منطقة الخليج ملتهبة، ومن الطبيعي أن يتساءل الملاحظون عن مدى احتمال نشوب النار، ومدى تأثير أوارها إن انفلتت شرارة تضطرم من خلالها النيران.

ما زال الخليج يفور كمِرجل، إذ لا يمر أسبوع من دون أن تفاجئنا الأحداث بتطورات مذهلة أو دراماتيكية تزيد تصعيد التوتر. وقد تذكّر الأحداث الجارية في الخليج بتلك الأجواء التي عرفها مضيق تيران في خليج العقبة حينما أقدم الرئيس المصري حينها جمال عبد الناصر على إغلاق المضيق على الملاحة الإسرائيلية، وسحب القوات الأممية من سيناء، مما اعتبرته إسرائيل مسوغ حرب، وشنّت هجومها صبيحة 5 يونيو/حزيران 1967، وشلت القدرات الجوية المصرية.

السياق مختلف طبعاً، وطبيعة المتنازعَيْن ليست متشابهة؛ الولايات المتحدة من جهة، القوة العالمية الأولي، وإيران قوة إقليمية، والحرب اختلفت طبيعتها، لذلك أستبعد نشوب حرب في الخليج، مما ألمحت له في مقالي السابق.

ليس معنى كلامي أن التوتر سيخمد، أو أن لا يلجأ الطرفان إلى وسائل عدائية جانبية من عمليات عسكرية محدودة، بل المرجح أن الحرب ستتخذ أشكالاً أخرى من العقوبات الاقتصادية، ومزيداً من العزلة الدولية على إيران.

الغاية من التصعيد الذي تقوم به إيران هو الدفع إلى طاولة المفاوضات والتهديد الذي تلوّح به الولايات المتحدة هو من أجل تقليص دور إيران في المنطقة.

حسن أوريد

طبعاً ليست العقلانية هي العامل الحاسم في العلاقات الدولية، فالجوانب النفسية والذاتية واستصغار الخصم، من شأنها الدفع إلى المغامرة. لعل ما نشهده من تصعيد هو التلويح بالقوة، من أجل المفاوضات، عملاً بالقاعدة الرومانية القديمة، وهي أن من يُرِد السلم فعليه أن يتهيأ للحرب.

الغاية من التصعيد الذي تقوم به إيران هو الدفع إلى طاولة المفاوضات، والتهديد الذي تلوّح به الولايات المتحدة، هو من أجل تقليص دور إيران في المنطقة. قد يداعب بعض الصقور في الإدارة الأمريكية حلم تغيير النظام في طهران، لكن لا يبدو ذلك الهدف واقعيّاً.

التطوُّر في الخليج لا يهمّ منطقة الخليج وحدها، ولا الدول الغربية فقط، ولكن العالم بأسره، إذ لن توفّر تداعياته في حال نشوب حرب أي منطقة من العالم. المنطقة حساسة لوجودها في منطقة تماسّ مصالح حيوية متضاربة باعتبارها أكبر خزان عالمي للبترول، ومَحضِناً لمعتقدات تحمل تراثاً من الصراع المذهبي، مع آيديولوجيات حديثة متصارعة، فضلاً عن بزوغ قوى إقليمية تريد تغيير الوضع القائم.

المنطقة ملتهبة، ومن الطبيعي أن يتساءل الملاحظون عن مدى احتمال نشوب النار، ومدى تأثير أوارها إن انفلتت شرارة تضطرم من خلالها النيران.

أقف عند أحداث ثلاثة في أقل من أسبوعين غيّرت المعطيات القائمة في الخليج، ومن شأنها أن تتناسل عن مضاعفات تغير الوضع القائم. أول هذه الأحداث -زمنيّاً- هو إعلان إيران عزمها تخصيب اليورانيوم، أي تنصُّلها من الاتفاق الذي وقَّعَته مع مجموعة 5+1، وهي خطوة أولى، قبل التحرر منه، ظاهريّاً على الأقل.

قرار إيران تخصيب اليورانيوم ليس مغامرة غير محسوبة فالتخصيب في حدود معيَّنة لا يعني بلوغ مستوى صنع قنبلة نووية.

حسن أوريد

والحدث الثاني، المرتبط بالأول بطبيعة الحال هو إيفاد الرئيس الفرنسي ماكرون مبعوثاً إلى طهران لفسح المجال للدبلوماسية لإيجاد مخرج للوضع المتوتر أصلاً، وأجَّجه قرار إيران استئناف برنامج التخصيب. المبادرة الفرنسية تندرج في تنسيق مع لندن وبرلين، أي القوى الأهم في أوروبا. أما الحدث الثالث فهو انسحاب الإمارات من التحالف في حرب اليمن.

والمهم في هذه الأحداث هو بواعثها والتداعيات الممكنة. تؤجِّج أحداث أخرى التوتر، ولكنها لا تحمل تداعيات عميقة، أو هي محدودة، أو على الأقل ليست بحمولة الأحداث الثلاثة المومأ لها، منها احتجاز بريطانيا ناقلة بترولية إيرانية كانت في طريقها إلى سوريا، في عُرض مضيق جبل طارق، ومنها محاولة اعتراض قوات الخفر البحرية الإيرانية سفينة بريطانية في مضيق هرمز قبل تدخُّل فرقاطة بحرية بريطانية. يدخل هذان الحدثان في ما قد يُسمَّى بالتوتر الضعيف.

قرار إيران تخصيب اليورانيوم ليس مغامرة غير محسوبة، فالتخصيب في حدود معيَّنة لا يعني بلوغ مستوى صنع قنبلة نووية. فالعملية حسب الخبراء معقَّدة وتستلزم وقتا كبيراً، فضلاً عن أن كل تجهيزات إيران النووية تحت المراقبة بالكاميرات، وقد بادر مسؤولون إيرانيون إلى التعبير عن أن قرار التخصيب هو بالأساس لأهداف سلمية.

القرار هو لعبة شطرنج، أي تحريك بيدق لكي يُضطرّ الخصم إلى تحريك آخر، أي دفعه ليغير موقفه من أجل الخروج من وضع محتقن، ذلك أن الهدف الذي ترومه إيران من خلال إعلانها تخصيب اليورانيوم هو دفع الغرب إلى المفاوضات.

إيران تدرك أن حرباً بالخليج لن تكون كسابقاتها، وتدرك أن الإدارة الأمريكية لم تعُد في ذات النظرة الحربية التي طبعت إدارة بوش (الابن) وهي تعرف التصدُّع بداخل المعسكر الغربي.

حسن أوريد

إيران تدرك أن حرباً بالخليج لن تكون كسابقاتها، وتدرك أن الإدارة الأمريكية لم تعُد في ذات النظرة الحربية التي طبعت إدارة بوش (الابن)، وهي تعرف التصدُّع بداخل المعسكر الغربي، وتلعب على تلك التناقضات بين هذا المعسكر (الولايات المتحدة وأروبا)، ثم الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى. لم يكُن من قبيل الصدفة أن يعبِّر الرئيس الإيراني حسن روحاني عن استعداد بلاده للحوار ويُعرِب عن أن باب الدبلوماسية لم يُغلَق بعد استقباله للمُوفَد الفرنسي.

أما القرار الثالث الذي فاجأ المراقبين والمتعلق بقرار الإمارات الانسحاب من التحالف في اليمن، فإن نظرة موضوعية تُظهِر أن أولويات الإمارات ليست بالضرورة متقاطعة مع دعاة الحرب والتصعيد مع إيران.

قرار الانسحاب ينبني على معطيات موضوعية، مثلما قال ديكلان والش وديفيد كيرباتريكDeclan Walsh and David Kirpatrick في مقال بالنيويورك تايمز (11 يوليو/تموز) استرعى اهتماماً من قبل المراقبين، ينطلق من استحالة تحقيق نصر في اليمن، ويؤشر إلى تغيير استراتيجية الإمارات في سياستيها الخارجية والدفاعية.

الوضع الجغرافي للإمارات في محاذاة بؤرة التوتر، سينقل المواجهة في حالة نشوب حرب إلى الإمارات ومنشآتها الحيوية، ومن ثم يهدّد اقتصادها. ليس للإمارات عمق استراتيجي ولا ديموغرافي لتصمد في مواجهة طويلة الأمد، رغم ترسانتها العسكرية المتطورة، ورغم احتراب جيشها الذي تَمرَّس بالقتال.

الطبيعة الفيدرالية للإمارات لا تتيح بالضرورة خلق جبهة موحدة، أو ستكون موحدة ظاهريّاً فقط. الثقافة السارية في الإمارات لا تُسفِر عن الاختلافات، وتُذوِّبها الآن في النجاح الاقتصادي والمالي، ولكن من العسير الإبقاء عليها في ظل احتدام الصراع.

النتيجة لهذه التحولات هي تصدع التحالف العربي، واختلافات بداخل المعسكر الغربي، وهي معطيات تجعل احتمالات الحرب تتضاءل.

المصدر: TRT عربي