يحاول الحوثيون من خلال إعادة انتشارهم في الحديدة اكتساب ثقة المجتمع الدولي وذلك لتخفيف الضغط الذي يتعرضون له، وربما للاستعداد أيضاً لجولات أخرى من التصعيد.

بعد ستة أشهر من تعطيل اتفاق الحديدة، الذي قضى بإعادة الانتشار العسكري للمتقاتلين في المدينة وموانئها الثلاث، مقابل تجنيب المدينة هجوم عسكري من جانب القوات الحكومية مدعومة من التحالف، أقدم الحوثيون على خطوة أحادية الجانب بالانسحاب من الموانئ مسافة خمسة كيلومترات.

الخطوة بدت في ظاهرها تنفيذا حرفياً لاتفاق الحديدة، لكنها ليست كذلك، بل احتيالاً واضحاً على الاتفاق، لأن مترتبات انسحاب كهذا هي الجوهر المُختلف عليه في هذا الاتفاق.

والجوهر المختلف عليه هنا يتعلق بحسم هوية الطرف اليمني المحلي الذي سيتولى إدارة الحديدة وموانئها، ويتعلق كذلك بمدى جدية الحوثيين في الانسحاب العسكري الكامل وتسليم خرائط الألغام تمهيداً لنزعها، وإزالة الحواجز والخنادق وإنهاء كافة المظاهر العسكرية من مدينة وموانئ الحديدة وتطبيع الحياة بشكل كامل في هذه المناطق.

لقد نجح الحوثيون بخطوة الانسحاب الأحادي الجانب في تجيير الاتفاق لصالح مشروعهم السياسي والعسكري في الحديدة، في ظل التغطية التي يملؤها الحماس من جانب الأمم المتحدة لهذه الخطوة، التي لاتزال تمثل إجراء جزئياً من المرحلة الأولى التي ينبغي أن تشمل كافة مترتبات الانسحاب المفضي إلى إنهاء مظاهر الحرب، بالإضافة إلى قيام القوات الموالية للحكومة الشرعية بإنجاز ما يخصها من هذه المرحلة وهي الانسحاب مسافة كيلومتر واحد من مواقع تمركزها الحالية في الأجزاء الشرقية من مدينة الحديدة.

لقد نجح الحوثيون بخطوة الانسحاب الأحادي الجانب في تجيير الاتفاق لصالح مشروعهم السياسي والعسكري في الحديدة في ظل التغطية من جانب الأمم المتحدة لهذه الخطوة.

ياسين التميمي

الأمم المتحدة ومبعوثها إلى اليمن مارتن جريفيث، وكبير المراقبين الدوليين، كانوا جميعاً بأمس الحاجة إلى هذه الخطوة من جانب الحوثيين لإثبات أن ثمة شيئاً قد تحقق في الحديدة، من شأنه أن يغير إلى حد ما من الصيغ الإنشائية عديمة المحتوى لتقارير المبعوث الأممي التي دأب على تقديمها منذ توليه منصبه أوائل العام الماضي 2018.

منذ بدء الحرب كان تركيز الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ينصب على الحديدة، وكان مبرر الجميع دائماً هو محاولة الإبقاء على الوضع الإنساني بعيداً عن الانزلاق إلى حافة المجاعة، وتم جمع المليارات من الدولارات حتى لا يقع اليمنيون في المجاعة وفقاً لهذه المخاوف، لكن الذي حدث هو أن وتيرة العون الإنساني بقيت على ما هي عليه من القصور في الوصول إلى المستهدفين، في حين بقيت قدرة الحوثيين على استثمار هذه المساعدات كبيرة جداً ومغرية جداً.

فعلى مدى سنوات الحرب الخمس، تحولت العمليات الإنسانية إلى استثمار مربح للوكالات الدولية من جهة ومصدر دعم مهم جداً للمعركة التي يخوضها الحوثيون بهدف تثبيت مكاسبهم السياسية والعسكرية وبسط النفوذ على أوسع رقعة ممكنة من الدولة اليمنية.

سيتعين على الأمم المتحدة أن تكون حذرة تجاه الخطوات المقبلة المتصلة بتنفيذ اتفاق الحديدة، لأن الحوثيين لن ينسحبوا من المدينة ولن ينهوا التحصينات التي تضمن وجوداً حقيقياً لهم في معزل عن تهديدات القوات المتربصة بهم في شرق المدينة، لذا ما أعتقده هو أن الأمور ستتوقف عند هذا الحد وسيبقى الوضع في الحديدة يراوح كما هي عادة الوضع الشامل في اليمن.

سيتعين على الأمم المتحدة أن تكون حذرة تجاه الخطوات المقبلة المتصلة بتنفيذ اتفاق الحديدة لأن الحوثيين لن ينسحبوا من المدينة ولن ينهوا التحصينات التي تضمن وجوداً حقيقياً لهم.

ياسين التميمي

لقد أظهر ما يسمى بـ: "تحالف دعم الشرعية" هذه المرة ما يمكن اعتباره عدم اكتراث تجاه تطورات الحديدة، وبقيت السلطة الشرعية التي يدعمها هذا التحالف تتخبط وتعاني من مأزق الانسحاب الأحادي الجانب الذي اكتفت بنعته بالمناورة.

وأعتقد أن صمت التحالف ينبئ بوصول معركته في اليمن إلى نهايتها الفوضوية هذه، إلى حد يصعب معه التنبؤ باستمرار المستويات النوعية من الحسم التي شهدناها في معارك متقطعة كالتي جرت في عدن في صيف 2015، وكانت إحدى هذه المعارك تلك التي أوصلت خليطاً من القوات المشتركة التي يوالي معظمها الحكومة من الناحية الإسمية، لكنه يخضع من الناحية العملياتية والدعم والتسليح للإمارات بشكل كامل.

مضى جريفيث من لندن إلى صنعاء ليحمل رسالة التحذير الصادرة عن الرباعية الدولية بشأن اليمن والمكونة من وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والامارات. وفي ثنايا هذا التحذير كانت هناك مهلة معلنة للحوثيين بضرورة تنفيذ الجزء الأول من خطة إعادة الانتشار، بحلول الخامس عشر من شهر مايو/أيار وتجنب موقف مرتقب من مجلس الأمن الذي يعقد اجتماعاً في الموعد ذاته للوقوف على آخر المستجدات في الساحة اليمنية.

إن أخطر ما سعى إليه المجتمع الدولي هو أنه دفع باتجاه مركزية الحديدة في سياق الحرب الشاملة التي يشهدها اليمن، وبنى على النجاح في الحديدة أحلام تجاوز التعقيدات الهائلة في الملف اليمني.

ياسين التميمي

استمع الحوثيون هذه المرة باهتمام لحديث جريفيث الذي كان يسعى مع الرباعية بكل جوارحه لتحقيق اختراق في موضوع الحديدة الذي تسبب له في الكثير من الحرج على صعيد كفاءته الدبلوماسية.

لكن اللافت فيما صدر عن اجتماع الرباعية في لندن أواخر الشهر الماضي، التركيز على قضية الصواريخ والطائرات المسيرة التي يطلقها الحوثيون باتجاه السعودية والإمارات وربط ذلك بإيران وبالدعم الذي تقدمه للحوثيين، وذلك أكثر من اهتمام اللجنة بمآلات الأمور في الحديدة.

ورغم ذلك فقد قام الحوثيون بأخطر ضربة جوية عبر الطائرات المسيرة في العمق السعودي مستهدفين منشأة نفطية، أعتقد أن السعودية ستدخر ردة الفعل لخدمة التحضيرات الأمريكية الجارية في المنطقة لتوجيه ضربة عسكرية محتملة لإيران.

إن أخطر ما سعى إليه المجتمع الدولي هو أنه دفع باتجاه مركزية الحديدة في سياق الحرب الشاملة التي يشهدها اليمن، وبنى على النجاح في الحديدة أحلام تجاوز التعقيدات الهائلة في الملف اليمني الذي يتوزع بين مشاريع بينها ذلك الذي يحمله الحوثيون منفصلاً عن التصورات المتفق عليها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل بشأن شكل الدولة ونوع الحكم والمعيار الديمقراطي الحاكم.

ويضاف إليه مشروع استعادة الدولة الجنوبية المحمول على أحلام الانفصال المدعوم بقوة من الإمارات، واستمرار الاستهداف متعدد الأطراف لمشروع التغيير في اليمن الذي جاء محصلة ربيع أجهضته المؤامرات الداخلية والخارجية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي