تقوم العقلية العسكرية العربية على فكرة أن الجيش هو الضامن لأمن وسلامة البلاد ولسير العملية السياسية، وأن الحكومات المدنية غير قادرة على إدارة الدولة. الأمر الذي يعطي الجنرالات الحق في التدخل السياسي، وهي فكرة مغلوطة بلا شك.

مما لا شك فيه، أن المؤسسة العسكرية الوطنية في العالم العربي قد لعبت دوراً مهماً في تمهيد الطريق لبناء الدولة الحديثة ما بعد الاستعمار، ولكنها سرعان ما قدمت نفسها حصرياً على أنها الدرع الواقي لبقاء ذلك الكيان القومي الوليد، فارتأت أن تدير البلاد تارة بشكل مباشر، وتارة من وراء الكواليس، وأظهرت انخراطها في الحياة السياسية على أنه عبء ثقيل عليها، والتزام أخلاقي، وتكليف لا تشريف، والحقيقة غير ذلك تماماً.

تنص الوثائق الدستورية على أن الجيش الوطني مكلف بالدفاع عن وحدة البلاد، وسلامة ترابه وسيادته، ولا تذكر أي من هذه الوثائق الدستورية أي دور للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسة العامة، وإدارة شئون البلاد. لكن الواقع في المجتمعات العربية جاء مغايراً لذلك تماماً.

فبالرجوع إلى التاريخ السياسي للجزائر –على سبيل المثال- نجد أن الرؤساء المتعاقبين على حكم البلاد كهواري بو مدين والشاذلي بن جديد واليمين زروال، كانوا وزراء دفاع قبل أن يتسلموا مناصب الرئاسة.

وبالمثل، فإن المتتبع لتاريخ السودان الحديث يجد أن السودان لم يهنأ بعد استقلاله عام 1956 بحكومة مدنية أكثر من عامين. بدأ حكم الجنرالات في السودان عندما قفز الجيش على السلطة بقيادة الفريق إبراهيم عبود عام 1958، أعقب حكم عبود حكماً مدنياً بانتخابات جرت عام 1965، إلا أن الجيش انقض على السلطة مرة أخرى عام 1969 بقيادة جعفر النميري، الذي ظل في الحكم 16 عاماً تخللتها محاولات انقلابية فاشلة، إلى أن انتفض الشعب انتفاضة جماهيرية واسعة أتت بالمشير عبد الرحمن سوار الذهب عام 1985، والذي سلم السلطة لحكومة منتخبة برئاسة الصادق المهدي، والذي انقلب عليه العميد (آنذاك) عمر البشير عام 1989.

وكأن شعوب هذه المنطقة قد كتب عليها أن تتيه في فلك تلك الحلقة المفرغة، فعليها إما أن تختار، جبراً، الإدارة العسكرية الاستبدادية أو إدارة مدنية يراد لها أن تفشل في إدارة البلاد، لتبقى ذريعة التدخل العسكري قائمة. وهذا ما تذكره لنا سجلات التاريخ في البلدين.

الجزائر.. تاريخ الجنرالات

ففي الجزائر كانت ثورة التحرير قد اندلعت ضد الاستعمار الفرنسي في شهر فبراير من العام 1956، وقاد الكفاح المسلح فيها "جيش التحرير الوطني". فكان أحمد بن بلة أول رئيس للدولة، وقد حظي بمطلق الدعم من الرجل العسكري الأول في الجيش الوطني بو مدين، الذي انقلب بعد ذلك على بن بله، وبقي بو مدين محكماً قبضته على السلطة إلى أن توفي عام 1978.

بموت بو مدين، تم انتخاب الشاذلي بن جديد بالإجماع. وفي فترة حكمه شهدت الجزائر حياة حزبية وسياسية، لم تعرفها قبل ذلك، فبرزت العديد من الأحزاب السياسية، كان أهمها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي فازت عام 1990. وقتئذ، تدخل الجيش، وقلب الطاولة برفضه نتائج الانتخابات، فأعلنت حالة الطوارئ وعادت الدبابات إلى الشوارع، فاستقال بن جديد عام 1992.

بعد استقالة بن جديد، اندلعت الحرب الأهلية الجزائرية، أو ما عرف بالعشرية السوداء. وفي محاولة لاحتواء السخط العام، جاء الجنرالات بمحمد بوضياف كخليفة لبن جديد، ولكن وفي 29 يونيو/حزيران 1992 أي بعد 116 يوم فقط من حكمه للجزائر تمت تصفيته، واتهم نجله جنرالات الجيش، وجهاز المخابرات العسكرية بالوقوف وراء اغتياله.

وفي عام 1993 تم تعيين اليمين زروال وزيراً للدفاع، وفي 30يناير/كانون الثاني من عام 1994 تم تعيينه رئيساً للدولة، لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية، فتح فيها قنوات للتفاوض والحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إلا أنها باءت بالفشل، فأعلن اليمين زروال تنحيه عن الحكم وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة عام 1999، والتي جاءت بعبد العزيز بوتفليقة والذي حصل على 74% من الأصوات، وكان هو المرشح الذي نال دعم المؤسسة العسكرية، الأمر الذي اضطر المرشحون الآخرون إلى الانسحاب من الانتخابات.

السودان.. تاريخ الانقلابات العسكرية

أما في السودان، فقد بدأ الجيش مشواره في الحياة السياسية عقب استقلال البلاد في عام 1956، وهو نفس العام الذي استقلت فيه الجزائر. بعد أقل من عامين على الاستقلال، حكم الفريق إبراهيم عبود السودان لست سنوات، كان حكماً عسكرياً مطلقاً،ما أدى إلى تنامي المعارضة السياسية له يوماً بعد يوم، حتى وقعت أحداث جامعة الخرطوم في أكتوبر/تشرين الأول 1964، والتي أنهت الحكم العسكري بقيادة عبود.

عاد الحكم المدني بانتخابات جرت عام 1965 بإشراف حكومة انتقالية، جاءت بحكومة مدنية مبنية على تحالفات مدنية متناقضة أدت إلى اضطرابات سياسية واقتصادية، اتخذتها المؤسسة العسكرية ذريعة للانقضاض على السلطة ووقف نزيف البلاد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فكان انقلاب العقيد (آنذاك) جعفر نميري عام 1969.

وظل النميري في الحكم طيلة 16عاماً تخللتها محاولات انقلابية فاشلة، لتنتهي فترة حكمه بانتفاضة جماهيرية واسعة استجاب لها وزير الدفاع (آنذاك) المشير عبد الرحمن سوار الذهب عام 1985، ولفترة انتقالية لمدة عام واحد فقط. سلم السلطة بعد انقضاء العام لحكومة منتخبة ترأسها زعيم حزب الأمة الصادق المهدي.

لم تبقً تلك الحكومة المنتخبة سوى ثلاثة أعوام تقريباً، تخللتها صراعات كثيرة بين القوى السياسية، نجم عنها عدم استقرار سياسي، واستقطاب حاد بين المكونات السياسية. وكالعادة استغلت المؤسسة العسكرية تلك الاضطرابات والنزاعات بين النخب السياسية لتنقض على الحكم، فكان انقلاب العميد (آنذاك) عمر البشير، بدعم من الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي.

العقلية العسكرية العربية

يذكر لوكهام في كتابه "المؤسسة العسكرية، العسكرة، والديمقراطية في أفريقيا (1998)، أن حكم المؤسسة العسكرية في فترة ما بعد الاستعمار في بلدان شمال إفريقيا، هو انتقال لا مفر منه، وتحول نموذجي لا غنى عنه في أسلوب الحكم وإدارة البلاد.

ولكن وبمرور الزمن أضحت مطالبة الجيش بالسلطة، وأحقيته وأهليته للحكم تنبثق أساساً من اقتناع المؤسسة العسكرية بأن أي حكومة مدنية غير جديرة بالثقة، وغير مؤهلة لسبر أغوار السياسة ودهاليزها.

ففي الذهنية العسكرية، يفترض الجنرالات ضمنياً أن أي كيان مدني سيكون عرضة للفساد، وسيعرض البلاد إلى اضطرابات اقتصادية بسوء إدارة، ومراهقة سياسية، وافتقار للخبرة والحنكة والانضباط الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية.

ولكن الحقيقية التي لا يمكن إنكارها هي أن أياً من الأحزاب السياسية المدنية لم تُمنح فرصة حقيقية لإثبات قدراتها في فترات الأنظمة البوليسية القمعية، التي عملت على تصحر وتجريف الحياة السياسية بالمطلق.

اتخذ الجنرالات هذا القصور ذريعة، فنصبوا أنفسهم حماة للحمى، ورعاة لمقدرات الوطن والمواطن. ولكن الواقع يفند تلك الادعاءات، فسجلات الجنرالات والعسكر خاوية من أي إنجاز اقتصادي، أو اجتماعي في أي من الدول التي حكموها.

لقد كانت استراتيجيتهم اللعب على وتر سيكولوجية الشعوب، واحتياجها للأمن والأمان، الذي توفره لهم المؤسسة العسكرية حصرياً. فكانت الانقلابات العسكرية المدعومة شعبياً، ولو شكلياً، هي أبسط وأقصر الطرق لاحتفاظ الجنرالات بالحكم.

مما لا شك فيه أن العامل الزمني خدم الجنرالات بشكل واضح فمنذ بداية الاستقلال، وانتهاء الحرب الباردة، تبنت دول الاستعمار التاريخي فكرة حتمية ابقاء الجيش حاكماً نافذاً وفاعلاً للسيطرة على دول العالم العربي، في فترة ما بعد الاستعمار.

فبالنسبة للقوى الاستعمارية، كان الجيش هو القوة الأكثر تنظيماً وفاعلية للتعامل معها، وتوظيفها لخدمة أجندات الدول الاستعمارية، فببعض الامتيازات، والدعم السياسي واللوجستي للجنرالات، تضمن تلك الدول ولاءات الجنرالات وإخلاصهم لأجندات تلك الدول الداعمة والمثبتة لأركان حكمهم.

هل تعلمت الشعوب الدرس؟

ثمة حقيقة دامغة، وهي أن التغيير هو الثابت الوحيد في الحياة، وأن التغيير عادة ما يأتي بموجات متعددة. يبدو أن الشعبين في الجزائر والسودان استوعبا الدرس من موجة الربيع العربي الأولى، وهما مصران على عدم اختطاف ثورتهما، وعدم الرضا فقط باقتلاع رأس النظام.

ولكن تحصين الجزائر والسودان من حكم العسكر ما يزال تحدياً مهماً في طريق تكريس نظام حكم أكثر تشاركية، وأكثر استجابة لاحتياجات الشعوب، ينتهي بترسيخ السلطة بيد الشعب، ببناء مؤسسات مدنية واجتماعية ومجالس محلية، وتغيير ثقافي مرافق.

لا يزال التخوف قائم من اختطاف المشروع التحرري الشعبي من طرف العسكر، بتمويل من قوى الثورات المضادة، وهو ما يزال يخيم على الجزائر والسودان.

ولكن ما يميز الجزائر والسودان انهما استفادتا من تجاربهما الخاصة وتجارب غيرهم، ويعلمان أنه لا بد من تحصين أنفسهم من ألاعيب الثورات المضادة، وأن يتخذوا التدابير التي تقيهم شر المشاريع المضادة.

في النهاية، من المبكر الحكم على ما يجري في الجزائر والسودان، ولكن نجاح حراك البلدين السلمي سيعطي بالتأكيد أملاً بإمكانية التغيير في المنطقة دون إراقة دماء وتهجير، وتدمير البلاد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي