كشف الميلاد العسير للحكومة الإسرائيلية السادسة والثلاثين، عن سلسلة الأخطاء التي ارتكبها بنيامين نتنياهو على طول الطريق، وقد أنهى مهامه الرسمية الممتدة لاثني عشر عاماً على التوالي.

أخيراً جاء اليوم الذي شهد إخلاء نتنياهو لمقعده، رغم وجود قناعة في أوساط اليمين أنه سيعود في القريب العاجل رئيساً للوزراء، بعد أن حطمت ولايته الطويلة كل الأرقام القياسية، وأصبح خلالها رئيساً للوزراء مع أطول فترة في كل الحقب الإسرائيلية.

صحيح أن نتنياهو حقق للإسرائيليين إنجازات مهمة في الأمن والاقتصاد ومع كورونا واتفاقيات التطبيع، ربما جعلته جديراً بأن يحظى بلقب "ملك ملوك إسرائيل"، لكنه وقع في عدد غير قليل من الإخفاقات في السنوات الأخيرة، أدت به في النهاية لأن يفقد منصبه، وتبقى الأيام القادمة كفيلة بالإجابة عن سؤال حول هل ضعف نتنياهو بالفعل، واقتربت نهايته، أم إنها مجرد جولة نحو عودة أخرى، بحيث قد يعود بشكل أكبر وأقوى في الانتخابات المقبلة.

على صعيد الحكومة الإسرائيلية الجديدة، فليس لديها المزيد من الوقت، بل سوف تباشر البحث في جملة من الملفات السياسية والأمنية الضاغطة، التي لا تحتمل تأجيلاً، لأنها قد تمثل صواعق تفجير في أكثر من جبهة وساحة، داخلياً وخارجياً.

تواجه هذه الحكومة التي تحمل جملة تناقضات وتباينات كبيرة، سلسلة من الأحداث المتفجرة يتوقع لها أن تندلع في الساحة الفلسطينية في أي لحظة، ممَّا ينذر باشتعال كبير، سواء مسيرات الأعلام للمستوطنين في القدس المحتلة، ممَّا يهدد بإشعال الأرض، وربما استئناف القتال ضد حماس، أو إخلاء البؤرة الاستيطانية في الضفة الغربية التي تسببت بالفعل في أعمال عنف بين العرب واليهود.

في الساعات الأولى من ولايته، فوجئ بينيت بأنه مطالب باتخاذ قرار بشأن قضية مثيرة للجدل، جنباً إلى جنب مع وزير الأمن الداخلي الجديد عومر بارليف، خاصة بمسيرة المستوطنين اليوم الثلاثاء ضمن المخطط المتفَق عليه الذي تم التوصل إليه بين الشرطة والمنظمين، على أن يصلوا في نهاية المسيرة إلى باب العامود، رغم أن الإدارة الأمريكية لا تحبذ هذا السيناريو على أقل تقدير، وتنقل رسائل عبر وزير الحرب بيني غانتس الذي سيظل بهذا المنصب في الحكومة الجديدة، مفادها أنها غير مرتاحة للمسيرة في هذا الوقت.

على صعيد غزة، من المتوقع أن يصادق وزير الحرب الجديد القديم بيني غانتس على تحديث بنك أهداف في القطاع، وتم جمع عدة مئات من الأهداف الجديدة بعد الحرب الأخيرة، كما وافق على سلسلة من خطوات الرد في حالة تعقيد الحدث، ودخول إسرائيل في مواجهة جديدة، مع أن الفلسطينيين لم يتلقوا أي مساعدة في غزة منذ انتهاء العدوان، كما تم تقليص مساحة الصيد، وتوقفت جهود الإغاثة، كل هذا يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار وربما تجدد المواجهات من جديد.

في ذات الملف الفلسطيني، تتوقع الحكومة الإسرائيلية الجديدة أن تواجه وضعاً أمنياً متصاعداً في أراضي الضفة الغربية، فقد كان من المفترض أن يتم إخلاء البؤرة الاستيطانية المسماة "أفيتار" في وقت مبكر، لكن رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو أمر بتأجيل الإخلاء، وهناك احتمال أن يؤدي التماس للمحكمة الإسرائيلية العليا في هذا الشأن إلى تأجيل الإخلاء قليلاً، لكنه لن يلغيه، وفقاً لآخر التطورات، وكأن نتنياهو أراد عامداً إلقاء هذه الجمرة في حجر خصومه الجدد في مقر رئاسة الحكومة.

في غضون ذلك، هناك عشرات المستوطنين الذين لديهم مبانٍ دائمة سبق لهم توصيل البؤرة الاستيطانية بالكهرباء والمياه، وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فسيتم إخلاء المستوطنين بالقوة، مع أن اشتباكات ومظاهرات كبيرة حصلت بالقرب من البؤرة الاستيطانية، استشهد خلالها فتى فلسطيني يبلغ من العمر 15 عاماً، ويعتبر هذا التحدي الأساسي للحكومة الجديدة، وقد يشهد على كيفية تعاملها مع التحديات المستقبلية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو  (AP)

على صعيد العلاقة مع الإدارة الأمريكية الديمقراطية، التي شهدت توتراً لا تخطئه العين في عهد نتنياهو، فإن الحكومة الجديدة سوف تحسم مستقبل تعيين سفير إسرائيلي جديد لدى الولايات المتحدة، أو الاحتفاظ بالسفير لدى الأمم المتحدة والولايات المتحدة معاً غلعاد أردان، وأحد الاحتمالات أن بينيت سيسمح له بالبقاء في الأمم المتحدة، لكنه سيسعى لتعيين سفير منفصل لدى الولايات المتحدة، على اعتبار أن أردان من بقايا حلفاء نتنياهو، وقد لا يكون سفيراً "مخلصاً" لرئيس الحكومة الجديدة في ترميم العلاقة مع واشنطن.

أيضاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، سيتعين على بينيت أن يسعى بشكل عاجل لعقد اجتماع مع الرئيس جو بايدن، وقد فاجأه بإجراء اتصال مبكر به، وسوف يسعى للتنسيق معه حول أكثر القضايا حساسية، بما في ذلك الاتفاق النووي مع إيران، والقضية الفلسطينية، والمستوطنات، وسيحاول التوصل إلى تفاهمات تحدد التعويضات الأمنية التي ستحصل عليها إسرائيل مقابل محكمة لاهاي الدولية، وسيواصل موقف نتنياهو المعارض للعودة إلى الاتفاق النووي.

هذا يعني أنه في نهاية جلسة الكنيست، وأداء اليمين الدستورية للحكومة السادسة والثلاثين، سيتولى الوزراء مناصبهم على الفور، وبعد أربع جولات انتخابية مبكرة، لن يكون لديهم مئة يوم من الراحة، في ضوء المهام الأكثر إلحاحاً عليهم، ممَّا يعني أنه بعد تنصيب الحكومة الجديدة سيُطلب من الوزراء الجدد معالجة القضايا الملتهبة، وتحديد أولويات إجراءاتهم، وتنفيذ سياساتهم الجديدة في وزاراتهم الخاصة.

فوزارة الحرب لديها أهم ملفات ساخنة تستوجب المعالجة، ورغم أن غانتس خدم أيضاً في هذا المنصب في الحكومة الأخيرة، فإن المهام التي يحتاج إليها للمضي قدماً تتطلب إعادة التفكير، لا سيما السياسة المتبعة تجاه قطاع غزة، والتعامل مع تنظيم الوضع الأمني، ​​وإعادة إعمار القطاع، مع بناء مخطط لاستعادة الأسرى والمفقودين لدى حماس في القطاع.

كما أن غانتس مدعو للتركيز بشكل خاص على رسم سياسات واضحة تجاه إيران ومشروعها النووي الذي تعمل عليه، مع اقتراب إنجاز الاتفاق مع القوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة، فضلاً عن الجهود التي يبذلها معالجو الخطوط العريضة لاتفاق المشتريات الخاصة بالجيش، ومعظمها مخصص للطائرات وتسليح القوات الجوية، وبتشكيل الحكومة الجديدة سيتعين على غانتس زيادة الضغط على الأمريكيين لتنفيذ صفقة التسلح الجديدة.

مع العلم أن حزب أزرق أبيض الذي يقوده غانتس أدخل في اتفاق الائتلاف الحكومي الخطة متعددة السنوات التي يحتاج إليها الجيش بشدة، وتتطلب تعاون وزارتي المالية والحرب، وقد تدخلان في معركة كبيرة حول هذه القضية، ووفقاً للتقديرات، فإن وزارة المالية ستطالب بخفض كبير في الميزانية العسكرية، خاصة بعد تقليص مدة الخدمة العسكرية في الجيش، وهي خطوة ستسهم بشكل كبير في الاقتصاد الإسرائيلي، رغم معارضة قائد الجيش أفيف كوخافي لها بشدة.

يائير لابيد رئيس الوزراء بالتناوب، وهو الذي قاد كل الانقلاب على نتنياهو، سيكون وزيراً للخارجية، وهو ملف دسم وثقيل العيار، سواء باتجاه ترميم علاقات إسرائيل الخارجية بعد أن تضررت كثيراً عقب الحرب على غزة، واستعادة التحالف مع الولايات المتحدة، واستئناف اتفاقيات التطبيع مع الدول العربية، وهي الورقة الأكثر أهمية التي كان يتفاخر بها نتنياهو على خصومه، وقد بدا لافتاً أن تقدمت الإمارات والبحرين، دوناً عن كل الدول العربية، بالتهنئة للحكومة الإسرائيلية الجديدة التي يقودها مستوطن متطرف متدين!

وزارة الأمن الداخلي هي الأخرى مطالبة بتوفير الهدوء في المدن الفلسطينية في الداخل، حيث سيتولاها عومر بارليف الذي سيكون معنياً بإنهاء التوترات بين اليهود والعرب في المدن المختلطة، ومعالجة تفشي الجريمة في المجتمع العربي، والعنف ضد المرأة، وفقدان الثقة المتزايد في الشرطة، بجانب الحاجة إلى الميزانيات والتعزيزات، وسيُطلب منه إحداث زيادة كبيرة في ميزانيات الشرطة، وعدد الأجهزة لضباط الدوريات.

أما وزارة المالية فستكون مسؤولة عن الموافقة على ميزانية الدولة، وهي أهم مهمة تواجه الوزير القادم أفيغدور ليبرمان، حيث ظلت إسرائيل تعمل بدون ميزانية معتمدة منذ عامين، وأصبح هذا الحدث الاستثنائي معياراً جديداً ستسعى لتفكيكه.

لقد دخل نفتالي بينيت مكتب رئيس الوزراء لإدارة واحدة من أكثر الحكومات تعقيداً في العالم، وإذا خدع نفسه أنه سيحصل على مئة يوم من الراحة، فهو مخطئ، لأنه سيتعين عليه القفز إلى المياه العميقة على الفور، وسيتطلب منه منذ اللحظة الأولى اتخاذ قرارات مصيرية ودرامية تؤثر على حياة الإسرائيليين، سواء في شؤونهم الداخلية المباشرة، أو على صعيد علاقاتهم مع الحدود المجاورة، التي تشهد توتراً، يوشك أن يشتعل بأي لحظة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي