مقاتلون ليبيون موالون لحكومة الوفاق الوطني يحتمون خلال اشتباكات مع القوات الموالية لخليفة حفتر جنوب طرابلس في 10 أبريل 2019. (AFP)

يبدو الأمر في الجنوب الليبي لكثيرين غامضاً مجهولاً، فهذه المساحات الصحراوية الشاسعة التي تتخللها بعض المدن والقرى الصغيرة المقامة حول واحات قديمة وآبار عريقة ومحطات تجارة قوافل وأضرحة صالحين من الفقهاء الصوفية وأعيان القبائل لا تزال قليلة السكان، ولا تزال تغص بالوافدين العابرين واللاجئين الهاربين والمنقطعين المغلوبين والباحثين عن الذهب والفرص.

هذه المستوطنات البشرية التي لا تزال بعيدة عن التطاول في العمران والتنوع في مظاهر الحياة لا تزال تعاني واقعاً خدميّاً متردّياً، ويكفي أن لتر الوقود فيها يبلغ أحياناً عشرة أضعاف سعره مقارنة بأي مدينة على الساحل، ولا يزال الواقع التعليمي والصحي صعباً للغاية وتتحكم فيه العادات المتوارثة والطب الشعبي والإمكانات المحدودة.

ويترافق مع ذلك كله انتشار لعصابات الطريق وأمراء الحروب العابرة للحدود والمليشيات المرتزقة ومافيات تهريب الذهب والوقود والمخدرات والبشر، المدعومة من بعض الأطراف السياسية التي فقدت تمويلها أو انتهت مهمتها، وبعضها من دول مجاورة أرهقتها الحروب والنزاعات القبلية والديكتاتوريات السياسية، وبعضها تجمعات محلية انسدّت في وجوهها أبواب العمل، ثم لحقت بذلك كله موجة أخرى من الجماعات الموصوفة بالتطرف التي لم تستطع السياسة المحلية والدولية محاورتها أو اجتذاب العقلاء الراشدين فيها، وتركتها للتعصب وأهواء ردود الأفعال وبقايا العصبيات الجهوية والقبلية.

وفي ظل غياب الدولة الليبية عن إقامة واجباتها وبسط سيطرتها وبذل خدماتها يشتدّ الواقع بؤساً فتنحاز الفئات الاجتماعية إلى مكوناتها القبلية والجهوية، وتلتف حولها وتأتمر بشيوخها ووجهائها وأصحاب المبادرات الجريئة فيها، ثم تبحث عن ظهر قويّ يدعمها ويساندها ويغطي جانباً من احتياجاتها ويؤمّن فرصة العيش الكريم لأبنائها ويجعل لهم قوة بين القوى المتنازعة ويدخلهم طرفاً في صراع مراكز النفوذ بين شرق "الكرامة" وغرب "الثورة".

في أتون هذه المعادلات الصعبة المتناقضة تحوّل الجنوب إلى ساحة خلفية للحرب والعنف والجريمة وتصفية الحسابات وتبديل التحالفات وعقد الصفقات، واصطفت المخابرات الدولية والإقليمية تبحث عن مسارات لمصالحها وصراعاتها، وستجد الحضور الفرنسي ينافس الجميع في جذب اتجاهات العمل وتحديد أولوياته وتعقيد ظروفه.

يعود الجنوب الليبي اليوم إلى مشهد الأحداث بعد قناعة أهله بضرورة المبادرة لتفكيك هذا الواقع الجنوبي، وعلى الرغم من أن الخيارات تبدو قليلة لضعف الإمكانيات وشدة الاحتياج وتعدد مراكز النفوذ والتدخلات الخارجية القوية فإن الرغبة القوية في التغيير تدفع إلى الأمام جملة من العوامل المؤثرة في التغيير المرتقب، فالجنوب كتلة تصويتية مؤثرة سيكون لها رأيها في تكوين المجالس التشريعية بالانتخابات المرتقبة في ديسمبر/كانون الأول من العام الجاري، كذلك فإن لها نصيباً محسوباً مقدّراً في المناصب السيادية والقيادية والإدارية في الدولة، ويزيد من حضورها وجود موارد نفطية كبيرة فيها إضافة إلى مناجم الذهب التي يمكن أن تتحول إلى مورد كبير للدولة غير مورد النفط والغاز.

ولكون الجنوب يمتد على مساحة جغرافية واسعة تطل على دول صحراوية يغلب عليها الطابع البدوي وعادات الترحال والنظام القبليّ فإن الجنوب يحتشد بالمحطات العابرة للثروات المستخرجة من هذه الصحراء الممتدة أو العابرة فيها، وتشكّل سوقاً مثالية للتبادل والعبور، ويمكن لها أن تتحول إلى سوق حرة كبيرة تغذي الصحراء في عدة دول بكل احتياجاتها.

وعلى الرغم من أن كثرة المليشيات الأجنبية في الجنوب الليبي تعدّ من المسائل التي تعقّد المشهد في الجنوب فإن هذا الأمر قد يكون مدخلاً للاستقرار ومرتكزاً لعودتها إلى بلدانها إذا استطاعت الدولة الليبية وحلفاؤها تأسيس مسار سياسيّ مدعوم إقليمياً ودولياً يقنع هذه المليشيات المسلحة بجدوى التفاوض السياسي، ويفتح لها مساراً حقيقياً داخل بلدانها يحوّل صيغ الحرب إلى صيغة سياسية، ولا بأس أن ينتقل الصراع من مستواه العسكري إلى مستواه السياسي في عملية انتقالية تجمع الأطراف المتناقضة وتحدد لهم حلبة محسوبة الزوايا لئلا يتطاير شرر صراعها السياسي إلى الخارج وتبقى في حدود المداولة السلمية مهما بلغت درجة الاحتجاج التصعيدي فيها.

وعندما تتأخر الدولة الليبية في وضع استراتيجية لإعادة احتواء الجنوب وتعزيز حضور الدولة وتأمين الخدمات الأساسية وتوطين هذه الخدمات، واستكمال وصل الجنوب بباقي أجزاء ليبيا عبر شبكة طرق قومية ومنظومة مواصلات برية وجوية تراعي حيوية موقعها الصحراوي وفرصها التجارية الواعدة، وخلق فرص عمل حقيقية تستقطب رجال الأعمال الليبيين والأجانب للعمل في مناطق الجنوب وتشغيل أبنائه في استثمارات متعددة فإن الجنوب سيظل على الدوام ساحة للاضطراب الذي يغذي المنطقة كلها بمزيد من الفوضى والدموية وغياب سلطة القانون الرادع.

وقد رأينا كيف استطاعت الثورة المضادة أن تستفيد من واقع الجنوب الليبي وخاصرته الرخوة في تحويل الجنوب إلى قناة إمداد بالمرتزقة والأسلحة المهربة وتشديد الخناق على طرابلس وتوتير الوضع الأمني إلى الذروة في هجوم 4/4، وكان الجنوب مهدداً حقيقياً لاستقرار العاصمة الليبية واستقرار منظومة الاتفاق السياسي فيها، وهو الأمر الذي يمكن أن يتكرر ثانية في ظل الظروف المواتية السائدة إلى اليوم، وفي ظل الاهتمام المتزايد من حلفاء الثورة المضادة بملف الجنوب.

والأخطر أنه سيكون دائماً في حسابات الدول الأخرى التي تتخلص من معارضيها وترمي بهم خارج حدودها وتشعل الخلافات بينهم لينشغلوا عنها وتنتقل فتنتهم إلى الدول التي لجؤوا إليها. فمن المعلوم أن الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي كان يعتمد سياسة تفتيت المعارضة التشادية المسلحة داخل الجنوب الليبي قبل أن تتوحد ضده، وكان يسعى لاحتوائها في منظومة الصراع الليبي لتكون مع طرف ضد طرف آخر، وكان ديبي يعتقد أن استقرار الجنوب الليبي يعني توتر الشمال التشادي في ظل عدم وجود رؤية سياسية ديمقراطية تستوعب هذه المعارضات التي تشكّل في معظمها واجهات قبلية.

وكان بالإمكان أن تتغير هذه السياسة لو وجد هذا الملف رعاية من دول مؤثرة في المنطقة أو الإقليم تموّل متطلبات التوافق السياسي وتدعم مسارات التفاهمات وصولاً إلى تحقيق اتفاقات ناجزة، وتبدو تشاد اليوم مستعدة أكثر من أي وقت مضى لمثل هذه الرعايات.

كذلك فإن النيجر التي تشارك ليبيا حدودها الجنوبية الغربية تحتاج إلى مسار سياسي آخر ينطلق من الجنوب الليبي الذي بات ملاذاً لجماعات معارضة مسلحة ومجموعات ذات أجندات فكرية متعصبة لم تستوعب طبيعة السياسة واستحقاقاتها ولم تجد مجالاً للتعبير عن نفسها بأمان بسبب ارتفاع سقوف مطالبها.

ومن شأن وجود دول تحفّز العمل على التوصل إلى تفاهمات سياسية معززة بقوة القبائل وتخلق مجالات عمل مقنعة في مناطقها بعيدة عن حسابات النفوذ الفرنسي الاستحواذي أن يجد صدى واسعاً في دول الصحراء التي تبحث عمن يمدّ لها يد المساعدة السياسية للنجاة من حالة الانسداد الأمني الخانقة، ويبدو الجنوب الليبي بوابة حقيقية لبدء العمل والشروع في تغيير واقع الصحراء من مفهوم الأزمة إلى مفهوم الفرصة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً