تمثلت التدخلات الإسرائيلية التصاعدية في هذين البلدين بإصدار مواقف "غير رسمية"، كي لا تسجل عليها، لكن المعلقين السياسيين ومراكز البحوث المرتبطة بدوائر صنع القرار في تل أبيب، لم تعد تخفي الانحياز الإسرائيلي تجاه القوى غير الشرعية في ليبيا واليمن.

في ذروة التطورات العسكرية والميدانية المتلاحقة في ليبيا واليمن، وتورط عدد من دول المنطقة في دعم قوى انقلابية، بصورة مكشوفة، يظهر التدخل الإسرائيلي فيهما عبر تسهيل من بعض الدول العربية كالإمارات، وإن كان من طرف خفي، سواء خدمة لمصالحها الاستراتيجية على شاطئ البحر المتوسط في ليبيا، أو تأمين مضيق باب المندب في اليمن.

تمثلت التدخلات الإسرائيلية التصاعدية في هذين البلدين بإصدار مواقف "غير رسمية"، كي لا تسجل عليها، لكن المعلقين السياسيين ومراكز البحوث المرتبطة بدوائر صنع القرار في تل أبيب، لم تعد تخفي الانحياز الإسرائيلي تجاه القوى غير الشرعية في ليبيا واليمن من جهة، والتخوف الإسرائيلي المتصاعد من التقهقر الذي تمنى به تلك القوى، نظرا لما يمثله ذلك من تأثير على خارطة المنطقة الجيو-سياسية، وتبعاته المباشرة وغير المباشرة على إسرائيل.

الانقلابيون في ليبيا واليمن لم يتورعوا في الآونة الأخيرة عن إعلان مواقف سافرة منحازة لإسرائيل، بل تطلب الدعم منها

عدنان أبو عامر

الانقلابيون في ليبيا واليمن لم يتورعوا في الآونة الأخيرة عن إعلان مواقف سافرة منحازة لإسرائيل، بل تطلب الدعم منها، لاسيما بعد أن شعرت بتراجع مواقفها العسكرية من جهة، ومن جهة أخرى، حصولها على موافقة واضحة من دول المنطقة الداعمة لها، لاسيما في مصر والسعودية والإمارات، التي ترتبط جميعها بعلاقات حميمية مع إسرائيل.

تمثلت آخر مشاهد هذا التقارب بين الانقلابيين في ليبيا مع إسرائيل، بإعلان عبد السلام البدري، نائب رئيس مجلس الوزراء فيما يسمى "حكومة الشرق" الموالية للجنرال الانقلابي خليفة حفتر، غير المعترف بها دوليا ومحليا، بقوله "أنهم لم ولن يكونوا أعداء أبدا لتل أبيب، ودعاها للانضمام لمبادرة سياسية جديدة بمشاركة اليونان وقبرص ومصر ولبنان، للتوقيع على اتفاق بحري مشترك، في مواجهة اتفاق ترسيم الحدود المائية الذي وقعته تركيا مع الحكومة الليبية في طرابلس، لأن لدينا تاريخ طويل من الاتصال مع إسرائيل والجالية اليهودية".

البدري لم يكتفي بهذه الكلمات غير المسبوقة تجاه إسرائيل، بل بعث برسالة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طالباً فيها "الحصول على دعمه، لأن الظروف هي التي حالت بيننا حتى الآن، وفي ذات الوقت لدينا مصلحة مشتركة، نحن وأنتم في الجانب نفسه، وسيكون غباء منا تجاهل ذلك".

أمريكا وإسرائيل قامتا بتدريب قوات "الكونتراس" الليبي بقيادة حفتر، في قواعد تابعة لها في تشاد والكاميرون ومناطق أخرى، وأن التمويل يأتي من السعودية عبر بنك عربي في الغابون

وثيقة سرية صادرة عن سفارة أمريكا في لندن نشرها موقع لـ"أفريكان كونديفانشل"

ربما شكل كلام البدري مع صحيفة "مكور ريشون" الإسرائيلية، قمة جبل الجليد من العلاقات المتنامية بين حفتر وإسرائيل، فقد كشفت وثيقة سرية صادرة عن السفارة الأمريكية في لندن نشرها موقع لـ"أفريكان كونديفانشل"، بأن أمريكا وإسرائيل قامتا بتدريب قوات "الكونتراس" الليبي بقيادة حفتر، في قواعد تابعة لها في تشاد والكاميرون ومناطق أخرى، وأن التمويل يأتي من السعودية عبر بنك عربي في الغابون.

أما عبد الهادي الحويج وزير الخارجية في حكومة حفتر، فقد أجرى حوارا مطولا مع صحيفة معاريف الإسرائيلية، تمنى فيها وجود علاقات طبيعية ورسمية مع إسرائيل، فضلا عن كلام انتشر مؤخرا للخبير الأمني الإسرائيلي يوسي ميلمان حول علاقة حفتر بجهاز الموساد الإسرائيلي.

كما عقد مجموعة من أعضاء الكنيست الإسرائيلي مؤتمراً مع شخصيات سياسية مقربة من حفتر، في جزيرة رودس اليونانية عام 2017، تحت عنوان "المصالحة بين إسرائيل وليبيا"، وبرر رئيس اتحاد يهود ليبيا في إسرائيل، رفائيل لوزون، مشاركته في المؤتمر بأن "جميع الفصائل في ليبيا تريد بناء علاقات مع إسرائيل"، فيما كشف وزير الإعلام الإسرائيلي السابق أيوب قرا، عن اتصالات مستمرة لقيادات يهودية وإسرائيلية مع جهات ليبية مسؤولة من أجل إيجاد سبل ترقية العلاقات.

ونشر موقع "ديبكا" المقرب من الاستخبارات الإسرائيلية، أن حفتر التقى في العاصمة الأردنية عام 2015 مع ممثلين عن الجيش الإسرائيلي لتنسيق عملياته العسكرية ضد الحكومة الشرعية في ليبيا، برعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

لا تخفي إسرائيل تطلعاتها من هذه العلاقة مع حفتر وفريقه، فهي مستفيدة من ذلك، سواء لملاحقة قنوات إيصال الأسلحة للمقاومة الفلسطينية من ليبيا مرورا بمصر وصولا إلى سيناء، وانتهاء بقطاع غزة، أو بغرض السيطرة على آبار النفط الليبية

عدنان أبو عامر

لا تخفي إسرائيل تطلعاتها من هذه العلاقة مع حفتر وفريقه، فهي مستفيدة من ذلك، سواء لملاحقة قنوات إيصال الأسلحة للمقاومة الفلسطينية من ليبيا مرورا بمصر وصولا إلى سيناء، وانتهاء بقطاع غزة، أو بغرض السيطرة على آبار النفط الليبية، وهي المهمة التي يقوم بها عميل المخابرات الإسرائيلي، آري بن ميناشي، المقيم في كندا، والذي وضع قدما لإسرائيل في النفط الليبي منذ عام 2013.

فيما يعتمد حفتر على إسرائيل بالحصول على السلاح بشكل غير مباشر، حيث تشارك الطائرات الإسرائيلية قواته لدعم عملياته العسكرية، بجانب إسناده العسكري والاستخباراتي ضد حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

يصعب في هذا المقام، وعند الحديث عن علاقات حفتر بإسرائيل، أن نتجاوز الدور الإماراتي، الداعمة الأكبر للجنرال الانقلابي، حيث تعاقدت الأخيرة على توفير منظومة دفاع جوي إسرائيلية متطورة، للحد من كفاءة منظومة الطيران المسيّر التي زودت بها تركيا حكومة الوفاق الليبية، وهذه المنظومة أنتجتها شركة دفاعية إسرائيلية، وتمّ نقلها إلى مصر مباشرة، تمهيداً لنقلها إلى مناطق نفوذ حفتر، بعد تدريب ضباط موالين له عليها.

وتحدثت تقارير عديدة عن تعاون أمني بين حفتر وإسرائيل، عبر تدريب قواته على حرب الشوارع في الأراضي الواقعة تحت سيطرته، وتم التدريب على يد ضباط إسرائيليين وصلوا الأراضي الليبية عبر تنسيق مع مصر.

في الوقت ذاته، فقد عبرت محافل أمنية وسياسية إسرائيلية عن خيبة أملها من الانتصارات التي حققتها حكومة الوفاق في ليبيا أخيرا، ورأت أنها تشكل تهديدا لمصالح إسرائيل، صحيح أن الصراع في ليبيا لن يؤثر بشكل مباشر على إسرائيل، إن سيطرت حكومة الوفاق المدعومة من تركيا على مقاليد الحكم في كامل التراب الليبي، لكنه سيُضعف نفوذ الدول التي تدعم أنشطة إسرائيل شرق البحر الأبيض المتوسط.

التخوف الإسرائيلي يعود في بعض جوانبه إلى أن تركيا ستمارس نفوذا كبيرا في الدولة الواقعة شمال أفريقيا، مما سيمكنها من استعراض قوتها شرق المتوسط، ومواصلة تحدي المصالح الإسرائيلية بالمنطقة، وتحدي حلفاء إسرائيل المصريين والقبارصة واليونانيين.

تحدثت أوساط إسرائيلية في الأيام الأخيرة عن وجود أصدقاء جدد لإسرائيل، قاصدة المجلس الانتقالي الذي يسيطر على مناطق في جنوب اليمن، والمدعوم من الإمارات

عدنان أبو عامر

على الجبهة الجنوبية من إسرائيل، وتحديدا في بلاد اليمن، تحدثت أوساط إسرائيلية في الأيام الأخيرة عن وجود أصدقاء جدد لإسرائيل، قاصدة المجلس الانتقالي الذي يسيطر على مناطق في جنوب اليمن، والمدعوم من الإمارات، حيث تجري بين الجانبين اتصالات سرية، مع توفر مؤشرات إيجابية عما يمكن اعتباره مواقف سياسية تجاه إسرائيل، رغم عدم وجود علاقة دبلوماسية رسمية معه حتى الآن.

وبالتزامن مع هذا التطور اللافت في العلاقات اليمينية الإسرائيلية، فقد رحب هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي في اليمن على حسابه في "تويتر"، بالتطبيع مع إسرائيل، ودعوته بضرورة أن تقوم الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

يتحدث الإسرائيليون أن تل أبيب على اتصال بالحكومة الجديدة في جنوب اليمن، ولكن من وراء الكواليس، وأن مطار بن غوريون في تل أبيب شهد في شهر يناير الماضي وصول يمنيين ليسوا يهودا قاموا بزيارة إسرائيل، وهذا أمر ليس معتادا، فلا توجد علاقات دبلوماسية بينهما.

في الوقت ذاته، بدأت مظاهر التدخل الإسرائيلي في الحرب الدائرة في اليمن تتزايد، ولم يعد هناك مجال لإخفائها، خدمة للمصالح السعودية، رغم أنها تسوّغ تدخلها ذاك بزعم الدفاع عن مصالحها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وحماية الملاحة البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر، وضمان عدم تعرّض الحوثيين لها.

مع أن إسرائيل تنطلق من افتراض مفاده بأنّ تكثيف وجودها بمنطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، قد يمثّل عاملاً رادعاً يحول دون توجه الحوثيين لاستهداف خط التجارة بين إسرائيل ومنطقة جنوب شرق آسيا.

لكن لم يعد سرا أن التدخل الإسرائيلي في اليمن يندرج في إطار التدخلات السرّية التي يمارسها الجيش الإسرائيلي في مناطق مختلفة، مما يجعله يتصرف كما لو كان قوات مرتزقة تعمل لصالح الولايات المتحدة والسعودية داخل اليمن، رغم أن المبرر الوحيد الذي يدفع إسرائيل للعمل في اليمن هو فقط مجرد وجود إنذار استخباري، مع أن القيادات الإسرائيلية تستخدم سرّية المعلومات الاستخبارية في تضليل الرأي العام، وللتغطية على قرارات التدخل الخطأ في الساحة الإقليمية المختلفة.

حتى الآن لا يوجد ما يدلّ على أنّ القوات الحوثية قد تهدد المصالح الإسرائيلية، أو أنّها معنية بذلك، لكن إسرائيل سبق لها أن سوّغت في الماضي تدخلاتها في ساحات إقليمية، استنادا لمعلومات استخبارية سرّية.

مع العلم أن الحسابات السياسية الخاصة للمسؤولين الإسرائيليين، تؤدي دوراً مهماً في الخضوع لهذا النمط من التدخلات، بجانب أن الحرص على العلاقة مع "العشيق السعودي" أوصل إسرائيل في النهاية إلى حد التدخل في اليمن، لأنها تتدخل هناك عقب فشل الرياض في حسم المواجهة ضد القوات الحوثية، رغم ميل ميزان القوى لصالحها بشكل جارف.

الخلاصة في هذه التدخلات الإسرائيلية لصالح القوى الانقلابية غربا في ليبيا وجنوبا في اليمن، أن إسرائيل ترى في القوى غير الشرعية حليفا مستقبليا لها، على اعتبار أنهما يتقاسمان ذات العامل المشترك، وهو الوجود غير الشرعي في هذه المنطقة، مما يجعلهما يبحثون بصورة حثيثة عن كل المصالح الثنائية في مواجهة القوى الحية التي تمثل المنطقة وأهلها.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي