الكرسي في المخيال العربي ليس مجرد مقعد ومسند ظهري وذراعين وأربعة أرجل، إنه الرمز والمعنى، التاريخ والذاكرة، الدال والمدلول، الأداة والنسق، الفكرة والعبارة، إنه اللا نهائي من حمولات وقراءات، فهو يستمد "سلطته/معناه" من وظيفته وإحالاته المعلنة والمخفية.

سمع إمبراطور الحبشة مينيليك، الذي كان يحكم البلاد في نهاية القرن التاسع عشر، باختراع آلة جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الكرسي الكهربائي الخاص بتنفيذ حكم الإعدام، الشيء الذي جعله يقتنع بأن استيراد هذه الآلة الجديدة يندرج ضمن مشروع تطوير البلاد، فما كان منه إلا أن أمر وزيره باقتناء ثلاثة كراسٍ على الأقل، وهو ما كان فعلا.

انتظر الإمبراطور مدة من الزمن، إلى أن وصلت الكراسي الكهربائية بحراً، ليُنظم على إثر وصولها إلى أرض الحبشة، حفلاً بهيجاً بالميناء، فما أن أُنزلت الكراسي من الباخرة، حتى طلب الإمبراطور من وزيره، أن يجرب كرسياً بإعدام واحد ممن حجوا لاستقبالها.

الكرسي أحد أدوات السلطة وأبرز مدلولاتها المادية فعبره تنكشف المكانة وتتحدد المسافة وتُبنى العلائق في اتجاه المسُودين والمهيمَن عليهم.

عبد الرحيم العطري

لكن علامات التوتر بدت على ملامح الوزير، فما كان من سيده إلا أن سأله: ما المشكلة؟ ليجيب الوزير متلعثماً من فرط الحرج: إننا لم نحصل بعد على الكهرباء. حينها انصدم الإمبراطور، ففكر و دبر، وحتى لا يتهم بتبذير المال، فقد قرر استعمالها للجلوس، بالرغم من كونها مُعدة أصلاً للإعدام.

ليست مهمتنا ها هنا البحث عن "عقلنة" ممكنة لهذه الحكاية، و لا التأكد من وجاهتها أو محدوديتها، بل غايتنا تكمن أساساً في اكتشاف العطب القديم الذي يعتري ممارسة السلطة في أبنيتها الفوقية والتحتية داخل الوطن العربي، من خلال الكرسي كمجال اختباري لمفاعيل السلطة والنفوذ.

لهذا فالحكاية تضعنا في مواجهة سؤالين مُلحّين على الأقل، أولهما مفتوح على الاستيراد المعيب للنماذج، من غير تفكير في المواءمة والتبيئة، وثانيها متصل بالهوس المرضي بكراسي المسؤولية. فكيف نفهم حالة بوتفليقة مثلاً، الذي هدّه المرض، ومنعه من الكلام، ومع ذلك فقد استبدل كرسي الحكم الثابت بآخر متحرك، دون أن يفرّط في منصبه إلا بعد حراك حاشد؟

عادة ما يعلن المرشح الراغب في تحمل المسؤولية، سياسية أو إدارية أو ثقافية، أنه قادم من أجل عهدة أو ولاية واحدة لا غير، لكنه بمجرد استحلاء الجلوس فوق المقعد الوثير، يصير من أعداء التناوب والتغيير، ملتمساً منحه عهدة ثانية وثالثة ورابعة وأخرى مفتوحة، حتى يستكمل مشروعه التنموي، ويستجلب لنا الخير والنماء، الحكاية نفسها تتردد هنا وهناك، وكأنها تحكي عن علاقتنا المتوترة بالديموقراطية، وافتتاننا بالكرسي واستتباعاته ومفاعيله السلطوية.

لنعد إلى البدايات لنفهم سحر الكرسي وبراعة التشبت به، ولنعد أساساً إلى السلطة، باعتبارها قدرة على التأثير والفعل والقيادة، تستند إلى معطى القوة واحتكار العنف، وتتوسل في اشتغالها بأدوات مادية ورمزية مؤثرة. فلا سلطة بدون مدلولات وتصريفات عملية برهانية، تتراوح بين أساسيات مادية (ثروة، تاج، كرسي، صولجان، سلاح، لباس ..) وأخرى رمزية (شرعية دينية، سياسية، اجتماعية، اقتصادية أو حتى تاريخية).

ليست السلطة شيئاً متموضعاً في مكان معين، إنها عابرة للأمكنة والأزمنة، إنها علاقات متفاوتة بالدرجة الأولى، تعبّر عن إستراتيجيات وقوى وتراتبات مستمرة تخترق مجموع النسيج الاجتماعي، وهو ما يجعلها تتخذ تمظهرات شتى، وتتأسس من حيث بنائها و تجذرها على أسانيد متعددة. ومنها يصير الكرسي أحد أدوات السلطة وأبرز مدلولاتها المادية، فعبره تنكشف المكانة وتتحدد المسافة، وتُبنى العلائق في اتجاه المسُودين والمهيمَن عليهم.

ليس الكرسي مجرد مقعد ومسند ظهري وذراعين وأربعة أرجل، كما تبوح شكلانيته الظاهرة، إنه الرمز والمعنى، التاريخ والذاكرة، الدال والمدلول، الأداة والنسق، الفكرة والعبارة، إنه اللا نهائي من حمولات وقراءات، فهو يستمد "سلطته/معناه" من وظيفته وإحالاته المعلنة والمخفية.

إنه يعلن التعالي والتراتب السياسي، فالجلوس عليه يوجب واقفين مجردين من خيراته، فالمسؤول يجلس، والمَسُود يقف إجلالاً واحتراماً، وإعلاناً للخضوع، والقبول بالسلطة التي يحوزها الجالس.

ثمة رسائل مشفرة يعلنها كل كرسي، من حيث مكوناته ومؤثثاته، فكلما كان الكرسي كبيراً ومريحاً ومرصعاً، أعلن عن فائق الدرجة في الهرم السلطوي، ومنه كانت الكراسي متنوعة وحاضرة في كل مستويات السلطة في المجتمع الإنساني.

لا ينبغي أن ننسى أن المسؤول العربي، كبيراً كان أو صغيراً، يستنجد دوماً بالدين لشرعنة حكمه أو تحكمه، ولو تعلق الأمر بمصلحة بائسة في وزارة غير ذات أهمية، فهو "ظل الله في الأرض"، وهو "الحاكم بأمر الله"، وهو المأمور بالطاعة باعتباره من "أولي الأمر"، وكرسيه الأرضي، ما هو إلا استعادة رمزية لكرسي السماء، ولهذا يفهم كيف يحاط الكرسي بتلك الهالة من التقديس في مختلف الأنساق التيوقراطية، حيث الحكم ينتظم ويشرعن باسم المقدس.

يمتد سحر الكرسي إلى البيوت، ويصير كرسي الأب حكراً عليه، فلا أحد ينازعه في كرسيه الهزاز أو كرسي مكتبه، فالسلطة تتسرب إلى كل النظم والصياغات، وتتداخل العلاقة مع الكرسي، في مستويات التنشئة الاجتماعية، بدءا من الأسرة إلى المدرسة إلى وسائل الإعلام، إلى مختلف الديناميات المجتمعية، حيث يصير الكرسي رمزاً دالاً على القوة والقدرة، ومطمحاً للترقي والصعود المهني.

تتسرب السلطة إلى كل النظم والصياغات وتتداخل العلاقة مع الكرسي حيث يصير رمزاً دالاً على القوة والقدرة ومطمحاً للترقي والصعود المهني.

عبد الرحيم العطري

من المفارقات الجديرة بالتأمل أن أغلب خبراء موضة الكراسي، يُصرون على طرح نموذج الكرسي الدوار، محوراً وعجلاتٍ، لتسهيل التحرك في المكتب، وأيضاً لتذكير المسؤول بأن المنصب فانٍ وأن الزمن دوّار، وأنه لا ينبغي الافتتان والهوس بالكرسي.

إلا أنه في الحالة العربية، لا يبدو أن المسؤول ينتبه إلى ما تقوله وما تضمره التصاميم الفنية للكراسي، إنه مشغول أبداً بتأمين حضوريته المطلقة، وتسجيل أصل ملكية المنصب الوظيفي، عادياً كان أو استثنائياً، ولو تطلب الأمر تغيير القوانين والدساتير، المهم أن تكون العهدة الخامسة والمطلقة، وأن يلتصق جسده بالكرسي، ويتماهى معه، ولا يفرط فيه.

عند مدخل مقر الأمم المتحدة بجنيف، ينتصب عالياً عمل فني مائز يسمى الكرسي المكسور، وهو رمز للسلام الذي أبدعه الفنان السويسري دانيال بيرست وشيده النجار لويس جنيف. الكرسي ذاته، وإن كان يشير إلى حملة ضد الألغام والقنابل، فإنه موجه ضمناً إلى كل مسؤول عربي راءٍ لنفسه كائناً فوق العادة، إنه يقول لهم بأن كرسي المسؤولية، ومهما عمّر طويلاً وتجذّر عميقاً في تربة الواقع بسبب القهر والخنوع، فإنه زائلٌ ومكسور بفضل الحراك الشعبي والذكاء الاحتجاجي، وما الربيع الجزائري، إلا دليل ساطع على إمكان التغيير مهما تشبث الحاكم بكرسيه الثابت أو المتحرك.

على سبيل الختم نقول بأن الكرسي، ومهما كان وثيراً ومُدِراً للثروة والجاه والنفوذ، فإنه منتهٍ إلى زوال، وأن من يقتعده اليوم ومهما التصقت عجيزته به، فإنه مغادرهُ إلى مرض أو موت في السيناريو الأطول والأعقد، فلو دام لغيرك أيها المسؤول العربي ما وصل إليك، فلا تغرّنك الكراسي المنجَّدة بريش النعام، وأصخِ السمع جيداً لصوت الشعب، ولتتذكر ما قدم سوار الذهب في السودان ومحمد فال في موريتانيا ومنصف المرزوقي في تونس، من تجارب رائعة في خيار التحرر من هوس الكرسي وإغراءاته، إفاداته المادية والسلطوية، ففي تلك التجارب نقرأ إمكان عبور نحو التغيير والتجاوز، لعدم السقوط أساساً في فخ إمبراطور الحبشة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي