لم يحقّق اتفاق التسوية في يوليو/تموز 2018 ما يطمح إليه نظام الأسد في استعادة كامل الجنوب السوري وإخضاعه لسيطرته، ولم يحقّق رغبة المعارضة في تولّي إدارة مناطقها بشكل كامل.

لكنّها في المقابل أعطت نصف حلٍّ لكلٍّ مِن الطرفين. فنظام الأسد استطاع تحقيق وجودٍ له في المنطقة ونشر نقاط له، والمعارضة استطاعت حماية نفسها مِن التهجير، فضلاً عن احتفاظها بالأسلحة الفردية التي مكّنتها مؤخراً مِن مقاومة الحملة العسكرية على المنطقة، والتقدّم في عدّة نقاط للمليشيات الإيرانية والفرقة الرابعة.

يبدو أنّ الأسد بدأ يستشعر الخطر، لا سيّما عقب لقاء الرئيسين بوتين وبايدن، وما تلته من تفاهمات، فأراد توجيه رسالة إلى بوتين بأنّه قد يذهب إلى تحالفات جديدة، ولعلّ زيارة وزير الخارجية الصيني كانت رسالة واضحة في هذا الصدد، وما زاد الطين بلّة هو عدم تعاون روسيا معه عندما رفضت اللجنة المركزية فتح مراكز الاقتراع في فترة الانتخابات الرئاسية، وتصاعد وتيرة التظاهرات والشعارات المناوئة للأسد، إذ لم تُبدِ روسيا أيّ موقف حيال ذلك.

سعى نظام الأسد لإحراج روسيا عندما طرح شرط التهجير أثناء المفاوضات مع اللجنة المركزية، ففي الوقت الذي تسعى فيه روسيا لإعادة اللاجئين وفتح ملف إعادة الإعمار، يكشف الأسد عن رغبته في تهجير أهالي درعا، مما يضع روسيا أمام الدول الضالعة في الملف السوري موضع غير المسيطر على ملف الجنوب السوري.

خلال التصعيد العسكري الذي انطلق على أحياء درعا البلد بعد حصار كامل فرضته الفرقة الرابعة في 24 يونيو/حزيران 2021، كان مِن الواضح رغبة روسيا في أن تستمر بلعب دور الوسيط بين اللجنة المركزية في درعا ونظام الأسد، دون ردع الأخير عن القيام بحملة عسكرية محدودة ضد المعارضة السورية في المنطقة، إذ ترغب روسيا في الحفاظ على ثقة اللجنة وهذا قد يمكّنها مِن تشكيل قوة عسكرية بديلة عن الفرقة الخامسة تكون ذراعاً ضاربة لها في المنطقة.

تدرك روسيا أيضاً، أهمية درعا لخمس دول هي الأردن وإسرائيل وأمريكا وإيران، فضلاً عن دول الخليج التي تُعتبر درعا بوابة المليشيات المرتبطة بإيران إليها. لذلك تسعى أن تكون المنطقة مستقرة، وهذا ما عزّز الرغبة لديها لإنهاء التصعيد العسكري بعد فشل نظام الأسد في الحصول على أيّ مكتسبات خلال حملته العسكرية المحدودة، إذ تدرك أنّ إطالة القتال سيؤدي إلى حالة من الفوضى يصعب ضبطها إذا تفاقمت، لذلك سعت لإرضاء إسرائيل وأمريكا في كبح جِماح المليشيات الإيرانية وإضعاف دورها في الجنوب السوري، وعلى ما يبدو أنّ عدم تدخّلها في المعركة الأخيرة كان رسالة إلى إيران والأسد بأنّه لا يمكنهما الاستغناء عن روسيا صاحبة سلاح الجو في سوريا، وأنّ المعارضة قادرة على دحرهم إنْ لم يغيّر الروس معادلة المعركة، ولا شكّ أنّ الرسالة وصلت.

لروسيا أهداف اقتصادية أيضاً، فهي ترغب بترجمة انتصاراتها وتحوّلها لدور الوسيط إلى مكاسب، وعلى رأس تلك المكاسب فتح طريق التجارة عن طريق معبر نصيب الأردني، ومن غير المستبعد أن يكون هذا أحد الملفات التي تمّ التفاهم حولها مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، وهذا ما قد يُنعش النّظام السوري اقتصادياً ويفتح باباً للمطالبة بتحوّل إدخال المساعدات الإنسانية عن طريق هذا المعبر.

إنّ المقاومة التي بذلتها فصائل درعا كان لها دور حاسم في فرض شروطهم أو رفض شروط نظام الأسد، فضلاً عن أنّ تلك المقاومة كانت رسالة واضحة بأنّ الدور الروسي هو العامل الحاسم لمعارك جيش النظام السوري، إذ لن تستطيع قوات الأسد أو المليشيات المرتبطة بإيران حسم أيّ معركة لولا سلاح الجو الروسي الذي مكّن الأسد من مناطق المعارضة السورية.

التوتر في الجنوب السوري ذاهب نحو التهدئة، لا سيّما بعد فشل الحملة العسكرية على درعا البلد، والمشهد في درعا لن يتغيّر، وهذا ما قد يحوّله إلى ورقة تفاوضية بيد الروس قد تستخدمها لفرض حلّها السياسي، وتقديم نموذج على مقاسها، وإن كانت فشلت في الجزئيات الصغيرة، إلا أنّها عزّزت دورها السياسي في الشكل العام، وهذا ما قد يدعم موقفها في التفاوض مع الأردن حول معبر نصيب، ويشجّعها على إعطاء وعود بفرض حالة الاستقرار وتأمين طرق التجارة.

أيضاً، يمكن القول إنّ هذا الأمر يُعتبر رسالة لأمريكا وإسرائيل، فقد أصبح بإمكان روسيا الضغط على إيران والمليشيات المرتبطة بها وتأمين الحدود المجاورة لإسرائيل، وبالتالي فإنّ السّاسة الرّوس أصبح بإمكانهم القول إنّ الحسم بالنسبة لهم لا يكون بالفيتو فقط، وهي رسالة أساسية للصين التي بدأت تدخل بشكل تدريجي إلى الأرض مِن بوابة السياسة.

على أيّة حال، فإنّ ما لا يمكن تجاهله هو الدور الروسي المهم في قضم الأراضي التابعة للمعارضة السورية وتسجيلها باسم الأسد، وهذا ما يضع الروس أمام أزمة أخلاقية لا يمكن تجاهلها خلال أيّ جولة تفاوضية إمّا في الداخل السوري أو المحافل الدولية.

بقي القول، إنّ توقيع قادة الفصائل العسكرية في درعا وحمص وريف دمشق اتفاقيات ثنائية مع روسيا، أدّى إلى إخراج تلك المدن مِن اتفاقية خفض التصعيد التي وُقّعت في أستانا بتاريخ 4 مايو/أيار من عام 2017 بين الدول الضامنة، تركيا وروسيا وإيران، وكان هذا العامل الأساسي في سقوط تلك المناطق بيد الأسد، بمساعدة المليشيات الإيرانية وسلاح الجو الروسي، ولولا حالة الطلاق البائن بين السياسيين والعسكريين في تلك الفترة، لما كان الحال على ما هو عليه الآن.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي