّهة بشكل واضح باتجاه حزب الله احتلّت حيّزاً من اهتمامات اللبنانيين في الآونة الأخيرة بين مؤيد لها ومعارض. وفي حال عدم التوصل إلى تفاهم حولها فقد تشكّل عامل انقسام إضافياً اللبنانيون اليوم في غنى عنه.

ليست المرة الأولى التي ينقسم فيها اللبنانيون حول قضايا مفصلية، لكن جرت العادة أن تتم السيطرة على هذا الانقسام ومحاصرته، كأنْ يظلّ على شاشات وسائل الإعلام أو تحت قبة البرلمان أو في مجلس الوزراء، وكان يتمّ تحييد الشارع عن أي تأثير سلبي له.

لكن اليوم، وفي ظل التعثّر الحاصل في ملف تشكيل الحكومة، وانعكاس هذا التعثر على أداء مجلس النواب، وفي ظلّ نزول اللبنانيين إلى الشارع احتجاجاً على الأوضاع المعيشية والاقتصادية، فقد يُخشى من استغلال هذا الانفلات لتسلُّل عناوين سياسية، كالعناوين التي رفعها البطريرك الراعي والتي ينقسم حولها اللبنانيون، فستكون سبباً لتقاتل داخلي، ربما يُعرف كيف سيبدأ، ولا أحد يعرف كيف تكون نهايته.

لا يبدو في الأفق حلّ قريب للأزمات الكثيرة التي تحيط باللبنانيين، لكن ما هو مؤكد هو أن إيجاد حلّ للأزمة السياسية وتشكيل حكومة جديدة سيكون مدخلاً إلزامياً لإيجاد الحلول للأزمات الأخرى التي تضيّق الخناق حول رقاب اللبنانيين.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي