قبل انعقاد دورة الألعاب الآسيوية في نسختها الرابعة والعشرين في الدوحة بأيام، عادت الدول الخليجية المقاطِعة لقطر عن قرارها السابق بمقاطعة هذه الدورة، لتعلن مشاركتها فيها،

الأمر الذي استدعى تأجيل الدورة وإعادة قرعة المجموعات، لتنعقد الدورة بين 26 نوفمبر/تشرين الثاني و 8 ديسمبر/كانون الأول.

وجاء ذلك بعد زيارة نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان للعاصمة العمانية مسقط، إذ التقى السلطان قابوس. وسبق لعمان أن احتضنت قبل أسابيع اجتماعاً لوزراء داخلية دول مجلس التعاون الخليجي، حضره وزير الداخلية القطري.

وتلعب الكويت أيضاً، التي تتبنى موقفاً أكثر حيادية في الأزمة، دوراً رئيسياً في محاولة استعادة العلاقات بين قطر وكل من السعودية والإمارات والبحرين، وحثت السعودية على المشاركة في بطولة كأس الخليج كبادرة حسن نية بهدف تهدئة التوترات.

أسباب ودوافع

غير أن ظروفاً تتعلق بوضع دول الحصار وخصوصاً السعودية التي تريد إنجاح صفقة بيع أسهم أرامكو ومحاولة تحسين المظهر السلبي الذي بدا عليه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بعد فضيحة قتل المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، وتورط مسؤولين مقربين منه في استغلال عملهم في تويتر للتنصت على معارضين سعوديين، وهي القضية التي تنظر فيها محاكم أمريكية حالياً.

كما أن تمكن قطر من تجاوز الحصار الاقتصادي الخانق الذي فرضته هذه الدول عليها، أدَّى إلى فشل الحصار بعد مرور أكثر من عامين عليه.

وفي ظل هذه الظروف، تزايدت الضغوط التي يفرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على بن سلمان لتحسين صورته، وإجراء مصالحة مع قطر لتصحيح صورته التي أضرت بترمب نفسه وإدارته كاملة.

كما تريد الإدارة الأمريكية أن لا تنهي عهدها بدون تجميع الدول الخليجية لمواجهة إيران ومحاصرتها، وهذا الأمر لن يجري في ضوء الخلاف الخليجي الحالي.

وجاءت أحدث التصريحات الأمريكية بعد مؤتمر جمع وزير الدولة القطري لشؤون الدفاع خالد العطية، برئيس أركان القوات الجوية الأمريكية ديفيد جولدفين، الذي قال فيه إن على جميع دول الخليج التكاتف من أجل التصدي للمشروع الإيراني في المنطقة. وقال: "لا تملك أي دولة كل ما تحتاج إليه للدفاع عن نفسها بمفردها لكننا معاً نملك كل ما نحتاج إليه للدفاع الجماعي. لدينا القوة لبدء هذا الآن لأننا نواجه خصماً مشتركاً يبدو متمسكاً بانتهاج سلوك خبيث في المنطقة".

مؤشرات

وجاءت المؤشرات إلى قرب حل الأزمة من مغردين إماراتيين على رأسهم المستشار السابق لولي عهد أبو ظبي والأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، الذي بشر متابعيه بحل الأزمة الخليجية قريباً جداً.

وأوضح في تغريدة له بتاريخ 13 نوفمبر/تشرين الثاني أن "قرار مشاركة السعودية والإمارات والبحرين في كأس الخليج 24 في الدوحة قرار سياسي بقدر ما هو رياضي، وقد يفتح الباب لسفر الجماهير الرياضية إلى قطر لمساندة منتخباتها، ما يعني بالضرورة رفع منع السفر إلى قطر".

وأضاف أنه "بجانب قرار المشاركة في خليجي 24 يوجد قرار أيضاً بوقف الحملات الإعلامية المسيئة التي تراجعت كثيراً مؤخراً". ورأى أن "اجتماع وزراء داخلية مجلس التعاون هو للتحضير لاجتماع وزراء الخارجية والاستعداد لقمة خليجية خلال شهر ديسمبر/كانون الأول، وأن انعقاد القمة الخليجية سيشكل منعطفاً مهماً وسيعيد الحياة والحيوية للإخوة الخليجية".

وفي الجانب الآخر، قال أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كلمة خلال افتتاح الدورة التشريعية الجديدة لمجلس الشورى القطري قبل نحو أسبوعين "إن الدوحة منذ بدء الأزمة أعربت عن استعدادها للحوار لحل خلافات دول مجلس التعاون وفي إطار ميثاقه على أسس أربعة: الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، وعدم الإملاء في السياسة الخارجية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية".

وجاء ذلك استجابة لمناشدات مستمرة من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد لطي صفحة هذا الخلاف والحفاظ على لحمة مجلس التعاون الخليجي.

صعوبات وعقبات

وعلى الرغم من أن شوارع الدوحة امتلأت باليافطات الترحيبية بالفرق المشاركة، فإن المؤشّرات تدل على أن خليجي 24 سيكون المدخل لعودة تدريجية وليس فورية للعلاقات بين قطر والدول التي قاطعتها وأمعنت في مهاجمتها تحت حجة رعايتها للإرهاب (دعمها للإخوان المسلمين واستضافة قياداتها التي هربت من مصر عقب الانقلاب) وتسليط قناة الجزيرة للنيل من سياسات هذه الدول بما فيها النظام الانقلابي في مصر.

فإمعان هذه الدول في الحصار بما في ذلك قرصنة وكالة الأنباء القطرية وتزوير تصريحات لأمير قطر (الذي كشف لاحقاً دور الإمارات فيه) والاستعداد لغزو قطر لإسقاط حكم آل ثاني (دفع قطر لاستدعاء قوات تركية للحماية وعقد اتفاقية دفاع مع أنقرة).

كل ذلك يدعو للاعتقاد بأنه من الصعب ترميم العلاقات بجرة قلم بين قطر وهذه الدول، لا سيما أن الدوحة طورت نظاماً للاكتفاء الذاتي شمل الألبان والخضروات والفاكهة والحبوب، فضلاً عن فتح جسور بحرية مع كل من تركيا وإيران لمواجهة الحصار.

وهذا ما دفع مغردين قريبين من الحكومة القطرية للحديث عن صعوبة جبر الكسر الذي حصل، إذ قال المغرد سعود آل ثاني قبل أيام في ما يشبه الرد على تفاؤل عبد الخالق عبد الله  "الأزمة محلولة والأوامر صدرت من ترمبهم وانتهينا.. ننسى ما حدث صعب راح تظل سنين.. البشارة لا والله مش (ليست) لنا إلا (ولكن) لدول الحصار.. الترحيب نعم نرحب بالضيف أياً كان دامه ضيف ونقوله #أهلاً_بالجميع_في_دوحة_الجميع أما بالنسبة إلى اللي المثالية صاقعتهم صقع هذول نقولهم يا جمل إخ إخ" (في دلالة على بُعد حل الأزمة).

حل تدريجي

وفي رمضان 2017، قامت دول الحصار بإغلاق الحدود البرية والبحرية ما أدَّى إلى قطع الصلات العائلية الواسعة بين عائلات قطرية وأخرى سعودية، وفرضت شروطاً لعودة العلاقات منها طرد أشخاص تضمنتهم لائحة للإرهاب وضعتها هذه الدول وتضمنت الشيخ العلامة يوسف القرضاوي والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فضلاً عن المطالبة بإغلاق الجزيرة وهو ما رفضته الدوحة.

ورداً على التفاؤل بقدوم مشجعي دول الحصار إلى الدوحة عبر رحلات مباشرة، أطلق مغردون قطريون وسماً بعنوان #سلوى_ماكو_دايريكت_ماكو، وذلك في إشارة إلى أن استمرار السعودية بإغلاق معبر سلوى البري وهو الوحيد الذي يربطها بقطر سيدفع إلى عدم السماح برحلات مباشرة بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة، الأمر الذي سيضطرهم إلى العبور عبر عمان أو الكويت وذلك رداً بالمثل، لمنع هذه الدول وصول الطيران الرسمي وغيره إليها من قطر بدون المرور عبر محطة ترانزيت.

وتؤكد المؤشرات أن الأزمة الخليجية سائرة نحو الحل التدريجي الذي يفترض أن يبدأ بالسعودية لتتبعه بعد ذلك الإمارات والبحرين ومصر السيسي.

متطلبات الحل

ويفترض أن تبدأ المصالحة بفتح الحدود ووقف الحملات الإعلامية بين الطرفين مع استمرار الجزيرة وفق سياسة منضبطة أكثر، وتراجع رباعي الحصار عن شروطه لعودة العلاقات والتي تتضمن انتقاصاً من سيادة قطر التي بات موقفها اليوم أكثر قوة مما كان عليه قبل رمضان 2017.

إلا أن ذلك يتطلب المزيد من الوقت. وقد يتخلل ذلك عقبات تلزم الجميع بالتعاون لحلها شريطة أن يكون هذا الحل لصالح الخليج والعرب وليس رضوخاً للمطالب الأمريكية تجاه طهران وبقية القضايا المصيرية العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين المهددة بصفقة القرن.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي. 

المصدر: TRT عربي