خلال العقد الأخير سطع مفهوم الدبلوماسية الرقمية ليكون مكملاً للدبلوماسية التقليدية وشكلاً متطوراً للدبلوماسية العامة.

وإن كانت الدبلوماسية بمفهومها التقليدي تقوم على القوة الناعمة مثل المفاوضات والبعثات الدبلوماسية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول، فإن الدبلوماسية الرقمية تعتمد على الإعلام الرقمي لما يوفره للعمل الدبلوماسي من سهولة الاتصال مع الجماهير الخارجية دون تكاليف مادية أو قيود لغوية وثقافية.

بدأت "إسرائيل" نشاطها في الدبلوماسية الرقمية عام 2011. كان ذلك بالتزامن مع انطلاق الثورات العربية التي رأت فيها "إسرائيل" فرصة لاختراق الرأي العام العربي، بخاصة بعد إدراكها دور الإعلام الرقمي وإمكانياته في إحداث تغييرات سياسية واجتماعية وإسقاط الأنظمة القمعية. لذا، استغلت "إسرائيل" هذه الثورات لتحقيق ما عجزت عنه لعقود طويلة، وهو التواصل مع الشعوب العربية لأول مرة في تاريخ دولة الاحتلال، والتأثير في مواقفها تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

وعلى الرغم من أن حكومات الاحتلال المتعاقبة استطاعت نسج علاقات رسمية ودبلوماسية مع عدد من الحكام العرب سواء كان ذلك بشكل علني أو بالخفاء، فإنها فشلت في كسب الشعوب العربية التي ظلّت -حتى وقت قريب- تنظر إلى "إسرائيل" على أنها دولة مُحتلّة ومعادية للعرب.

إن التفات "إسرائيل" إلى أهمية الدبلوماسية والإعلام الرقمي في التواصل مع الشعوب الخارجية، يأتي بعد أن عانى الاحتلال لسنوات طويلة من صعوبة تحسين صورته عربيًاً ودوليًاً، وتعرضه لكثير من الانتقادات على خلفية تبني "إسرائيل" للقوة الصلبة عسكرياً واقتصادياً في مواجهة الفلسطينيين والعرب.

وبعد تعرضها للانتقادات الأكاديمية والأمنية من الداخل الإسرائيلي على سياساتها في المنطقة، سارعت دولة الاحتلال إلى تبنّي برنامج "الهاسباره" الذي يعني "الشرح والتفسير"، وتم التعامل معه كمرادف للعلاقات العامة والدبلوماسية العامة.

كان الهدف من هذا البرنامج شرح وجهات النظر الإسرائيلية حول الأحداث للجمهورَين الإسرائيلي والغربي، وتبرير الأعمال العسكرية والوحشية ضد الفلسطينيين. لكن "الهاسباره" لم يتمكن من مجاراة الدبلوماسية الرقمية لاقتصاره على شرح وجهات النظر الإسرائيلية بطريقة أُحادية الجانب، فيما تعتمد الدبلوماسية الرقمية على الحوار الثنائي وإشراك الجماهير في مناقشة مختلف القضايا. ومن هنا كان البحث عن البديل لتجميل صورة "إسرائيل" وكسب التأييد الغربي والعربي على حد سواء.

بدأ الأمر يتحقق مع سطوع نجم الدبلوماسية الرقمية غربياً، إذ تبنت وزارة الخارجية الإسرائيلية هذه الدبلوماسية سريعاً، وأنشأت قناة الدبلوماسية الرقمية في الوزارة، كما وظفت العديد من الكفاءات الشبابية التي تولت مسؤولية متابعة عشرات الصفحات الإسرائيلية المتخصصة على مواقع التواصل الاجتماعي بلغات عديدة، من بينها العربية والفارسية والكردية.

ومن أهم الصفحات الإسرائيلية الموجهة إلى العرب على فيسبوك وتويتر "إسرائيل بالعربية - إسرائيل في الخليج - إسرائيل باللهجة العراقية - وغيرها). ولا يغيب عنا الإشارة إلى الصفحات التي تُديرها شخصيات إسرائيلية رسمية، أهمها صفحة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، التي تُعَدّ من أشهر الصفحات الإسرائيلية الناطقة بالعربية والتي لا يفتأ يقلب فيها الحقائق، خصوصاً من خلال الترويج لإنسانية جيش الاحتلال الإسرائيلي المزعومة.

ضمن اهتمامها الشديد بالدبلوماسية والإعلام الرقمي، بادرت وزارة خارجية الاحتلال الإسرائيلي إلى استضافة أول مؤتمر دولي حول الدبلوماسية الرقمية عام 2016 بالشراكة مع معهد "بارتنر" لدراسات الإنترنت في جامعة تل أبيب، وبمشاركة وفود وخبراء دبلوماسيين من دول عديدة. وفي العام التالي استضافت المؤتمر الدولي الثاني لمناقشة دور الدبلوماسية الرقمية في السياسة الخارجية للدول ومستقبلها، حتى تربعت "إسرائيل" على عرش الدول الأكثر استخداماً لهذه الدبلوماسية عالمياً.

ويعتمد الخطاب الإعلامي الإسرائيلي باللغة العربية في القنوات الاتصالية التفاعلية، على عدة استراتيجيات،منها: استخدام اللغة الاستعلائية وإظهار التفوق الإسرائيلي الحضاري والعلمي والتكنولوجي على شعوب المنطقة، والتركيز على الروابط الثقافية والتاريخية بين الإسرائيليين والعرب، بالإضافة إلى لفت الأنظار إلى ما تُطلق عليه "إسرائيل" الأخطار المشتركة، وذلك من خلال مهاجمة إيران وحركة حماس وحزب الله باعتبارها جميعا تهديداً لأمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها.

كما يتميز الخطاب الإسرائيلي بأنسنة دولة الاحتلال والجنود الإسرائيليين، مثل نشر صور لجنود إسرائيليين وهم يساعدون مسنّاً على شق الطريق، أو تقديم التهاني للعرب في المناسبات الوطنية والدينية. في المقابل، لا يغيب عن هذه الدبلوماسية تبنّي خطاب دعائي مضادّ للرواية الفلسطينية، بحيث يعمل على شيطنة الشعب الفلسطيني ومقاومته، واعتبارهما سبباً رئيسياً في خراب المنطقة وحروبها.

تكمن أهم أهداف الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية في الترويج للأفكار والسياسات الإسرائيلية بذكاء، وتحسين علاقات الاحتلال بدول الجوار، فضلاً عن خلق صورة إيجابية عن الاحتلال بادّعاء امتثاله للقيم الغربية المتعلقة باحترام المرأة وحرية الرأي والتعبير. كما تصور إسرائيل نفسها عبر الدبلوماسية الرقمية على أنها الأكثر تطوراً وديمقراطية في منطقة مليئة بالصراعات والحروب.

عند متابعتك نشاط الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية سوف تدرك الإمكانيات التي يمتلكها القائمون على العمل الاتصالي في قنوات الدبلوماسية الرقمية، إذ يتقن هؤلاء اللغة العربية كتابة ومحادثة، بل إن غالبية العاملين في القسم العربي للدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية ينحدرون من أصول عربية، كما هو الحال مع لندا منوحين، اليهودية عراقية المنشأ التي تتولى مسؤولية التواصل مع العرب على مواقع التواصل الاجتماعي، وربطهم بباقي المؤسسات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية. كما يمتلك القائمون على الاتصال الرقمي خلفيات أمنية واستخباراتية،ويتحلون بالصبر ومهارات الرد على تعليقات المتابعين بصرف النظر عن طبيعتها، وذلك لكسب الجماهير بدلاً من التسبب في نفورها.

وبعد نجاحها في التطبيع مع عدد من الدول العربية مؤخراً بوساطة أمريكية، تضع الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية منطقة الشرق الأوسط نصب أعينها، أملاً في الوصول إلى حلم التطبيع مع بقية دول المنطقة، والحصول على القبول الشعبي العربي لدولة يهودية على أرض فلسطين المحتلة.

وإن كان إنجاز هذه المهمة ليس بالأمر اليسير بعد سنوات طويلة من العداء، فإن "إسرائيل" تعوّل على قوة نشاطها الدبلوماسي لتغيير وجهات نظر الرأي العام في الشرق الأوسط. واليوم، تستغلّ إسرائيل اتفاقات التطبيع تلك، لتصعيد خطابها الإعلامي بالعربية على مواقع التواصل، والتركيز على الأصوات العربية المؤيدة للتطبيع والسلام مع الاحتلال. كما تتعمد نشر صور ومقاطع فيديو باستمرار، تُظهِر بعض الشبان العرب برفقة إسرائيليين في مواقع مختلفة، لتشجيع الآخرين على الانخراط في بوتقة التطبيع.

قد تكون الدبلوماسية الرقمية ساهمت إلى جانب جهود الدبلوماسية العامة في إنجاز اتفاقات التطبيع مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، وإقامة شبكات تواصل مع العديد من الشبان العرب، لكن هذا لا يُعَدّ مقياساً لنجاح الدبلوماسية الرقمية،إذأظهر بعض استطلاعات الرأي الإسرائيلية ضعف التأييد الشعبي العربي للتطبيع، من بينها استطلاع خاص في "معهد دايركشن" في القدس المُحتلة، نُشرت نتائجه في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

شمل الاستطلاع أكثر من 4000 شخص من تسع دول أجنبية وعربية، من بينها الإمارات والبحرين والمغرب وقطر والسعودية وفلسطين. حسب نتائج الاستطلاع فإن غالبية المستطلعة آراؤهم عربيّاً باستثناء الإماراتيين (65% في السعودية، 48% في البحرين، 84% في المغرب، 72% في قطر)، لم تتغير نظرتهم السلبية نحو إسرائيل.

فيما أبدى 46% من الإماراتيين نظرة إيجابية نحو الاحتلال. كما أظهر تقرير إسرائيلي حكومي أعدّته وزارة الشؤون الاستراتيجية أن 90% من التعليقات العربية على مواقع التواصل الاجتماعي ما بين منتصف أغسطس/آب ومنتصف سبتمبر/أيلول 2020، حملت ردوداً سلبية تجاه التطبيع الإسرائيلي مع الإمارات والبحرين.

مما سبق، يبدو لنا أن تحقيق السلام مع ملايين العرب الذين يعيشون في منطقة الشرق الأوسط مهمة صعبة، لكنه قد لا يكون مستحيلاً، بخاصة إن استمر التجاهل العربي والفلسطيني للدبلوماسية الرقمية وأهميتها في معركة كسب القلوب والعقول.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي