إن المطالبات بالخبز، لا يتوجب النظر إليها على أنها مطالبات فئوية أو احتجاجات من الدرجة الثانية، أو كحالات معزولة عن سياقها المجتمعي العام، بل يتوجب النظر إليها ضمن سياق سياسات الحرمان التي تفرضها النخب الحاكمة.

"الخبز يا الخبز
والخبز هو الإفادة
كون ما كان الخبز

ما تكون لا صلاة ولا عبادة"

هكذا صاح عبد الرحمن المجدوب، أحد متصوفة المغرب في قرون فائتة، متحدثاً عن حساسية الخبز في ترتيب العلاقات والوضعيات الاجتماعية وبنائها، فكل حديث عن الخبز يضعنا أمام علاقات وجوارات متعددة، تنحتها اللغة وتؤسسها التمثلات الجمعية، فليس هناك من خبز واحد، وإنما هناك العديد من الأرغفة والمعاجين والامتدادات التي تتصل بها، إن اللغة تمارس التورية والإبانة في كل حديث مفترض حول الخبز، إنها تستدعي التأويل والبحث العميق في الدلالة والعلامة، لأننا في النهاية مجرد كائنات تحيا وتتواصل عن طريق المعاني والاستعارات والأيقونات.

هناك "الخبز الحرفي" و "الخبز الحافي" و "الخبز المر" و "الخبز الصعب" و "الخبز المعجون بالعرق" و "خبز الأفخاد" و "خبز البيضانسي" (أي خبز السجن) و "خبز الفران" و "خبز الدار" و "خبز السوق" و "الخبز الأبيض" و "الخبز الأسود". وهناك عبارات من نظير "نتعارك من أجل الخبز" و "نبحث عن الخبز" و "تا نضاربو مع الخبز" و "نصورو طرف الخبز" و "من أجل كسرة خبز"، في مستوى آخر من توترات الحياة وصراعاتها المتواصلة.

في قراءة ممكنة لتاريخ الثورات والحركات الاحتجاجية، يظهر ذات الخبز، كعامل مُنْتِجٍ للصراع و مُبَنْيِنٍ له في كثير من الحالات والمآلات، ففي البدء كان الخبز، وكان الصراع حول الإفادة من الخيرات الرمزية والمادية للأنساق، وفي كل حين يتعين التَفَكُّرُ في أبعاد هذا الصراع وتداعياته. فمهما تنوعت الدفوعات والمبررات التي تنتج حول دواعي الحروب والصراعات، فإن الخيرات الطعامية وما يقود إلى توسيع مدارات هذه الخيرات هو ما يحرك النزاعات ويذكي نيران الاحتقانات.

في قراءة ممكنة لتاريخ الثورات والحركات الاحتجاجية، يظهر ذات الخبز، كعامل مُنْتِجٍ للصراع و مُبَنْيِنٍ له في كثير من الحالات والمآلات.

عبد الرحيم العطري

يتحدث ابن بطوطة في "تحفة النظار في غرائب الأمصار "عن "فتنة الخبز" بدمشق، في عهد الأمير أرغون شاه، قائلاً: "وقد قلّ الخبز وزاد الغلاء، وبعد موت أحد كبراء دمشق أوصى في وصيته أن يوزع الخبز على الفقراء في دمشق. وكان الخبز يفرق عليهم كل يوم بعد العصر، فتزاحموا واختطفوا الخبز، ومدوا أيديهم إلى خبز الخبازين. وبلغ ذلك الأمير أرغون شاه، فأخرج زبانيته، فكانوا كلما لقوا مسكيناً، قالوا له تعال وخذ الخبز. فاجتمع منهم عدد كبير، فحبسهم أرغون شاه وأحضرهم تحت القلعة، وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم".

نعم لا يمكن للإنسان أن يعيش بالخبز وحده، ولكنه في كل حين محتاج إلى خبز الكرامة والحرية، كي يحافظ على غريزة البقاء، ويواصل الانتماء إلى شرطه المجتمعي، لهذا فالمطلوب في كل حين هو تأمين الاحتياجات الطعامية دونما تفريط في الكرامة. مع التأكيد طبعاً على أن الطعام يؤسس باستمرار لِجِوَاراتٍ متفاعلة مع السياسة والاحتجاج والثورة، فالطريق إلى الخبز تستلزم مسارات من الصراع والتفاوض والتنافس.

إن الثورة الفرنسية مثلاً، وإن كانت سياسية تروم الانقلاب على التسلط البورجوازي، فإن شراراتها الأولى كانت في صلة وثيقة مع الطعام. فأمام بروز الاحتجاجات الأولى بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة الوصول إلى الطعام، لم تجد "ماري أنطوانيت" زوجة لويس السادس عشر، غير إصدار تعليق مثير، سيعدّه الباحثون النقطة التي أفاضت كأس الثورة.

لقد علقت على عذابات الفقراء في سبيل الوصول إلى الخبز بالقول: "إن لم تجدوا الخبز فكلوا البسكويت"، وفي رواية أخرى "إن لم تجدوا الخبز فاحرقوا أنفسكم" أو "إن لم يكن هناك خبز للفقراء، فدعهم يأكلوا الكعك". ولم تكن تدري أن تعليقها هذا سيؤجج غضب الجماهير، التي خرجت ثائرة ترفض النظام الملكي، وتنادي بقيم جديدة للجمهورية الفرنسية تنضبط إلى ثلاثية الحرية والإخاء والمساواة.

طبعاً هناك من يرى أن هذا التعليق لا علاقة بماري أنطوانيت، وأنه فقط من إنتاج خطابات الثورة، فحتى جان جاك روسو في "اعترافاته"، سيستعيد هذا التعليق دون إشارة لصاحبته أو صاحبه. ومهما يكن من أمر، فإن هذا التعليق ما زال مستعاداً، وبصيغ أكثر إيلاماً في السجل العربي الراهن، تنفتح على عبارات قاسية من قبيل "إن لم تجدوا الخبز، فألقوا بأنفسهم في البحر، أو اشربوا من المالح، أو موتوا بغيظكم، أو اخبطوا رؤوسكم في الحائط، أو موتوا وارتاحوا وأريحوا...".

لا يمكن للإنسان أن يعيش بالخبز وحده ولكنه في كل حين محتاج إلى خبز الكرامة والحرية كي يحافظ على غريزة البقاء ويواصل الانتماء إلى شرطه المجتمعي لهذا فالمطلوب هو تأمين الاحتياجات الطعامية دونما تفريط في الكرامة.

عبد الرحيم العطري

فعندما تواجَه الانتفاضات الشعبية بمزيد من القمع والتنكيل، أو تدبر بمنطق التخوين والمحو، أو تجابه بالإلغاء السيكولوجي والتبخيس، فلا يفهم من ذلك كله، سوى ما اهتدت إليه ماري أنطوانيت بشأن الثوار الفرنسيين. وإلا فكيف نفهم هذا التلكؤ في الاستجابة لمطالب المحتجين العادلة؟ وكيف نفهم تجديد السلطوية وخنق الحريات والالتفاف على مكاسب "الربيع" في أكثر من نسق عربي؟.

إن أكثر الحركات الاحتجاجية التي شهدها العالم العربي في القرن الفائت، كانت من أجل الخبز، وأساساً من أجل تحسين ظروف المعيشة وإقرار العدالة الاجتماعية، فانتفاضة يناير 1977 بمصر جاءت كرد فعل مباشر، على الزيادة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، وعلى فرض رسوم جمركية وضريبية جديدة. وفي نفس الاتجاه يمكن قراءة انتفاضة يناير/كانون الثاني 1978 بتونس، فقد كانت بدورها بسبب ارتفاع الأسعار. وهو ما تكرر في أحداث 2يناير/كانون الثاني 1984 حين قررت الحكومة التونسية إلغاء صندوق المقاصة وزيادة 70% في أسعار الدقيق.

فمن الملاحظ أن أحداث العنف الجماهيري التي اتخذت شكل مظاهرات أو أحداث شغب عامة، والتي عرفتها الأقطار العربية مثل المغرب خلال سنوات 1981و 1984و 1990، والسودان خلال سنتي1981و 1985، والجزائر خلال أكتوبر/تشرين الأول 1988، كانت بسبب رفع الدعم عن السلع الأساسية، وتحطيم القدرة الشرائية للفئات غير المحظوظة في المجتمع.

لقد انتهى كل من ريمون بودون وفرانسوا بوريكو إلى التأكيد على أن "الحركات الاجتماعية ذات النفس الاحتجاجي، تتشكل في الفترات التي تعاني فيها المجتمعات من أزمة" أو اختناق مؤسسي. ففي ظل الأزمة والاختلال تتنامى إمكانيات التوتر والاحتقان. فالحركات الاحتجاجية لا ينبغي أن تفهم حصرياً، على أنها مؤشر لاتساع هوامش الحرية والديمقراطية، بل تدل على نوع الإخفاق المجتمعي في تأمين الرفاه والأمن الاجتماعيين لمن خرجوا مطالبين بالخبز والكرامة والحرية.

إن أكثر الحركات الاحتجاجية التي شهدها العالم العربي في القرن الفائت كانت من أجل الخبز وأساساً من أجل تحسين ظروف المعيشة وإقرار العدالة الاجتماعية.

عبد الرحيم العطري

يؤكد سمير أمين أن "معظم الحركات الاجتماعية في الوطن العربي، تندلع في مواجهة حكم قاسٍ أو إفقار عام"، ففي ظل شروط سوسيوسياسية تتضاءل فيها فرص العدالة الاجتماعية، وتتفشى فيها بالمقابل مظاهر التفقير والتهميش، يغدو اندلاع الحركات الاحتجاجية أمراً عادياً، خصوصاً تلك الحركات ذات المطالب السوسيواقتصادية أوالسياسية بالدرجة الأولى، ولهذا يُفهم كثيراً كيف أن دول الجنوب تنتشر فيها انتفاضات وثورات من أجل الخبز، بعكس دول الشمال التي تندلع فيها حركات المحافظة على البيئة والمطالبة بحقوق المثليين مثلاً.

جدير بالذكر أن المطالبات بالخبز، لا يتوجب النظر إليها على أنها مطالبات فئوية أو احتجاجات من الدرجة الثانية، أو كحالات معزولة عن سياقها المجتمعي العام، بل تتحتم قراءتها في علاقة دالة مع المعطيات الكلية لمجموع النسق الذي أفرزها قبلاً،"فتمردات الفلاحين مثلاً ليست مجرد ردود أفعال ناجمة عن تراكم مشاكل محلية، بقدر ما هي حركات محلية ناجمة عن اضطراب المجتمع برمته"، وهذا يعني، فيما يعنيه، أن الفعل الاحتجاجي، ومهما تباينت دواعيه وشروط إنتاجه، هو متصل، وبالضرورة، بكل عناصر النسق، بما فيها تلك التي تبدو جانبية للغاية، وأنه أيضاً، وهذا هو المهم، بنيوي في تركيبه وامتداده.

ختاماً وأمام "لا تفاعل" مالكي وسائل الإكراه، مع المطالبين بخبز الكرامة والحرية والتغيير، وذلك في السياقات العربية الملتهبة، لا بأس أن يهاجر "المعذبون في الأرض" نحو السماء، مرددين مع المصلين المسيحيين "أعطنا خبزنا كفاف يومنا"، فالهجرة نحو السماء يوجبها عنف اللا جواب في هذي الأرض الصماء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي