النووي الإيراني (AA)
تابعنا

كما اتُفق على مسوّدة نصّ ستكون أرضية لجولة أخرى مرتقبة في الأسبوع الرابع من الشّهر الجاري وسط تشاؤم الدول الغربية إزاء موقف طهران.

انطوت نتائج الجولة السابعة من مفاوضات فيينا قبل أيام على مفارقة دبلوماسية غير متسّقة بين شطريْها: أولاً، تفاؤلٌ نسبيٌّ من الناحية الإجرائية بإمكانية عقد جولة ثامنة قبل نهاية العام على أساس "مسوّدة" خارطة طريق ستكون محور المفاوضات بين الطرفين الإيراني والأمريكي، بناء على ما تمّ خلال الجولة السادسة في يونيو/حزيران الماضي. ويعني هذا التوافق على المسودة أنّ نافذة الخيار الدبلوماسي لا تزال مفتوحة حتى إشعار آخر.

ثانيا، تشاؤمٌ متنام بين العواصم الأوروبية التي تتولى الوساطة والتنسيق في فيينا، وضجرٌ أمريكيٌ معلنٌ بالنظر إلى استدامة التصلب في موقف طهران واتهامّها بأنها تتراجع عن مواقفها السابقة في حقبة الرئيس حسن روحاني، وأنّها لا تقدم اقتراحات واقعية. ويقول وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن: "لا يبدو أنّ إيران الآن جادّة بشأن القيام بما هو ضروريّ للعودة إلى الامتثال باتفاق 2015، ولهذا السبب أنهينا هذه الجولة من المحادثات في فيينا".

في المقابل، تتمسّك طهران بضرورة إلغاء جميع العقوبات الأمريكية التي فرضتها واشنطن عقب تحلّل الرئيس السابق ترمب من الاتّفاق في الثامن من مايو/أيار 2018. وقد أبلغ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان خلال مكالمة هاتفية قبل أيام أنه "يتعين إلغاء جميع العقوبات الأمريكية التي تتعارض مع خطة العمل الشاملة المشتركة وقرار الأمم المتحدة رقم 2231، وأنّ الإبداع الدبلوماسي والصبر هما مفتاح تحقيق اتفاق في فيينا."

من يحافظ على شعرة معاوية؟

أصدر دبلوماسيون رفيعو المستوى من مجموعة الدول الأوروبية الثلاث E3، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بياناً مشتركاً شدّدوا فيه على أنه بدون إحراز تقدم سريع في ضوء التقدم السريع لإيران في برنامجها النووي، ستصبح خطة العمل الشاملة المشتركة قريباً بمثابة صَدَفَة فارغة. ويحاول الوفد الإيراني جاهداً كسب الوقت واستدامة الأمل في جدية موقف طهران خاصة إزاء الأوروبيين. إذ وجّه كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري لوماً مباشراً إلى نظرائه الغربيين بأنّهم يستمرّون في عادتهم بإلقاء اللوم، بدلاً من ممارسة الدبلوماسية الحقيقية. لكنه في الوقت ذاته لوّح قبل مغادرته فيينا بأن إيران أقنعت الوسطاء الأوروبيين الثلاثة، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بقبول موقف إيران كأساس لمفاوضات جادّة وفعالة.

لكنّ محاولة طهران ترويج تواتر دينامية إيجابية في ظلّ الجولة السّابعة لا تتماشى مع الجديد في موقف حكومة بايدن. وأوضح مستشار البيت الأبيض لشؤون الأمن القومي جيك سوليفان خلال ندوة استضافها مجلس العلاقات الخارجية يوم الجمعة 17 ديسمبر/كانون الأول الجاري أنّ المفاوضات لا تسير على ما يرام، بمعنى أنّه ليس لدينا بعد طريقٌ للعودة إلى استئناف العمل بالاتفاق. ونبّه الوسطاء الأوروبيين صراحة إلى أنّ "الوقت ينفد في المفاوضات." وينبغي التّذكير بأن سوليفان قام بدور أساسي خلال المفاوضات التي كان يجريها فريق الرئيس باراك أوباما بين 2009 ومنتصف 2015 قبل التّوقيع على الاتّفاق النّووي.

يتقاطع الموقف الراهن في واشنطن مع القناعة الجديدة لدى الوسطاء الأوروبيين بأنّ خيار الدبلوماسية، على أهمّيته ووجاهة غاياته، لا يمكن أن يظلّ نافذة مُشْرَعَة إلى الأبد. ونبّه منسق الاتحاد الأوروبي إنريكي مورا في ختام الجولة السابعة أنه "ليس لدينا شهور بل أسابيع للتوصّل إلى اتفاق. يوجد شعور بالإلحاح وهو أمر مهمّ للغاية إذا أردنا حقاً تحقيق النجاح في هذه المفاوضات". ويمكن اختزال الموقف الراهن بأنّه إنْ لم تفلح الجولة الثّامنة من مفاوضات فيينا في التوصّل إلى الاتّفاق المنشود مع الإيرانيين أواخر الشهر الجاي أو منتصف الشّهر المقبل، فإنّ واشنطن والعواصم الأوروبية ستنظر جدياً في خمس خطط بديلة، تمّ التباحث بشأنها قبل عقد الجولة السابعة من مفاوضات فيينا. وقال وزير الخارجية بلينكن إن "الدبلوماسية تظل الخيار الأفضل"، لكنه حذر من أن واشنطن تبحث بشكل مطّرد مع الحلفاء والشركاء بشأن البدائل.

استراتيجية مركّبة

هي امتداد أسلوب الجزرة والعصا في العلاقات الدولية، وتقضي بمواصلة المفاوضات في فيينا والتّلويح بخيار العقوبات المالية على إيران في آن واحد. وقد بدأت واشنطن بالفعل تحضير السّياق الإقليمي في الخليج لمنع البنوك والشركات في بعض الدول بإرسال وفد يمثل وزارة المالية الأمريكية إلى الإمارات لإبلاغها بأنها ستواجه مخاطر شديدة لو استمرت في التعامل في التجارة التي فرضت عليها العقوبات، وكما قال مسؤول أمريكي إنّ "واشنطن مطلعة على العقود التي لا تلتزم بالعقوبات".

وفي حال فشل مفاوضات فيينا في المحصلة النهائية، تعتزم حكومة الرئيس بايدن إرسال وفود مماثلة إلى دول أخرى في الخليج وآسيا، ومنها: تركيا وماليزيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية، بهدف تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران وتضييق قدرتها على تجنب العقوبات التي فرضتها حكومة دونالد ترامب، كما أوضح مسؤولون أمريكيون، ضمن ما تتعقبه حكومة بايدن على أنه تجارة غير مشروعة.

ورقة ضغط في الأفق عبر الصين

يشمل الخيار الثاني البناء على محاولة الرئيس ترمب تجميد، أو ما سُمّي "تصفير" صادرات النفط الإيرانية إلى الخارج بممارسة ضغوط جديدة على الصين لإيقاف تزودها بكميات النفط الإيراني الذي تحصل عليه مقابل أسعار تفضيلية. وستنطلق واشنطن في هذا الاتجاه بفرضية مزدوجة ضد التقارب الإيراني الصيني، وكيف تسعى بكين لأن تغدو الشريك الرئيسي لإيران.

ويكتسب هذا الخيار أبعاداً استراتيجية متعددة تبعاً لقناعة الكثيرين في واشنطن بضرورة احتواء الصين باعتبارها الخصم الاستراتيجي والتجاري الأول الذي يهدد نفوذ الولايات المتحدة في أكثر من جغرافيا سياسية، وأيضاً تعميق التأثير السلبي للعقوبات على وضع الاقتصاد الإيراني المتردي في السنوات الخمس الأخيرة.

اتفاق بديل

يفسح الخيار الثالث الطريق أمام التفاوض على اتفاق نووي مؤقت أقل طموحاً، ويتجاوز تعقيدات الجولات السبع السابقة في فيينا. لكن من الصعب تخيّل مدى واقعية هذا الخيار، مما سيجدّد السجال الذي شهدته الأشهر الثلاثة الأولى من تولي بايدن الرئاسة في البيت الأبيض بالتفضيل بين مفاوضات العودة إلى الاتفاق الأصلي أو عقد مفاوضات من نقطة الصفر على اتّفاق جديد، قبل أن يقنع المبعوث الأمريكي بوب مالي البيت الأبيض بالخيار الأوّل.

استهداف برنامج النووي الإيراني

تتدرج الخيارات بين أفضلية الدبلوماسية واحتمال استخدام القوة في المرحلة الأخيرة. ويقضي الخيار الرابع، أو كما تسميه حكومة بايدن "الخطة باء"، بضرورة نسف البرنامج النووي وتعطيل جهود طهران لصنع سلاح نووي في غضون شهرين. ويقول هنري روم الباحث في مجموعة أوراسيا للاستشارات الأمنية إنّه "لا توجد خيارات رائعة". ويوضح أن من الناحية النظرية توجد أربعة خيارات: حصول إيران على قنبلة أو قصف إيران أو تقييد إيران لبرنامجها من خلال الدبلوماسية أو أن إيران تحوم على حافة تلك السيناريوهات الثلاثة في الوقت ذاته.

إطلاق يد إسرائيل

هذا خيارٌ خامسٌ معقدٌ وينطوي على أكثر من كابوس سياسي إذا مالت واشنطن وبقية العواصم الغربية نحو ما تصبو إليه الاستراتيجية الإسرائيلية بأن تحظى بالتأييد في نسف المفاعلات النووية داخل إيران تحت غطاء أمريكي وأوروبي. ويعكس هذا الخيار أقصى طموحات حكومة بينيت، ومن قبله حكومة نتنياهو، بأن تحصل على الضوء الأخضر لردع إيران وتنصيب نفسها "القوة الإقليمية البديلة" في المنطقة، بموازاة انسحاب الولايات المتحدة وتقليص قواعدها العسكرية وعتادها الثقيل في منطقة الخليج.

هي متتالياتٌ خمسٌ تقوم عليها الاستراتيجية الغربية إزاء إيران. لكنها لن تكون وشيكة الحدوث إذا غيرت طهران مطالبها في الجولة الثامنة من مفاوضات فيينا، ونجحت بالتالي في تفادي أزمات جديدة في الخليج.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي