تعتبر ثقافة شعب ما شرط مهم في مدى قدرة هذا الشعب على التصدي للأزمات والتغلب عليها، وتوفير بيئة مواتية لاتخاذ اجراءات تتصف بالحيوية والفاعلية من قبل صناع القرار.

عندما ضرب فيروس كورونا الصين وبعض الدول في آسيا في بداية الأمر، شعرناً أن الأمر بعيد جداً. في موروثنا الثقافي دائماً كنا إذا أردنا أن نضرب مثلاً على شيء بعيد جداً نستعير "الصين". وربما المثال الأشهر والأوضح على ذلك هو القول المأثور: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وإن كان هذا المثل يدل على أهمية العلم فهو يدل في الوقت ذاته على بعد الصين. وهكذا وجدنا عبر مئات السنوات أن الصين قد ترسخت في وعينا بأنها ذلك المكان البعيد جداً. وهذا البعد المكاني المتصوَّر جعلنا ننظر إلى ما يجري هناك وكأنه يجري في عالم آخر، وكأن العالم لم يصبح مثل قرية صغيرة، وأن ما يجري في أي بقعة منه قد يصل إلى أقصى بقعة بسرعة فائقة.

ويبدو أن الأمر لا يتعلق حصراً بموروثنا الثقافي الشرقي وحسب. فالغرب أيضاً لطالما نظر إلى آسيا، اليابان أولاً ثم لاحقاً امتد ذلك إلى الصين وغيرها من مناطق شرقي آسيا، من منظور الاستشراق. وترتب على هذا المنظور أن ما يجري في تلك المناطق لا يعتبر أقل قيمة ولا يستدعي الالتفاف إليه بل هو أيضاً بعيد جداً.

وربما حديث وكيلة وزارة الصحة الإيطالية السيدة زامبا مؤخراً في معرض تصريحاتها حول انتشار فيروس كورونا في بلادها يدلل على رسوخ هذه التصورات في ذهنية الأوروبي، حينما قالت: "نظرت إيطاليا إلى مثال الصين ليس كتحذير عملي، بل كفيلم خيال علمي ليس له علاقة بنا".

إذن، إن جزءاً مهماً من الأزمة التي نعاني منها الناجمة عن تفشي فيروس كوفيد-19 سببه يعود إلى تلك التصورات الموروثة، التي أدت بالأخير إلى سوء تقدير الموقف لدى صناع القرار، ترتب عليه بكل تأكيد سوء في اتخاذ الإجراءات والاحتياطات اللازمة. وذلك ربما يكون أحد الأسباب التي تفسر حالة إيطاليا مع الفيروس، حيث أصبح بؤرة انتشار الوباء في القارة الأوروبية.

إذن تلعب التصورات ومن خلفها المخزون الثقافي دوراً حاسماً في التصدي لمثل هذه الجوائح والكوارث الكبرى. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الشعب من صناع القرار في الحكومات مواقف وإجراءات حاسمة للتعامل مع جوائح كهذه، تكون ثقافة الشعب واحدة من أهم الضمانات لنجاحٍ فعّالٍ لهذه المواقف والإجراءات.

في المجمل تعتبر بعض المجتمعات جنوب شرقي آسيا مثالاً على كيفية تلاقي الإجراءات الحكومية الفعالة مع الحاضنة الثقافية المساندة والمسهلة لهذه الفاعلية. هما إذن شرطان يقوي أحدهما الآخر. يمكن رؤية ذلك في الصين على سبيل المثال، عندما استجاب الناس على نطاق واسع لتسليم بياناتهم الشخصية للسلطات من أجل إجراء تعقُّب فعّال لحالات الإصابة بالفيروس والحد منه. هذا فضلاً عن الاستجابة السريعة والحاسمة فيما يتعلق بالحجر المنزلي الذي التزمه مئات الملايين من الصينيين.

ربما يكون صحيحاً ما يجادل به البعض بأن الطبيعية السلطوية للحزب الشيوعي في الصين هي التي أفضت إلى هذا الالتزام من قبل المواطنين، وذلك خوفاً من تعريض أنفسهم للمساءلة والعقاب، ولكن علينا ألا ننسى طبيعة المجتمع الصيني وأثر الثقافة الكونفوشيوسية عليه. فالمجتمع الصيني على وجه الخصوص والمجتمعات في دول جنوب شرقي آسيا عموماً تتمتع بحس تكافلي عالٍ، والقيمة المجتمعية مقدمة لديهم على القيمة الفردية على عكس الحال في المجتمعات الغربية التي تمتاز بحس عالٍ من الفردانية.

ولا تقف الصين وحدها في باب التدليل على أثر الثقافة في التصدي لفيروس كورونا، بل توجد كوريا الجنوبية التي تعتبر المثال الأكثر وضوحاً على تعاضد الثقافة المجتمعية مع قيادة سياسة فعالة لتجنيب البلاد مخاطر الانزلاق إلى الهاوية. وعلى الرغم من أن كوريا الجنوبية تعد من أوائل الدول بعد الصين التي انتشر فيها الوباء، فإنها تعد من أكثر الدول فاعلية في التصدي له. ذلك ما تخبرنا به أرقام الإصابة هناك وعدد الوفيات. فحتى مساء يوم الأحد 5 أبريل/نيسان كان عدد الوفيات 183، في حين بلغ عدد الإصابات 10,237، وعدد الذين تماثلوا للشفاء 6,463.

ويعد ذلك إنجازاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن كوريا الجنوبية وفي لحظة ذروة انتشار الفيروس بتاريخ 29 فبراير/شباط قد سجلت في يوم واحد 909 حالات. وهذا الرقم في دولة يبلغ عدد سكانها 50 مليوناً يعتبر مؤشراً خطيراً على أن البلاد ذاهبة باتجاه الغرق في الوباء. ولكن بعد أقل من أسبوع واحد، انخفض عدد الحالات الجديدة إلى النصف، وفي غضون أربعة أيام أخرى انخفض إلى نصف النصف وهكذا.

المثير ربما في النموذج الكوري الجنوبي ولم نجده في النموذج الصيني هو أن السلطات هناك استطاعت الحد من انتشار الفيروس من غير اللجوء إلى عمليات إغلاق واسعة ومدمرة لعجلة الاقتصاد، ومن غير قيود صارمة تفرضها الحكومة على حرية التعبير والحركة. وهذا يعبر عن مدى مرونة النظام السياسي الديمقراطي هناك في ظل مجتمع تسوده ثقافة التضامن الجمعي.

ففي كوريا الجنوبية، وغيرها من دول جنوب شرقي آسيا، تمنح الثقافة الكونفوشيوسية الدولة تلك البصمة الأبوية التي تفتح الباب واسعاً للحكومة للتدخل في حياة الناس في حالات الطوارئ. إن هذه السمة تجعل الناس هناك يخضعون عن طيب خاطر للسلطة ولا يشتكون من تدخلها في حياتهم. إن التأكيد الكونفوشيوسي كما يقول لي سونغ يون أستاذ العلاقات الدولية في جامعة Tufts لـ"احترام السلطة والاستقرار الاجتماعي والصالح العام يفوق الفردانية، وهو عامل ساهم في تحسين رد فعل البلاد على الأزمات والكوارث الكبرى على المستوى الوطني".

وقد ذهب البعض إلى أن غياب هذه السلطة الأبوية للدولة في المجتمعات الغربية، وتغليب منطق الفردانية على منطق التكافل الاجتماعي بمفهومه الثقافي هو ما حرم بعض الدول الغربية مثل إيطاليا وإسبانيا من السيطرة على الوباء بطريقة أكثر فاعلية. وإن كان هذا الاستنتاج لا يخلو من تعميم ربما يكون مخلاً في جزء منه إلا أن له بعض الوجاهة. ففي نهاية المطاف لن تقف الثقافة وحدها في مواجهة مثل هذه الجائحة الكبرى، بل تحتاج إلى ماكينة سياسية فاعلة ومؤسسات دولة تتمتع بالحيوية والديناميكية.

فألمانيا على سبيل المثال، كانت من الدول الأوروبية التي أصيبت مبكراً بعدوى فيروس كورونا وبلغ عدد الإصابات فيها 100,009 وهو عدد كبير بلا شك، إذ تأتي في المرتبة الثالثة أوروبياً بعد إسبانيا (130,854) وإيطاليا (128,948 حالة). ولكن إذا أخذنا نسبة الوفيات فإن الفارق يبدو هائلاً. ففي إيطاليا بلغت الوفيات حوالي 15,887 بينما بلغت في إسبانيا حوالي 12,418 في حين بلغت في ألمانيا 1,575 فقط أي بنسبة تقل عن 1% بينما بلغت في إيطاليا نسبة 10.8%.

ولا تعتبر الثقافة المجتمعية هي وحدها العامل هنا، فألمانيا من أوائل الدول الغربية التي شهدت تحولات نحو الرأسمالية الفردية والثورة الصناعية وثقافة الماكينة، وتجربتها الديمقراطية التي نضجت بعد الحرب العالمية الثانية تعتبر نموذجاً. وقد يصح الحديث أن ألمانيا من النظم القليلة في أوروبا التي أحسنت تطبيق نظام الديمقراطية الاشتراكية، فإن هذا يعود في الأساس ليس إلى ثقافة الشعب وحده بل إلى نظام الحكم. فألمانيا تتمتع بحكومة ونظام مؤسساتي يتمتع بالحيوية والفاعلية، وهذا ربما يفسر نجاحها في التعاطي مع فيروس كورونا المستجد مقارنة بقريناتها من دول أوروبا الأخرى.

فعلى سبيل المثال، نشطت الحكومة الألمانية بشكل كبير في إجراء فحوصات كبيرة في وقت مبكر. فالمختبرات الألمانية تجري ما يقرب من 300 ألف فحص أسبوعياً وهو رقم كبير مقارنة بدول أخرى. إن إجراء هذا الكم الكبير من الفحوصات في وقت مبكر أعطى السلطات الألمانية القدرة على تتبع سلاسل العدوى بشكل سريع، ومنع انتشار الفيروس.

من جهة أخرى، تمتلك ألمانيا أجهزة طبية أكثر من جاراتها الأوروبيات ودول العالم الأخرى، إذ يوجد في ألمانيا أكثر من 28,000 سرير خاص بوحدات العناية المركزة، فيما يوجد في بريطانيا 4 آلاف سرير فقط، وفي فرنسا 7 آلاف، بينما لا تحوي إيطاليا أكثر من 5 آلاف.

إذن، للثقافة دور جوهري في مكافحة أوبئة كتلك. فمن شأن ثقافة التضامن الاجتماعي أن تكون فاعلة في الحد انتشار الوباء أو في صده تماماً. ولكن الثقافة وحدها لا تعمل. فلا بد من مؤسسات تتمتع بالحيوية والفاعلية والشفافية تستطيع تحويل هذا المخزون الثقافي إلى طاقة ديناميكية من أجل وضع حد للوباء والخروج بالبلاد سالمة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.  


المصدر: TRT عربي