لطالما كان تفاعل المطرب مع الجمهور هو الأساس الذي يبني عليه الأخير مدى شعبيته. هذا التفاعل لا ينفصل عن البيئة السياسية والاجتماعية التي تشكل حاضنة التفاعل. والمطرب الناجح هو الذي يكون ابن عصره.

الجمهور، الضلع الرابع للأغنية. الضلع الذي يسعى لإرضائه الجميع. ضلع يرى المنتج النهائي، والحاكم الناهي؛ إما أن يُخلد ما سمعه أو يرفضه.لذلك كان الجمهور دائماً أكثر الهواجس المخيفة للمطرب، محاولاً إرضاءه بشتى الطرق، حتى وإن كان في بعض الأحيان على حساب القيمة الفنية والموسيقية للعمل.

على كل مطرب الحفاظ على هذه العلاقة، بل والتفاعل معها، خاصة في الحفلات المباشرة التي تعد اللقاء الأصعب والأهم للمطرب. إنها الخلوة الفنية بينه وبين جمهوره، كيف يأسرهم ويسيطر عليهم بفنه وصوته.

في حديث من عدة سنوات مع المطربة المصرية دنيا مسعود، قالت لي: "إن الجمهور يحضر حفلة ما، ليعيش حالة من الوهم، وعليّ أن أقدم ذلك الوهم، وإن هذا شرع العقد بين الجمهور والمطرب، لذلك يجب على المطرب الفصل بين حياته الشخصية والفنية وهو على المسرح أمام الجمهور".

على المطرب التفاعل مع الجمهور (الجدار الرابع)، والنظر في كيفة هذا التفاعل وكيفة اختلافه من جيل إلى جيل، وعليه أن يعمل على خلق هذه العلاقة والسيطرة عليها لضمان نجاحه وضمان استمرار الجمهور.

كانت أم كلثوم صاحبة العصمة يتم التعامل معها على أنها تلقي أوامر ملكية وهو ما يجسد الحالة السياسية في تلك الفترة ما قبل ثورة عام 1952. 

شريف حسن

كان لتفاعل المطربين مع الجمهور أبعاد كثيرة في عصر النهضة في مصر، أو ما يسمى عصر عبده الحامولي ومحمد عثمان. للأسف لا توجد تسجيلات ترصد هذه الحالة، لأن الوصلة كانت تتخطى نصف الساعة، ولم تكن هناك إمكانية لتسجيل تلك الوصلات الغنائية أثناء الحفل أيضاً. والوصلة كانت كما ذكر محمد كامل الخلعي في كتابه الموسيقى الشرقي 1940، تبدأ بالبشروات ثم الموشحات ثم قصيدة أو موال وتتخللها تقاسيم على العود أو القانون ثم الدور ثم ينشد المطرب قصيدة بمفرده.ويعتقد الأغلب أنها كان بها مساحة كبيرة من التفاعل بين الجمهور والمطرب، فكلما تسلطن المطرب وبدأ في الارتجال والطرب، يبدأ الجمهور في تقدير الحالة الطربية، يسبح المطرب والجمهور في فلكً واحد، كل ذلك يحدث والجميع جلوس، كل ذلك يحدث والمطرب في الجانب الأعلى، إن لم يكن حرفياً، فهو مجازي، فالمطرب هنا يتملك شيئاً ساحراً، شيئاً يجعله فوق صفوف البشر العاديين.

ويُصرّح الجمهور برأيه في اللحظة والتو، فإذا كنت مطرباً غير جيد أو أن الجمهور لا يستمتع بما يؤديه، فلا تلبث الحالة أن تنقلب رأساً على عقب حيث يصبح الجمهور هو الأقوى وصاحب الكلمة العليا وصاحب بطش أيضاً.

لقد كان الوضع في الصالات والمسارح فيما بعد هذه المرحلة مختلفاً تماماً، حيث انتشرت الطقطوقات بشكل أكبر مع بداية القرن العشرين، وذلك جعل المطرب أو المطربة هنا يتحرك بشكل عفوي أكثر مع الحاضرين، وأصبح الأمر يتخطى الغناء والاستماع، حيث أصبح هناك دلال وغزل بين المؤدي والحضور.

كانت أم كلثوم تحب عصر عبده الحامولي ومحمد عثمان، وهو العصر الذي كان المطرب فيه صاحب الكلمة الأهم، بين أضلع الصناعين من شاعر وملحن، وأمام الضلع الأهم أيضاً الجمهور. كان المطرب يغير من اللحن ويملك القدرة على إضافة الحلى للألحان، وقدرة مخيفة من الارتجال.

وقد حاولت الست دائماً أن تحتفظ بنفس المكانة، رغم تغيُّر كل ما حولها من عوامل مساعدة، بذكائها وشخصيتها استطاعت أن تفرض سيطرتها وهيمنتها على الجميع حيث يصبح الجمهور مسلوب الإرادة أمامها، فلا تحكي معهم إلا نادراً، أو تلقي نكتة سريعة أو تبتسم لأحد. كانت هي من تقرر متى يحدث ذلك وكيف وليس أحد آخر، ولو حاول أحد أن يكسر هذه القواعد فسيأتي الرد غاضباً سريعاً وكأنه أمر ملكي، كما حدث في حفلة ليبيا، ونستمع الست وهي تنهر أحدهم بصوت مسموع في الميكروفون: "اخرس .. قلة أدب".

ولا أحد ينسى أصوات الجمهور لتحية الست والجملة الأشهر في تاريخ الجمهور والموسيقى الشرقية؛ "عظمة على عظمة على عظمة يا ست"، أو إحدى السيدات التي قالت بصوت منخفض: "يخرب بيتك" بعدما تساقطت دموعها مع صوت الست، إنها تفرض سطوتها بكل هدوء ومحبة، تجعل الحاضرين مسلِّمين لها بكامل إرادتهم. "أنا الملكة هنا" كما فعلت عندما دخل الشيخ مصطفى إسماعيل حفلة لها في الإسكندرية، وكانت الحفلة في منتصفها، وتهامس الجميع مع حضور الشيخ وكانت له مكانة كبيرة وشهرة، وحدث بعض الضوضاء في الأرجاء، وبعد انتهائها من تلك الوصلة، سألت عما حدث، وعندما عرفت السبب، طلبت أن يحضر لها أحد الشيخ مصطفى، فجاء إليها وكانت المرة الأولى التي يراها فيها، فإذا بها تلقي عليه نكتة بطلها مقرئ قرآن، بحركة ذكية تعرّفه أن هنا لا أحد فوقها، هنا محرابي، لا يمكن لأحد إثارة الفوضى أو فعل شيء دون إذن مني حتى وإن كان الشيخ مصطفى إسماعيل.

كان عبد الحليم يرغب أن يكون شكلاً جديداً على المسرح ويقدم شكلاً جديداً للمطرب. شكلاً يتماشى مع الشكل الجديد للدولة وهي الدولة التي تمت إعادتها من يد الملكية للشعب.

شريف حسن

كما أن أم كلثوم صاحبة العصمة، يتم التعامل معها على أنها تلقي أوامر ملكية وهو ما يجسد الحالة السياسية في تلك الفترة ما قبل ثورة عام 1952. لقد كانت أم كلثوم تكسر الجدار الرابع بارتجالها وتفرُّدها، تكسره بالإعادة لأكثر من مرة للجملة الواحدة والمقطع، عكس ما هو الوضع بعد ثورة 52، وظهور مطرب جديد يصعد على القمة، هو ابن ثورة 52، عبد الحليم حافظ.

كان عبد الحليم يرغب أن يكون شكلاً جديداً على المسرح، يقدم شكلاً جديداً للمطرب، شكلاً يتماشى مع الشكل الجديد للدولة، الدولة التي تمت إعادتها من يد الملكية للشعب. على المطرب أن يكون مثلما الدولة تعلن عن نفسها، ذكاء وحنكة سياسية على المسرح، أكثر من وجود شخص يريد أن يخدم الناس ويطربهم.لذلك لن تجد في حفلات عبد الحليم أي نوع من أنواع الارتجال أو السلطنة، أو الإبداع الطربي، لكنك ستجد موقفاً طريفاً، مثل أن يقوم عبد الحليم بخلع الجاكيت على المسرح، أو أن يلعب مع الجمهور، أو(خناقة)قارئة الفنجان الشهيرة.

كلما كانت هناك أشياء تزيد من اقتراب المطرب إلى الجمهور من علاقة شخصية، كلما اقترب الجمهور أكثر من المطرب وأحبه أكثر. كان حليم يتحرك بحرية كاملة على المسرح، ويلعب على بعض آلات الإيقاع، يضحك ويبتسم مع الفرقة والجمهور، كأنه في بروفة أو في جلسة خاصة، كان ذلك أحسن مثال على ما تحاول الدولة القيام به في تلك الفترة، وحليم خير ممثل لها.

كلما كانت هناك أشياء تزيد من اقتراب المطرب إلى الجمهور من علاقة شخصية كلما اقترب الجمهور أكثر من المطرب وأحبه أكثر.

شريف حسن

جاء بعده مع الانفتاح، الصوت المشترك، الفرق المستقلة، بداية من "Les Petits chats" وطيبة والفور إم والجيتس ثم الأصدقاء و (المصريين). أصوات جماعية تحاول التعبير بشكل استعراضي عن الغناء الجماعي لتوحي أننا في عصر الانفتاح. وبدأت الحفلات تأخذ منحنىً غربياً في الموسيقى والتفاعل بين الجمهور والفرقة. فالمطربون شباب والحضور شباب، لا حساسية في الأماكن، يمكن بكل سهولة تغير الأماكن، يمكنك أن تصبح مطرباً ويمكنه أن يصبح مستمعاً، الكل هنا سواسية أمام الانفتاح وحلم السفر إلى الخليج، الكل يمكنه أن يصبح غنياً/نجماً.

كان ذلك تمهيداً لظهور محمد منير وجيل جديد، بملابس غير رسمية، بطريقة ذاتية جداً في الحركة على المسرح ولف سلك الميكروفون على رقبته، أصبحت هنا الحفلة حالة من التحرك، الكل يتحرك، المطرب أصبح يتأثر بما يقدمه مثل الجمهور تماماً، يرقص ويحكي ويتحدث مع الجمهور. أتذكر أنه في حفلات محمد منير في دار الأوبرا المصرية، كان ممكناً أن تظل طوال الحفلة دون أن ترى منير، فأنت غير مهتم بأن تراه، بقدر ما أنت مهتم بالحالة والرقص والموسيقى الصاخبة ومن معك من أصدقاء، غير ذلك لا يهم، كان منير وجيله يتعاملون مع الجمهور كأنهم واحد، يتحدثون عن مواقف حياتية بين الأغاني، وعن الأحداث الجارية، يحاولون خلق عالم واحد كلهم فيه مستمتعون، لا أحد يسيطر على أحد. من هنا تقريباً أصبح هذا هو السر بين المطرب والجمهور، علاقة صداقة أو زمالة عمل، يمكنك الحديث عن بعض القصص من حين إلى آخر، والمطرب أصبح يحاول أن يجمع بين نهج أم كلثوم وسيطرتها وذكاء عبد الحليم، تلك هي المعادلة الصعبة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي