تُعيد إلينا حادثة تسريب الصور الحميمية لبعض الشخصيات السؤال الجوهري المتعلق بالحرية الشخصية والخصوصية في زمن بات فيه "الأخ الأكبر" لا يكتفي بالمراقبة، بل يعمل على التسريب والفضح.

سَرَت صورُ شخصيةٍ عموميةٍ مغربية في حالةٍ حميميةٍ سريانَ النارِ في الهشيم. كانت الغاية من تسريب صور تلك الشخصية التي تزاول مهنة المحاماة وهي معروفة بحدة خطابها، وانتقادها للسلطة، مع موكلة له لها نزاع مع مؤسسة أمنية، هو النيل من مصداقيته، وكذا تمريغ صورة الموكّلة في الوحل.

والذي حدث هو استهجان القوى الحية في المغرب من مجتمع مدني وهيئات صحافية ومثقفين، للتسريب لما فيه من مساس بالحياة الشخصية والحرية الفردية. ومن العسير بل من المستحيل على أشخاص ذاتيين أن يقوموا ببثّ كاميرا في فندق، ولم يكن للصحافة التي نشرت صور الفيديو، أن تحقّق "السبق الصحافي" لولا تسريب مقصود، أي إنها ضالعة في عملية المساس بالحرية الشخصية.

أثار التسريب حنق فاعليات المجتمع المدني والهيئات المدنية والصحافة على التطاول على الحرية الشخصية للأفراد، وكتبت صحافية مرموقة مقالاً بعنوان"الأخ الأكبر يفضحكم"، إذ لم يعُد يكتفي بالمراقبة، وحذّرت مما سمّته "الدكتاتورية الرقمية". مؤسستان أضحتا قيد النقد: المؤسسات الأمنية، والصحافة. هل يمكن للمؤسسات الأمنية أن تبقى دون ضوابط قانونية وأخلاقية؟ وهل التشهير من الصحافة؟

ما وقع في المغرب يمكن أن يقع في أي بلد من العالم العربي، حيث تظل الحرية الفردية مفهوماً هلامياً، ولا ضوابط قانونية ولا حتى أخلاقية تحدّ من أي تطاول.

لقد كان من المفترض أن تسهم الثورة الرقمية في زحزحة احتكار المعلومة، وتسهم في التواصل، وبالفعل كانت أدوات التواصل الحديثة من فيسبوك وتويتر ما أخذ الأجهزة الأمنية في العالم العربي على حين غرة فيما كان "الربيع العربي"، لكن ما لبثت تلك الأدوات التي كانت في خدمة المجتمع المدني أن أضحت سلاحا فتاكاً في يد الأجهزة الأمنية، وهو ما أدى إلى ما يسميه البعض بالدكتاتورية الرقمية كما نعتت مجلة فورين بوليسي (ربيع 2020)، بتوقيع الباحثين Joseph Wright, Erica Frantz, Andrea Kendall-Taylor. أصبحت الثورة الرقمية دعامة للأنظمة التسلطية والدكتاتورية، وأضحى مصدر الخطر الذي تخشاه الأنظمة التسلطية ليس الانقلابات العسكرية بل احتجاجات الشارع.

لذلك تسعى الأنظمة السلطوية أمام تحرك الشارع، سواء بعفوية أو بيد خفية إلى استعمال الأدوات الرقمية لتبديد التذمر. ومن الوسائل المستعملة توقيف جهاز الخدمات (Provider)، وتستعمل تلك الأنظمة وسائل الذكاء الصناعي للمراقبة من خلال الكاميرات، أو فحص الوجه facial recognition ، وتُعتبر الصين سباقة ومتقدمة في ما يسمى بالتدبير الاجتماعي social arrangement، أي المقاربة الاستباقية مثل استعمال نظام خدماتي محلي weibo المقابل لتويتر.

وتُستعمل التكنولوجيا الرقمية للتتبع والرصد والردع، مثلما تُستعمل للاستنطاق، ولقولبة الرأي العامّ أو لعملية التضليل digital forgeries كذلك. ويمكن أن تُستعمل كذلك باستهداف أشخاص معينين للنيل منهم ومن مصداقيتهم عن طريق وسائل التواصل الاجتماع.

تقوم علاقة وثيقة ما بين أجهزة الأمن وأوساط صحافية، وعناصر تقنية لها خبرة عالية في السيبرنيطقية. وتتوافر دول كإسرائيل على برامج متقدمة للتجسس تبيعها لأنظمة سلطوية تستعملها ضد معارضيها، منها بعض الدول العربية. كما أن للولايات المتحدة برامج متطورة للمراقبة بالكاميرا facial recognition تمد بها كلاً من السعودية والإمارات.

التكنولوجيا الرقمية سلاح ذو حدَّين، فهي تساعد على رصد الإجرام والإرهاب ومضاعفة الفاعلية الاقتصادية، ولكنها أداة لتقويض الديمقراطية.

تقوم في ظلّ تغوُّل أجهزة المراقبة، علاقات وطيدة بين أجهزة المراقبة والنخب التقنية، ليس في المجال الأمني وحده. لا تُستمدّ قوةالتكنوقراطمن معرفتهم وشبكتهم مع نظرائهم العالميين فقط، ولكن كذلك من خلال التغطية الأمنية التي يتمتعون بها. تقوم علاقة وثيقة بين التكنوقراط والأجهزة الأمنية، و يشكّلان معاً أوليغارشية متنفذة ضد الإرادة الشعبية، يتصيدان العناصر الحرة بالتضييق والتشويه، ويحدّان، من ثمة، من دور المثقف، بخاصة في المجتمعات التي تعرف مخاضاً ومراحل انتقالية، كما في العالم العربي.

أولى الضحايا في عالم الثورة الرقمية هي الحرية وما يترتب عليها من الحرية الفردية. يتبجح العالم الحديث بالحرية الفردية، لكن لم يسبق قط أن أصبح الإنسان عارياً كما هو الآن في ظل الثورة الرقمية.

يصبح الإنسان عارياً، قابلاً للاقتفاء ، في ما يسمى بسلسلة الأثر contact chaining. يمكن جمع أكبر قدر من المعلومات عن أي شخص وتخزينها ومعالجتها، من خلال خوارزميات متطورة، بل يصبح من الممكن استباق تصرف شخص ما، من خلال دراسة الملمح السيكولوجي.

بقدر ما يتحدث العالم الحديث عن الشفافية والحرية الفردية، تنتفي الشفافية وتتوارى الحرية الفردية. تُستعمل الحرية الفردية كسيف داموقليس ضد المعارضين. وتُعتبر الحرية الفردية أمراً متحولاً، غير قار، حسب علاقة الفرد والسلطة، أو علاقة السلطة والفرد، من خلال ديكتاتورية غير مرئية، أو الصورة التي عبّر عنها أفلاطون في الجمهورية للملك ليدي Lydie يرى ولا يُرى.

تصبح الحرية الفردية أمراً افتراضياً، والحال أن الحرية الفردية ضرورية اجتماعياً كالنوم بيولوجياً. لا يمكن تصور حياة متوازنة دون نوم، ولا حياة مجتمعية من دون حرية فردية. يتولّد عن المجتمع الرقمي، الميل لنشر الفضائح وعلاقات متوترة ما بين الحاكمين والمحكومين، وبداخل المجتمع، بل بداخل الأسر.

تخلق الثورة الرقمية عالماً افتراضياً، من خلال توسيع الشبكة، فيصبح الشبح حقيقة، والحقيقة افتراضية أو شَبحية. مجانية الخدمات تخلق علاقات عبودية، أو كما يقول العالم الاجتماعي الألماني Günter Anders: "حينما لا تؤدِّي المقابل لخدمة فلستَ زبوناً، بل بضاعة".

تصبح الثورة الرقمية أداة من أدوات خلق إنسان سلبي غير قادر على التركيب، أو اكتساب معارف عميقة، فضلاً عن اختلالات نفسية، وضعف الجوانب الإبداعية، واختلال الجوانب الوجدانية. ومن شأن هذه الثورة أن تُجهِز على التربية، سواء بداخل الأسرّة والمؤسسات التعليمية، وتؤثّر سلباً في العلاقات الإنسانية بالحدّ من حميميتها ودفئها وعفويتها.

الثورة الرقمية سلاح ذو حدين، ويتحتم التفكير في الجوانب السلبية التي تتهدد الحياة العامة كما الخاصة، مع وضع ضوابط قانونية وأخلاقية، لصد التجاوزات.


جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي