مِن "تسقط بس" في السودان، مروراً بـ" يرحلون جميعاً" في الجزائر، وصولاً إلى "كلن يعني كلن" في لبنان و"أريد وطناً" في العراق، تخبرنا هذه الشعارات عن درجات من الذكاء والخبرة والوعي بماهية هذا النظام العربي المراد إسقاطه، وحجم التحديات المنتظرة.

تبرز أهمية الثورة في دينامياتها التفاعلية وتحرير الطاقات الإبداعية الخلاقة التي تساهم في صنع مجتمع بديل وذاتية جديدة للفرد من خلال التعاون والتواصل الذي يفضي إلى بناء مشترك عام يتلاحم ويتكاتف حوله الطرفان (المجتمع والفرد) بألوان الاختلاف والتعدد كافة ولو على مستوى الوعي والتخييل.

وعلى وجهٍ آخر قياس إمكانية تخطِّي الفعل الثوري مواطنه الإقليمية أي "عدوى الثورة"، وتوسيع هذا البناء المشترك وتشبيكه بين مجتمعات المنطقة الواحدة، سيما إذا كانت أوجه المعاناة من الاضطهاد والفساد تكاد تكون متطابقة، وتجمعهم روابط تاريخية مشتركة من أشكال الثقافة واللغة والدين.

في هذا الحيّز سوف نحاول وبقدر من التبسيط والإيجاز، رصد بعض معالم بناء هذا العام المشترك، وفق ما تمكنت الجماهير أن تصنعه وتعبر عنه بالتجريب والنضال المرير في الفضاء العام منذ الموجة الثورية الأولى 2011.

الوعي بالعدو المشترك

حين رفعت الجماهير شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، دشنت بالفعل منعطفاً تاريخيّاً لشعوب المنطقة العربية، على الرغم من التجريد الذي ينطوي عليه الشعار، الذي ما لبث أن تَفتَّت فيما بعد في عدة احتجاجات فئوية ومطلبية، كشفت عن أن هذا النظام ليس الزعيم أو البني الفوقية التي تترأسه، ولكنه متغلغل حتى في الكيانات لا متناهية الصغر في المجتمع، ومن جهة أخرى قد تنامى الوعي بمدى تعقُّد وتبعية السلطة وتشابكاتها الإقليمية والدولية .

فقدان الحرية ومساحات الخصوصية بدعوى محاربة الإرهاب، والتهديد بالفوضى مقابل الاستقرار، ثم استخدام العنف والقمع المفرط، وكذا سياسات الاقتراض والتقشف التي فرضتها مؤسسات النظام الرأسمالي العالمي كصندوق النقد والبنك الدوليين كسبيل وحيد لعمليات الإصلاح، لم تولّد سوى مزيد من الإفقار والتجريف وفائض من الشعور العامّ بالاغتراب والعدمية والتعاسة.

كلها عوامل تراكمت في الوعي الجمعي للمنطقة العربية التي وجدت نفسها تجابه نفس الشروط والمصير، فما كان إلا أن انفجرت الموجة الثانية أواخر 2018 بشعارات تخبر عن درجات نسبية من الذكاء والخبرة والوعي بماهية هذا النظام المراد إسقاطه وحجم التحديات المنتظَرة من "تسقط بس" في السودان، مروراً بـ"يرحلون جميعاً" في الجزائر، وصولاً إلى "كلن يعني كلن" في لبنان و"أريد وطناً" في العراق، ليتضح أن العدو واحد وإن تغيرت وجوهه وأسماؤه.

فضاء تواصلي وتخيلي

ولا ينبني المشترك العامّ إلا في فضاء عامّ، وعبر قدرة أفراده على التخييل وإنتاج معايير جديدة للقيمة والسلوك، وروابط من اللغة والأفكار والرموز، فضلاً عن ابتكار أشكال التضامن والإدانة وسبل التعبير عنها.

كذا وعي الفرد بذاته ورغباته، إذ لا يثور المرء إلا لو كان لديه على الأقلّ تصوُّر لمعالم مجتمع آخر يناقض ما يرفضه أو ذات متخيَّلة بداخله يريد أن يمنحها حقّ الفاعلية في الشرط الواقعي، ولا ينبع الشعور بهذا الاستحقاق إلا إذا رأى أنها ذات منتجة أو معطل طاقاتها الإبداعية قسراً بما يَحُول بين شروط الامتيازات الحياتية التي تقتضيها تقسيمات القوة والعمل وتوزيع الثروات، ومن هنا يشكل مفهومه عن الحرية والعدالة والشعور بالسعادة من عدمه.

وبصرف النظر عن إخفاقات الموجة الثورية الأولى، فإنه يتعذر على أي أحد إنكار التأثير الذي أحدثته، بل يمكن القول إنّ الثورات التي تشهدها المنطقة العربية حالياً هي تفعيل لما تم اختماره في الوعي والمخيال الجمعي حتى بين مجتمعات الدول التي لم تشهد ثورات على مدار الثماني السنوات الماضية.

كما كشفت الثورات عن التحولات العميقة التي يمر بها جيل الشباب العربي وطبيعة التكوين النفسي والعقلي على مستويات المعرفة والممارسة والخطاب واللغة التي تُشكَّل وفق النسق المعلوماتي والثورة الرقمية بمضامينها السيالة والعشوائية، في إطار يتّسم بالكونية والسرعة وغير مقيَّد بمعيارية ثابتة للقيمة.

في الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية، أُتيحَ للشباب العربي قدر كبير من الحرية والتعبير عن ذاته باستخدام المفردات والاصطلاحات التي ولّدَتها الموجة الثورية الأولى، على نحو بات فيه أكثر فاعلية ومشاركة في إنتاج وتبادل المضمون الذي يتلقاه، ويملك حق الاختيار من بين متعدِّدادات لا حدّ لها، إذ يعيش ديمقراطية افتراضية، من خلالها يحرّر طاقاته الإبداعية، ويساهم في الإنتاج الاجتماعي، أي القدرة العامَّة على الكلام ، وما يترتب عليه من أداء لغوي وتبادل الأفكار والصور والمعلومات والفنون البصرية المشبعة بالثورية.

وفي الشارع اليوم يريد هؤلاء تفعيل ما تم بناؤه في التخيُّل والافتراض واستعادة المجال العامّ الواقعي من قبضة السلطة، يمثل ذلك أشكال التضامن المسرحية التي يبتدعها المحتجون وطاقات الفرح والمحبة التي تعبّر عنها الأهازيج والغناء والرقص، ثم تحويل الشارع إلى بيت يشعر الجميع فيه بالأمان والحرية، ويرفع شعارات التآزر والتضامن من العراق ولبنان والجزائر والسودان إلى مصر وتونس وغيرها جنباً إلى جنب.

تخبرنا تلك الممارسات بأننا معاً جميعاً نقاوم، وإذا انطفأت ثورة هناك تشتعل ثورة تحييها وتنضجها هنا، ثم تتوارد الأخبار وتتدفق الصور، ليبدأ الجميع يعرف الجميع ويعيه من جديد لا يحاربه ولا يعاديه، بعيداً عن سياسات الأنظمة ومناهج المدارس واجتماعات جامعة الدول العربية، بحيث نصير أمام التحام الشعبي على المستوى العضوي داخل فضاء الثورة الحيّ وممارساته، وانفعالي مبثوث نحو الوعي العامّ.

في هذا الفضاء أيضاً تم ابتداع أشكال جديدة من اللغة والسخرية والفكاهة المستمدة من التجريبي المعيش والملموس لا النظري، لغة شعبية عملية، ومفتوحة، اختلط فيها المحلي بالعالمي، العاطفي بالمادي، المهذب والفج في بذاءته واحتقاره للسياسيين والماليين الفاسدين.

استعادة المشروع الحداثي

هنا نصل إلى سؤالنا: ما المشروع التأسيسي الذي يبتغيه الجمهور العربي الثائر على اختلافه اليوم؟ بمعنى آخر: ما شكل النظام الاجتماعي والسياسي الذي يشترك في تصوره؟ وما مدى جذريته أو تقدميته؟

إذا دققنا التأمل في التصورات والشعارات المطروحة، تَبيَّن أنها عبارة عن إحياء المشروع الحداثي المتعسر، ورغبة في علمنة الحياة العامة، وإعادة صياغة مفاهيم الفرد والمجتمع والدولة وتنظيم العلاقة بينهم على أساس من التعاقد والتنافسية والكفاءة، أي نزع السلطة من الشخصنة وعلاقات القرابة والقبيلة والطائفة.

وعند هذه النقطة قد نفهم أبعاد ومغزى الثورة الأخلاقية والثقافية التي يخوضها الشباب العربي ضدّ البنى والروابط الاجتماعية التقليدية، مثل "الأسرة - منظومة الزواج - والمؤسسة الدينية"، وبذات السياق مسألة الحريات الفردية وقضايا الجنسانية، وذلك لاستنادها إلى التمييز، أي تنطوي على العناصر الأولية لتأسيس التبعية والتراتبية الاجتماعية التي بالضرورة تؤدي إلى بناء التراتبية السياسية ومبدأ السيطرة، وعليه يؤدي كل تحرر في هذه المسائل بنفس المقدار إلى إنتاج تحرُّر سياسي.

ومن هذا المنطلق يمكن استيعاب تمسُّك الثوريين الجدد بمسألة تثوير الجسد وإثارة كل القضايا المتعلقة بالجندر (النوع الاجتماعي) والتحيز الجنسي، والتخلي عن منطق أولويات النضال، على عكس مشروعات الحداثة القديمة بنسختيها الليبرالية واليسارية، لذا فالعمل على تفكيك ما لم يتم تفكيكه واحلاله من البني الاجتماعية التقليدية، ثم إعادة صياغتها في جسم اجتماعي سياسي أكثر تشاركية ومساواة وحرية.

بمعنى آخر تطمح الشعوب العربية إلى استعادة المشروع الحداثي التنويري من النخب الاجتماعية السياسية التي استحوذت عليه واحتكرته لحسابها، ومن ثمّ تفعيله وفقاً لإرادة شعبية نابعة من القاعدة لا موجهة رأساً من وصاية سلطوية، أي إننا ودون أي مبالغة في وضع وزمن مماثل لما مر به الغرب في زمن النهضة أو على الأكثر القرن الثامن عشر أي السعي لتحرير الفرد ثم المجتمع من سلطة الغيب والإقطاع والملك الاستبدادي، بالفرق فقط في درجة الشكل ونوعية العناصر المرغوب تضمينها في الممارسة الديمقراطية.

ويتبدى ذلك في حلم تأسيس الدولة المدنية، دولة المواطنة والقانون والمؤسسات المدنية الديمقراطية التي تمثّل الجميع على قدم المساواة دون اعتبار للجنس أو العرق أو الدين، والتي يُعبَّر عنها بدرجات متفاوتة في كل من تونس والسودان والجزائر ومصر حيث رفض قوتي العسكر والإسلام السياسي. أو بناء الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة الكاملة، كما يتبين بدرجات متفاوتة أيضاً في لبنان والعراق وسوريا واليمن وليبيا.

ويمكننا تلخيص ما تَقدَّم بأن البناء العامّ المشترك الذي يجمع الثورات العربية اليوم هو طموح الاستيلاء على المجال العامّ/الشارع ثم تمثيله في مؤسسات مدنية حداثية، وهيكلة الدولة بما يضمن استقلالية الفرد في مجتمع حرّ، يفصل بين العمومي والخاصّ، وليس كما يأمل منظّرو ما بعد الحداثة، إقامة تنظيمات حكم ذاتي وديمقراطية مباشرة ولو حتى تشبه المجالس "السوفيتات" التي ابتكرتها الثورات الاجتماعية الاشتراكية خلال النصف الأول من القرن العشرين.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي