شكلت عودة الحكومة إلى عدن، كحكومة شراكة وطنية، ضمت كل الأطراف اليمنية، نقطة أمل للشارع اليمني، رغم كل التعقيدات والتحديات التي تواجه هذه الحكومة، على مختلف المستويات الأمر الذي ربما يجعل من نجاحها احتمالاً مشكوك فيه.

لا شك أن الحكومة اليمنية الجديدة، المشكلة تطبيقاً للشق السياسي لاتفاق الرياض، الموقع في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً، تمثل خطوة مهمة في المشهد السياسي اليمني الراهن، على طريق الدفع بالشرعية اليمنية لتحمل مسؤلياتها القانونية والدستورية، بعد غياب طويل خارج الوطن، وعودتها مؤخراً إلى العاصمة المؤقتة عدن، في ظل وضع أمني وعسكري واقتصادي أكثر تعقيداً، بدأت مؤشراته بالاستهداف الإرهابي لمطار عدن في لحظة وصول الحكومة يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2020.

ورغم كل ذلك شكلت عودة الحكومة إلى عدن، كحكومة شراكة وطنية، ضمت كل الأطراف اليمنية، نقطة أمل للشارع اليمني، رغم كل التعقيدات والتحديات التي تواجه هذه الحكومة، على مختلف المستويات، باعتبار أن بقاء الحكومة في الرياض طويلاً كان يمثل انتكاسة كبيرة للشرعية اليمنية، المعترف بها دولياً، ومؤشر فشل وعجز كبيرين لها على مدى السنوات الماضية، ممَّا جعل الناس تتفاءل لمجرد عودة الحكومة إلى عدن، رغم ربما انعدام مؤشرات هذا التفاؤل واقعياً.

بيد أن الحديث هنا عن هذه الحكومة وفرص نجاحها وتحدياتها، يقتضي حديثاً سياسياً بعيداً عن لغة العواطف، ممَّا يستدعي طرح القضية كما هي، بعيداً عن لغة المتفائلين والمتشائمين معاً، فالمنطق التحليلي الواقعي يقتضي الحديث عن ما هي فرص النجاح الممكنة لهذه الحكومة وما هي العوائق أو التحديات التي تعيق قطعاً عمل الحكومة، التي أتت بالأساس كتطبيق لمسارين اثنين لاتفاق الرياض وبنوده التفصيلية، المسار الأمني والعسكري ثم المسار السياسي المتمثل في تشكيل هذه الحكومة التي كان يفترض أن تأتي تالياً لتطبيق المسار الأول الأمني والعسكري.

وانطلاقاً من هذه النقطة، وفيما يتعلق بالقفز فوق المسار الأمني والعسكري للاتفاق، والذهاب للمسار السياسي بتشكيل الحكومة، ففي رأي فإن حظوظ وفرص النجاح لهذه الحكومة بالتأكيد ستكون ضعيفة بل ربما تكاد تكون منعدمة ما لم يتم الضغط مجدداً على استكمال المسارين المكملين للاتفاق وهما المسار الأمني والعسكري، كمسار واحد أو كمسارين منفصلين في ذات الوقت.

فرص النجاح للحكومة

شكلَ الاستهداف الإرهابي لمطار عدن لحظة وصول الحكومة إلى المطار، واحدة من الفرص "الذهبية" التي يمكن للحكومة الجديدة التقاطها والاستفادة والانطلاق منها كتهديد وجودي أمني خطير لا يمكن تجاوزه بمجرد التحقيق عن فاعله، وإغفال كل العناصر المساعدة لنجاح هذا العمل الإرهابي الذي كان يستهدف ربما قتل كل أفراد الحكومة الجديدة، ومن ثم خلط الأوراق كلها المترتبة على اتفاق الرياض، وما سيؤدي إليه نجاح هذه العملية، وتحقيق أهدافها المرسومة بعد ذلك.

وانطلاقاً من هذه النقطة، يفترض بالحكومة الجديدة الضغط الشديد والمطالبة باستكمال تطبيق الشق الأمني والعسكري كشرط جوهري لعملها واستمرارها في العمل، لأنه ببساطة لا يمكن لهذه الحكومة أن تتحرك خطوة واحدة للأمام بدون توفير شروط عملها التي نصت عليها اتفاقية الرياض بين الحكومة والمجلس الانتقالي.

وعليه فإن استهداف مطار عدن بتلك الطريقة وضع كثيراً من النقاط على الحروف، في ما يتعلق بتأمين ليس فقط هذه الحكومة وإنما تأمين مدينة عدن كلها كعاصمة لكل اليمنيين، ولن يتأتى ذلك في ظل بقاء الوضع الأمني والعسكري بهذه الطريقة، مليشيات تسرح وتمرح بعدن ومؤسساتها ولا علاقة للحكومة بهذه المليشيات ولا تمتلك عليها أي سلطة أو قرار.

وانطلاقاً من هنا فإننا نرى بقاء الحكومة بعدن وعدم عودتها يُشكل هو الآخر نقطة وفرصة إضافية لمصلحة هذه الحكومة التي قررت البقاء في عدن ومواجهة هذه التحديات الأمنية المعقدة، ولكن البقاء مجرد البقاء بعدن، بدون مكاشفة حقيقية مع السعودية راعية اتفاق الرياض، بخصوص استكمال تنفيذ هذا الاتفاق، الذي ترعاه وهي حريصة على إنجاحه كآخر فرصة لها أمام المجتمع الدولي وأمام نفسها المعنية بالملف اليمني، والمعنية بالخروج بأقل الخسائر التي حصدتها، والتي لا تزال في الانتظار بفعل سياساتها التي أطالت أمد الحرب في اليمن كل هذا الوقت، وبدون أي حسابات لمآلاتها الكارثية على المملكة خصوصاً والمنطقة كلها عموماً.

إيجاد الفرص وصناعتها واستثمارها وتوظيفها هو من صميم السياسة ووظائفها في معركة هذه الحكومة من أجل نجاحها، وهو ما يتطلب دوافع وطنية وذاتية، من قبل رئيس الحكومة أولاً وطاقمه ثانياً، تتناغم مع حالة الالتفاف الشعبي والوطني الكبير حول هذه الحكومة، لأول مرة بهذا الشكل، ممَّا يحتم على الحكومة التقاط هذه الفرصة، لعمل شيء على الأرض وإحداث فارق في حياة الناس المتفائلين بها والذين يعولون عليها، وخاصة فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي المنهار تماماً، وإن أي مؤشرات نجاح هي تعزيز لصمود الحكومة ودعم لها في هذه المرحلة التوافقية المعقدة.

التهديدات والتحديات

يمثل التراخي والتباطؤ في عدم تسريع تطبيق الشق الأمني والعسكري لاتفاق الرياض، بل والالتفاف على تلك البنود، التحدي والتهديد الأكبر والأبرز في طريق عمل هذه الحكومة، إن لم يكن سبباً رئيسياً في إفشالها والدفع بها مجدداً إلى مغادرة عدن واليمن ككل، نظراً لأهمية وخطورة بقاء الحكومة رهينة قصر المعايشق، رهينة لمخاوفها الأمنية الكبيرة التي تتهددها والتي كانت في استقبالها منذ لحظة وصولها إلى مطار عدن.

فعدم تطبيق الشق الأمني والعسكري يعني ببساطة حكومة بدون أي صلاحيات أمنية ولا عسكرية ولا حتى مالية، نظراً لأن وجودها في عدن أشبه بحكومة تصريف أعمال موضوعة رهن إقامة جبرية، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، نظراً لأن هذه الحكومة لا تمتلك أي إرادة أو قرار على مدينة عدن، التي توجد فيها حالياً، تحت عين وإرادة المليشيات، التي تسيطر على المدينة منذ 10 أغسطس/آب 2019.

نتحدث عن هذه التحديات ليس باعتبارها مجرد تحليل سياسي هنا، وإنما انطلاقاً من واقع المشهد السياسي اليوم نفسه ومن أدبيات وبنود اتفاق الرياض الذي جاء أساساً لحل هذه الإشكالية المليشياوية، التي انفجرت أكثر من مرة طوال السنتين الماضيتين، حيث دارت حروب طاحنة بين هذه المليشيات وأجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، باعتبار أن هذه المليشيات لا تخضع لسلطة الدولة اليمنية الشرعية، ولا تؤمن بها، وهي مليشيات مسلحة تعمل ضمن مشروع آخر وأجندات معادية تماماً لليمن وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه.

ولا شك اليوم أن أكبر تحدٍ يواجه أداء هذه الحكومة، بعد المليشيات المحلية، هو الداعم الخارجي لهذه المليشيات، هذا هو العامل الرئيسي ربما في نشوء هذه المعضلة القائمة بين الشرعية وفصائل ما يسمى بالمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أنشأته الإمارات ودعمته منذ لحظات ولادته الأولى، من خلال صناعة ظاهرة المليشيات ودعمها وإسنادها وزرعها في كل مكان تم تحريره من المليشيات الحوثية المدعومة إيرانياً.

بمعنى آخر، فإن عدم المكاشفة هذه المرة بين هذه الحكومة الجديدة وما يُسمى بالتحالف العربي لدعم الشرعية، والذي لم يتبق منه سوى المملكة العربية السعودية والإمارات التي لم تكن مدعوة للتدخل في اليمن، وإنما استعانت بها المملكة العربية السعودية، فإذا بها تتجاوز السعودية بسياساتها، وتبنى لها مليشيات خارج أهداف التحالف، بل وخارج أهداف الحرب كلها وهي استعادة الشرعية اليمنية.

فالمكاشفة هنا هي المدخل الحقيقي لتجاوز التحديات الراهنة، ولحلحلة حالة المراوحة في ذات المكان منذ ست سنوات تماماً من قيام هذه الحرب، بمعنى أنه بات ملحاً اليوم على الحكومة اليمنية الجديدة إعادة فتح النقاش مع التحالف العربي، لتحديد دور كل الأطراف في هذا التحالف، وأن الحكومة اليمنية شريك في هذه الحرب وليست مجرد تابع مأمور لأي طرف كان، هذه المقاربة ستضع الكثير من النقاط على حروفها، في ما يتعلق بطبيعة العلاقة القائمة بين التحالف والشرعية اليمنية، ومن شأن هذه المكاشفة توزيع الأدوار ورسم خريطة واضحة للحرب وأهدافها وزمانها ومكانها، قبل أن تتحول إلى حرب عبثية سيكون لها ارتدادات عكسية لتفجير المنطقة ككل وتمزيقها إلى كنتونات ومليشيات مذهبية وطائفية متصارعة.

وبغير هذه المكاشفة التي ستساعدنا كيمنيين وتساعد المملكة العربية السعودية ذاتها، التي ستجد نفسها شيئاً فشيئاً، غارقة في المستنقع اليمني، وربما من حيث لا تدري ولا تدرك حجم الكوارث القائمة أو تلك التي لا تزال على قائمة الانتظار فيما لو استمرت نفس هذه السياسات السعودية في إدارة الملف اليمني وإدارة الحرب بذه الطريقة الكارثية والعدمية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي