الانتخابات الرئاسية في الجزائر أمام مشهدَين؛ مؤسسة عسكرية منسجمة في دعمها للرئيس بوتفليقة (طالما تَرشح لولاية خامسة) وأعضاء من المخابرات القديمة يسعون إلى قطع الطريق أمام فوز الرئيس الحالي أو بقاء محيطه في الحكم من بعده.

إن علاقة الجيش الجزائري بالسياسة متجذرة وترجع إلى مرحلة التأسيس منتصف خمسينيات القرن الماضي أثناء حرب الاستقلال عن فرنسا؛ حيث تشكلت النواة الأولى قبل قيام الدولة المستقلة، فكانت النتيجة أن الجيش هو من بنى الدولة عكس القاعدة المتعارف عليها بأن الدول هي من تنشئ جيوشها، وقد كان هذا عاملاً فارقاً في تاريخ البلاد السياسي منذ 1962.

وفي مثل هذه الدولة التي أنشأها العسكر فإن القرارات الحاسمة لا يمكن أن تصاغ خارج إرادتهم؛ فقد أثبتت كل المنعرجات الكبرى أن المؤسسة العسكرية هي صاحبة الكلمة الفصل بل ويستحيل أن تُحسم الأمور ضد رغبات وتصورات إرادة أصحاب الأحذية الخشنة.

بالعودة الخاطفة إلى التاريخ فإن الجيش الجزائري كان دوماً في قلب السياسة أو لنقل إن السياسة كانت دوما في قلبه ومن صميم أشغاله ومهامه؛ فقد تدخل مباشرة عقب الاستقلال 1962 بزعامة قائد الأركان العقيد الشاب هوراي بومدين وأطاح بالحكومة المؤقتة الشرعية ونصّب أحمد بن بلة رئيساً كواجهة مدنية لحكم العسكر الذين عادوا انقلبوا عليه بعد ثلاث سنوات (19يونيو/حزيران 1965) وتولى العقيد هواري بومدين زمام الحكم، وإن كان بلباس مدني، فأحكم بذلك قبضة الجيش على الدولة ومؤسساتها.

إن مسألة بقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم مدى الحياة لن يوقفها سوى القدر.

مروان النواس

عند وفاة بومدين في ديسمبر/كانون الأول 1978 اشتد التنازع بين السياسيين حول هوية الرئيس الجديد فدفع الجيش إلى رئاسة الجهورية بأقدم ضباطه وأعلاهم رتبة الشاذلي بن جديد، الذي استمر حكمه حتى يناير/كانون الثاني 1992 قبل أن يتدخل العسكر مجدداً لكن هذه المرة بشكل أكثر سفوراً ويلغوا نتائج انتخابات تشريعية فاز بها الإسلاميون ويفرضوا على الشاذلي بن جديد الاستقالة ليتولى مجموعة من صقور المؤسسة العسكرية إدارة البلاد بواجهات مدنية، في ظل غياب مؤسسات دستورية منتخبة. وفي 1994 نصّب هؤلاء الصقور الجنرال الأمين زروال رئيساً للدولة، ثم عقدوا له انتخابات فاز بها في نوفمبر/تشرين الثاني 1995، في ذروة الحرب الأهلية والصراع بين الجيش والجماعات المسلحة. غير أن حبل الود انقطع بين الجنرالات والرئيس المنتخب الأمين زروال فاضطر إلى تنظيم انتخابات مبكرة في أبريل/ نيسان 1999 فاز بها عبد العزيز بوتفليقة بعد صفقة سياسية مع قادة الجيش.

لكن يبدو أن بوتفليقة لم يكن لقمة سائغة في أفواه الطغمة العسكرية المشكَّلة من قيادة الأركان وجهاز المخابرات؛ ففيما كان العسكر يرغبون في وجود رئيس مدني يخلصهم من الضغوطات الدولية المتزايدة كان الرجل يدرك أنهم يريدونه مثل دمية (الجراجوز) يحركونها من وراء ستار، لذلك عمل على استجماع كل خيوط الحكم ووضع كل مؤسسات الدولة تحت سيطرته، ومن أجل هذا دخل في حرب استنزاف طويلة على مدار الولايات الثلاث الأولى من حكمه (1999- 2014) وكان أبرز قرار اتخذه في سبتمبر/أيلول 2015 هو تنحية الفريق محمد مدين الملقب بصانع الرؤساء الذي تربع على عرش المخابرات لربع قرن ، مع تفكيك هذا الجهاز الأسطوري وتوزيع فروعه بين وزارتَي الدفاع والداخلية وأيضاً رئاسة الجمهورية، مع قطع مخالبه وتقليم أظفاره بشكل درامي أحياناً.

لن يتم تعيين خليفة بوتفليقة دون موافقة وتزكية من الجيش الذي يملك شعوراً عميقاً أنه راعي الدولة ولن يقف على الحياد.

مروان الوناس

لقد أدرك بوتفليقة الذي سبق له رفض عرض من العسكر لتولي رئاسة البلاد في 1994 أن قوته تكمن في إضعاف مراكز القوى الأخرى داخل النظام وأولها قيادة الأركان، التي وضع على رأسها أحد حلفائه وهو الفريق أحمد قايد صالح (جاء به من التقاعد) فيما عين على رأس جهاز الاستخبارات، بعد أن أضعفه إلى حد كبير اللواء عثمان طرطاق ومنحه مكتباً برئاسة الجمهورية. وبذلك قضى على بؤر المقاومة داخل النظام وأفرغها من كل قوة مضادة قد تهدد سلطته.

وانطلاقاً مما سبق فإن مسألة بقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم مدى الحياة لن يوقفها سوى القدر، وأي كلام اليوم عن وجود جهات داخل الجيش أو داخل المخابرات في نسختها الجديدة ترفض ترشح بوتفليقة لولاية خامسة، رغم عجزه ومرضه، مجرد وهم لا علاقة له بالواقع الجديد داخل النظام السياسي الجزائري.

فالرئيس بوتفليقة هو وزير الدفاع بحكم الدستور، ورئيس أركان الجيش نائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح هو صنيعة بوتفليقة مثل الكثير من القيادات العسكرية الأخرى التي عمل على ترقيتها طوال سنوات حكمه مقابل إبعاد الجيل القديم من المناوئين له، فيما تكفل القدر بالبقية.

لكن ينبغي التأكيد أن ولاء القيادة العسكرية وانسجامها مع المؤسسة الرئاسية مرتبط بشخص الرئيس الحالي، فالوضع قد ينقلب إذا لم يتقدم بوتفليقة لولاية خامسة لسبب أو لآخر؛ فلن يتم تعيين "الخليفة" الذي ستعقد من أجله الانتخابات وتُحسَم لصالحه النتائج دون موافقة وتزكية من الجيش الذي يملك شعوراً عميقاً أنه راعي الدولة ولن يقف على الحياد.

إجراء الانتخابات في الثامن عشر أبريل/نيسان المقبل هو بالنسبة للمخابرات القديمة فرصة سانحة للانتقام وإعادة رص الصفوف من خارج منظومة الحكم الحالية عن طريق التحالف مع نخب سياسية ومالية ناقمة على سنوات رئاسة بوتفليقة.

مروان لوناس

 لذلك فإن المرحلة الحالية تتسم بالتناغم حد التماهي بين مؤسستَي الرئاسة والجيش حول ترشح بوتفليقة لولاية خامسة واستمراره في الحكم ما دام على قيد الحياة، لكن ما يزعج هذا المعسكر، إن صح الوصف، هو ما بات يُعرف بـ (المخابرات القديمة) التي كان يرأسها الفريق محمد مدين (المعروف باسم الجنرال توفيق) وسعيها للعودة إلى المشهد السياسي قبيل انتخابات الرئاسة في 18ابريل/نيسان المقبل؛ فالقيادات الاستخباراتية السابقة لم تتجرع بعد لا الطريقة التي فكك بها الجهاز ولا كيفية الإطاحة بالرؤوس ممن أنهيت مهامهم، بل إن مصير بعضهم كان المحاكمات والسجون.

هؤلاء من فلول المخابرات القديمة تجمعوا وتكتلوا ضد استمرار بقاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وترشحه لولاية خامسة، وهناك من يرى أنهم نجحوا في إفشال مخطط تمديد الولاية الرئاسية الحالية لسنة أو سنتين حتى لا يمنحوا الجناح الرئاسي فرصة لترتيب مرحلة ما بعد بوتفليقة، لذلك فإن تحديد إجراء الانتخابات في الثامن عشر أبريل/نيسان المقبل، هو بالنسبة للمخابرات القديمة فرصة سانحة للانتقام، وإعادة رص الصفوف من خارج منظومة الحكم الحالية عن طريق التحالف مع نخب سياسية ومالية ناقمة على سنوات رئاسة بوتفليقة، ليس لأنه أساء إدارة البلاد بل لضياع المصالح والنفوذ الذي كانوا يتمتعون به ، وقد وجد هذا الجناح في دعم اللواء المتقاعد علي الغديري (أحد أبرز خصوم رئيس أركان الجيش الحالي الفريق أحمد قايد صالح) الرهان المناسب ،فالمرشح العسكري أعلن أنه عارض عام 2014 ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رابعة رغم أنه كان مديراً لمصلحة المستخدمين بوزارة الدفاع، غير أن قدرة هذا الجناح تبدو ضعيفة حتى الآن في التأثير على اتجاهات الانتخابات المقبلة، وقد يكتفي في النهاية بالتشويش والطعن في مصداقية العملية الانتخابية؛ لأن التجارب أكدت أن التغيير من خارج النظام هو مهمة مستحيلة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عنTRTعربي. 

المصدر: TRT عربي