لا شك أن التعقيد قد صاحب الملف الليبي من بدايته، ولا أدل على ذلك من المنعرجات التي شهدتها ليبيا سواء كان ذلك على المستوى الميداني أو السياسي وما نجم عنهما اقتصاديّاً واجتماعيّاً.

بُني المسار السياسي الحالي على محطة مهمة بدأت في 15 ديسمبر 2015 في مدينة الصخيرات بالمغرب ونجم عنها الاتفاق السياسي الذي تولى بموجبه فائز السراج مقاليد المجلس الرئاسي مقابل سلطة مجلس النواب التي تقلدها عقيلة صالح، والمجلس الأعلى للدولة صاحب الصلاحيات الاستشارية.

لم تنقطع علاقة المغرب بالمسار السياسي، وكانت حاضرة في محطة بوزنيقة في سبتمبر 2020 حيث التقى ممثلون عن المجلس الأعلى للدولة، ومجلس النواب بعد فرقة وعدم اعتراف متبادَل ليتم الاتفاق على آلية يجري من خلالها اختيار شاغلي المناصب السياسية.

تزامن ذلك مع حوارات أخرى شهدتها سويسرا وشارك فيها مستقلون وممثلون للجهات السياسية بدعوة أممية، وتم الإتفاق إثرها على انتخابات برلمانية ورئاسية وحكومية جديدة خلال 18 شهراً.

لم يفوت حفتر فرصة زخم اللقاءات لتنعقد لقاءات في موسكو جمعت ممثلاً عنه (خالد حفتر ومراجع غيث) مع أحمد معيتيق عضو المجلس الرئاسي، ليتم فتح النفط مقابل إدارة الإيرادات بلجنة مشتركة بين الطرفين.

كل هذا الزخم ساهم في إحياء مسار برلين لتجتمع دول لجنة المتابعة الدولية، ودول جوار ليبيا بحضور الأمين العامّ للأمم المتحدة في أكتوبر في برلين من أجل تثبيت وقف إطلاق النار واستمرار محادثات لجنة 5+5 العسكرية، وهي من أهم آليات بناء جسور الثقة بين الفرقاء.

وهنا يجدر التنويه بأن لجنة 5+5 مكونة من 5 ضباط عن حكومة الوفاق و5 ضباط ممثلين عن حفتر تؤمن الوصول إلى تسوية عبر المفاوضات العسكرية وتتابع تحت إشراف البعثة الأممية للدعم في ليبيا إضافة إلى الأمم المتحدة ومراقبين دوليين اللجنة العسكرية الفرعية التي تشرف على انسحاب المرتزقة والمسلحين من مدينتي سرت والجفرة بإشراف من اللجنة المشتركة والبعثة الأممية للدعم في هذه المرحلة.

تم التوصل إلى اتفاق عسكري بين الفرقاء اعتبره مراقبون فاتحة لتوازن على درجة كبيرة من الأهمية، سيما أن اللجنة قررت أن يكون مقر انعقادها مدينة سرت، على أن يتم الشروع الفوري في تبادل المحتجزين من الطرفين وفتح المواصلات البرية والجوية بين شرق ليبيا وغربها.

خلق كل ما سبق محاولة لتفتيت الخلافات بين الفرقاء (عسكرية ميدانية - اقتصادية - سياسية) وإجراءات بناء الثقة، جواً ملائماً لحوار سياسي انطلق من بُعد يوم 26 أكتوبر 2020 بعد توقف الهجوم على العاصمة طرابلس واستعادة حكومة الوفاق الوطني السيطرة على كامل المنطقة الغربية وفق توازنات دولية فرضت واقعاً جديداً يقتضي وقف إطلاق النار والعودة إلى خيار الحل السياسي.

تم الشروع في الحوار الافتراضي وسط توتر شديد بين الفرقاء مما ساهم في فشله واستقالة المبعوث الخاص الأمين العام غسان سلامة (بعنوان مشكلات صحية تحول دونه ومواصلة العمل)، وتولي ستيفاني ويليامز السفيرة الأمريكية السابقة بليبيا منصب رئيس البعثة الأممية للدعم في ليبيا بالإنابة.

تم تخصيص اللقاء الأول للاستماع إلى الإحاطات من مختلف الجهات المدنية والعسكرية وأجهزة الدولة المختلفة، والتهيئة للقاء مباشر بتونس، وهو ما تم في 15 نوفمبر 2020 بمشاركة 75 ليبياً من مختلف الأطراف تم اختيارهم من قبل البعثة الأممية للدعم بحضور ستيفاني ويليامز فتم التوافق على خارطة طريق.

كما تم الاتفاق على شروط الأهلية للترشح لعضوية المجلس الرئاسي والحكومة الجديدة وأهلية دعم المرشحين، وتم ضبط أهداف عامة للبرنامج السياسي الوطني والإدارة التنفيذية خلال المرحلة التمهيدية وأولوياتها.

إلى هنا بدأت بوادر الخلافات حول دعم المرشحين وأحقية الترشيح، ونصيب كل منطقة من مناطق ليبيا من السلطة الجديدة وما إليه من مختنقات زيادة على التحشيدات العسكرية التي يتلقاها الجانبان، وحفر خنادق في حدود مدينة سرت وفق صور الأقمار الصناعية وفق تقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا 62/2021 الصادر في 19 يناير/كانون الثاني 2021، لكن الأمر تم تطويقه في " سلام هش" كما يعبّر مراقبون.

انطلقت في جنيف في 1 فبراير/شباط 2021 مشاورات لاختيار مرشحين للمجلس الرئاسي ورئاسة الحكومة من أصل أكثر من 40 مترشحاً، وتابع ذلك الليبيون مباشرة على مختلف القنوات والوسائط، ففي اليوم الأول (كان الحوار في أثناء كتابة المقال متواصلاً) نقاشات وصفها متابعون بأنها "غير مسبوقة" بين مرشحين عرضوا لأكثر من 10 ساعات برامجهم وخططهم وأجابوا عن أسئلة "محرجة" في علاقتهم بالمناطقية وتوزيع السلطات والعلاقة بين السلطة العسكرية وخضوعها للسلطة المدنية وقدرتهم على مواجهة الجماعات والمليشيات المسلحة.

في الختام يمكن القول إن ما تم القيام به في الفترة الأخيرة هو من أفضل ما يمكن الخروج به، خصوصاً أن ليبيا لا تحتوي حالياً على مؤسسات حقيقية يتم بينها الحوار فيتم الاستعاضة عن ذلك بحوار بين أبرز الشخصيات رغم أن هذه الشخصيات وفقاً لمتابعين هي جزء من المشكل ولا يمكن أن تكون جزءاً من الحل (يتحدث مراقبون مثلاً عن صعوبة قبول المنطقة الغربية برئيس مجلس النواب الذي بارك الحرب على العاصمة رغم أنه أبدى اعتذاراً مقنعاً خلال سؤاله عن موقفه من الحرب).

يمكن الاستنتاج أيضا أن تحديد تاريخ الانتخابات جعل كل الأطراف تتراجع وتحاول استدراك مواقفها حتى يكون لها مكان في السلطة التنفيذية المقبلة في ظل واقع اقتصادي واجتماعي متردٍّ.

فهل الانتخابات (سواء بعد 24 ديسمبر 2021 أو أكثر أو أقلّ) في حد ذاتها هدف؟

يُعتقد أن الانتخابات يمكن أن تكون علاجاً لمجموعة من المشكلات، لكن الاستقرار الأهم والأدوم هو بناء جسور ثقة حقيقية بين الفرقاء، وهو ما لا يتأتى إلا عن طريق مصالحة حقيقية بين أبناء الوطن الواحد وبناء جسور ثقة دائمة يفهم بموجبها الإخوة الفرقاء أن الصراع بينهم عبثي وأن الاستفادة منه لا تخدم إلا الأطراف الأجنبية التي تراهن على استدامة الوضع على ما هو عليه، كما أن توافقاً داخلياً ليبياً خالصاً هو فقط القادر على صد جزء واسع من التدخل الأجنبي الخارجي.

التوافق بين الفرقاء سواء كان بالانتخابات أو بالحوارات أو المصالحات والاستقرار هو وفق مراقبين الغاية الفضلى التي يشتغل عليها الليبيون، بخاصة أن العملية الديمقراطية في سياق الانتقال الديمقراطي لا تتمثل فقط في الانتخابات، بل يجب أن يدعمها حوار وجسور ثقة وقدرة على صهر الخلافات والتعالي على الخلافات الداخلية والشخصية من أجل إعادة بناء البلد.



جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً