ما حصل في مبني الكونغرس ليس شأناً أمريكياً فقط، بل عالمياً. إذا كانت الديمقراطية مُهدَّدة في معاقلها تلك التي أنجبت ظاهرة ترمب، فكيف يمكن الاطمئنان على مستقبلها؟

اقتحام غوغاء موالين للرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب لمبنى الكونغرس، لعرقلة عملية عدّ نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية وإعلانها بصفة رسمية يوم الأربعاء 6 يناير/كانون ثاني 2021، وما تمخض عنها من أعمال عنف وتخريب، يُعتبر علامة فارقة، ليس في تاريخ الولايات المتحدة وحدها، ولكن في تاريخ الديمقراطية الليبرالية.

تعرضت الديمقراطية لمحاولة اغتصاب، بالهزء بخيار الشعب، والعبث بالدستور، وعدم احترام المؤسسات، في "معبد" الديمقراطية، وهو هنا الكونغرس الأمريكي. فلسفة الديمقراطية أنها تُدبر الاختلاف بطرق سلمية من خلال الاحتكام إلى الشعب والخيار الذي يجريه. تقوم الديمقراطية نقيضاً للعنف، وتتنافي وتحويل مسار خيار الشعب عن طريق القوة. وما حدث باللجوء إلى القوة، ليس انتكاسة للديمقراطية فقط، بل انقلاب يضرب خيار الشعب عرض الحائط، ويهزأ بالمؤسسات، سواء الديمقراطية والأمنية والقضائية، ولا يقيم بالاً ولا حساباً للرأي العام وأدواته التعبير من صحافة وهيئات مدنية.

ستتعافى الولايات المتحدة حتماً من هجمة رعاع على معبد السيادة الشعبية، ولكنها ستحمل ندوبها. الدولة التي انتصبت مناراً حسب كيسنجر لقيم العالم الحر، منذ الحرب العالمية الأولى، بنظامها الديمقراطي وحرية التعبير، واحترام حقوق الإنسان، هي ما يعطي صورة سيئة عن الديمقراطية يوم ما اصطُلح عليه بـ"الأربعاء الأسود"، من خلال التشكيك في اختيار الشعب، والهزء بالمؤسسات، والسعي لتغيير نتائج الانتخابات بالقوة.

هل تستطيع الولايات المتحدة بعد اليوم أن تنتصب صاحبة الدروس حول حقوق الإنسان والديمقراطية؟

كانت الولايات المتحدة أول دولة طبقت مبادئ فلسفة الأنوار، ورسمت في دستورها في أول سطر فيه سيادة الشعب في الجملة المأثورة "نحن الشعب"، وأرست تجربة فريدة من خلال توازن السلطات، أو ما يُعرف بـcheck and balanc، وقامت على استقلالية القضاء حتى قيل عن قضاة المحكمة العليا، "لا يُعزل القضاة، ويموتون أحياناً".

أحد أنصار ترمب يجلس في الغرفة الرئيسية بمجلس الشيوخ الأمريكي بعد اقتحام مبنى الكونغرس (AFP)

كانت الولايات المتحدة في خضمّ الحرب الباردة تُفاخر بديمقراطيتها، مناكفة غريمها الاتحاد السوفييتي، من خلال سموّ الأغلبية على الأقلية على خلاف المنظومة الشيوعية، إذ هي الأقلية التي تقرّر عوض الأغلبية، ومن خلال نظام عيشها القائم على الحرية على خلاف نظام المنظومة الشيوعية القائم على الخوف، وعلى دينامية المجتمع المدني بها على خلاف البوليس السياسي الذي يقوم بديلاً من الصحافة والرأي العام والأحزاب.

وكان من أبرز دروس ديمقراطية الولايات المتحدة عزل الرئيس نيكسون لتطاوله على المؤسسات من خلال عملية التجسس المعروفة بـ"ووترغيت". وكان الدرس أن لا أحد يسمو على القانون، ولو كان الرئيس. عقب سقوط حائط برلين وضعت الولايات المتحدة من أولى أولياتها في سياستها الخارجية نشر الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان في العالم، ورفعت خيار الصناديق على البنادق ballots not bullets، وتدخلت لتنحية حاكم هايتي سدراس الذي سبق له أن أزاح الأب أرستيد المنتخب ديمقراطياً.

لم يكن أحد يجادل في مصداقية الآلية الديمقراطية في الولايات المتحدة، وإن كان البعض يعيب عليها سياستها الخارجية القائمة على الكيل بمكيالين.

قد يختلف المرء مع سياسة الولايات المتحدة الخارجية، ولكن لا أحد كان يجادل في الديمقراطية الأمريكية ورسوخ مؤسساتها وتقاليدها. لم يكُن قصف مبنى الدوما في موسكو سنة 1994 ليثير الدهشة، لأن روسيا كانت خرجت بالكاد من نظام شمولي وليس لها تقاليد ديمقراطية. ولم يكن اقتحام العسكري الإسباني أنتونيو تيخيرو الكورتيس سنة 1981 وتهديده أعضاء البرلمان بمسدس من منصة البرلمان ليثير الاستغراب، لأن غرس الديمقراطية في إسبانيا التي قد خرجت للتو من دكتاتورية فرانكو ما زال غضّاً، ولكن أن يتعرض مبنى الكونغرس الأمريكي لهجوم من قِبل الغوغاء، من أجل التشكيك في نتائج الانتخابات، في المبنى الذي يرمز للسيادة الشعبية، وأن يصاحب ذلك أعمال عنف، بإيعاز من الرئيس نفسه، ومن سياسيين محنَّكين موالين له، فهو ما يثير الأسى والخوف على مسار الديمقراطية.

لم يُقصف رعد "الأربعاء الأسود" في سماء صافية، بل كانت سماء ديمقراطية أمريكا ملبَّدة. وكان عنوان هذا الغيم الكثيف هو ترامب الذي جعل الساحة الدولية عالم الغاب، الغلبة فيه للقوي، والعلاقات الدولية صفقات، ولم يستنكف من جعل الساحة الأمريكية سبيلاً للغوغائية والكذب والاختلاق والتهديد والتعبير السوقي.

هل من أخلاق الديمقراطية أن يرفض الرئيس الأمريكي ترامب مصافحة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي في أعقاب خطاب الاتحاد وهي تمدّ له يدها؟ هل من الديمقراطية أن يهدّد مواطنين تظاهروا بعد مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد؟ هل من الديمقراطية أن يستعرض أنصار ترامب في أثناء عملية التصويت القوة وهم يحملون السلاح؟ هل من الديمقراطية التشكيك في نزاهة الانتخابات وخيار الشعب في ديمقراطية عريقة؟ لا تخلو الانتخابات من نزاعات، لكن القضاء هو الذي يبتّ فيها، ولا يتم قط التشكيك في النتائج، فبالأحرى منازعة خيار الشعب.

أحد مؤيدي ترمب يجلس في مكتب رئيسة مجلس االنواب الديمقراطية نانسي بيلوسي بعد اقتحام الكونغرس (AFP)

ما حدث يوم الأربعاء 6 يناير/كانون الثاني لحظة اقتحام مبنى الكونغرس لأول قوة في العالم يثير كثيراً من الأسئلة بقدر ما يثير من المخاوف. ما وقع ليس نزوات رعاع، بل عملية شحن، وظاهر الأمر أن لها شبكة، تعوّل على القوة بديلاً من الحوار والتأثير أو الإقناع.

كانت الديمقراطية في حالة كساد حسب ما قال به عالم السياسة لاري دايمند Larry Diamond، بالنظر إلى مد الشعوبية الزاحف، وتراجع مؤشراتها حسب ما وضعته مؤسسة "بيت الحرية" Freedom House، وما تتعرض له الديمقراطية حسب تقاريرها من عصف وتراجع under assault and retreat، لكن حالة اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي تنقل داء الديمقراطية من الكساد إلى خطر الإفلاس.

ما حصل في مبني الكونغرس ليس شأناً أمريكياً فقط، بل عالمي. إذا كانت الديمقراطية مُهدَّدة في معاقلها تلك التي أنجبت ظاهرة ترمب، فكيف يمكن الاطمئنان على مستقبلها؟ تم إحباط العملية الاقتحام، ولكن من دبّروها كانوا يعتقدون أنهم سوف ينتصرون. تظلّ الخطورة قائمة لأنهم يستندون إلى مرجعية تنظيرية وإلى شبكة واسعة، وموارد ضخمة.

ألسنا في دائرة خطر الفاشية كما حذرت منه كاتبة الدولة الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت في كتاب لها، خصصته للظاهرة "الفاشية تحذير"، ومنها ظاهرة ترامب؟ سيذهب ترامب عما قليل، ولكن الترامبية قائمة، وهو مصدر الخوف على مستقبل الديمقراطية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً