جأة ومن دون سابق إنذار، وجهت السعودية تهمة تمويل "كيان إرهابي" إلى مناصري حماس المقيمين على أراضيها بشكل رسمي، في أول جلسة عُقدت لهم يوم 8 مارس/آذار الجاري.

لكن المحكمة سرعان ما قررت تأجيلها إلى شهر رمضان الكريم، مع أن محمد الخضري أحد المعقلين كان مسؤولاً وبشكل رسمي ضمن الأعراف الدبلوماسية عن إدارة العلاقة بين حماس والسعودية خلال عقدين من الزمان، وتقلَّد مواقع قيادية عليا في الحركة، لكن الرياض اعتقلته مع نجله هاني في أبريل/نيسان 2019.

اللافت أن السعودية التي بدأت أولى جلسات محاكمة المعتقلين الفلسطينيين بسجونها، وجهت اتهامات غير مألوفة كالانتماء إلى منظمة إرهابية وتمويلها، ما دفع حماس إلى استنكار ما وصفته بالمحاكمات الجائرة والتهم الباطلة التي وجهتها السعودية إلى الفلسطينيين المعتقلين لديها.

وقد شهد شهر أبريل/نيسان 2019 تعرُّض عشرات الفلسطينيين والأردنيين بالمملكة لحملات اعتقال وتهديد وملاحقة، هي الأكبر والأخطر التي ينفذها الأمن السعودي، وتجاوز عددهم 60 معتقلاً، منهم طلبة ومقيمون وأكاديميون ورجال أعمال، ومنع العشرات منهم مغادرة المملكة وفصلوا من العمل وهُددوا بسحب الإقامات والترحيل وتجميد حساباتهم ومصادرة مؤسساتهم.

تعلّق السبب غير المعلن للاعتقالات بدعم حماس وجمع التبرعات لها داخل المملكة، وتركزت الاتهامات بالتعاطف مع المقاومة في فلسطين والاهتمام بالقدس وغزة، وتضمنت الحملة عمليات ترحيل واعتقال وتجميد أرصدة وإغلاق شركات تجارية ورقابة على الحوالات المالية.

حافظت حماس في الشهور الماضية على صمت إعلامي وفضلت الوساطات السياسية والشخصية بعيدًا عن المنصات الإعلامية خشية التسبب في قطيعة مع المملكة، مع أنه بدا واضحاً أن هذه الاعتقالات تأتي في سياق تقديم السعودية فواتير لإسرائيل ومحاولة استرضائها، كمدخل لتوثيق العلاقة السعودية مع البيت الأبيض والمحاولات المحمومة لتطبيق صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية.

حاولت حماس التواصل المباشر مع المملكة وسعى كبار قادتها لزيارتها ولقاء مسؤوليها من دون تجاوب من الرياض. وجرت محاولات للتواصل مع الدبلوماسيين السعوديين في أكثر من بلد بلا جدوى، ووسطت الحركة مسؤولين وشخصيات عربية وإسلامية للهدف ذاته، لكنها محاولاتها وصلت إلى طريق مسدود.

كاتب السطور علم من أوساط قيادية في حماس أن السعودية بجانب رفضها التجاوب مع الوساطات التي قامت بها حماس، قامت بإرسال رسالة واضحة إلى قادة حماس بضرورة التواصل مع الأمريكان، مما يؤكد أن الحملة السعودية مرتبطة بتمرير صفقة القرن ورغبة القيادة السعودية الصاعدة في إظهار التزامها المطالب الأمريكية بملاحقة حماس وقطع علاقتها مع إيران، ما قد يجعل من بيان حماس حول معتقليها الذي صدر في وقت متأخر خطوة مبدئية للضغط على المملكة.

يؤكد ما تقدم أن علاقات حماس مع السعودية لا تمر بأحسن أحوالها بل تعيش أسوأ مراحلها وتشهد حالة أقرب للقطيعة، في ظل الاستقطاب الإقليمي الدائر بين مكونات المنطقة بخاصة السعودية وإيران، ورغبة المملكة في التقارب مع إسرائيل والولايات المتحدة بملاحقة حماس وتصنيفها إرهابية، في سابقة لم تقدم عليها دولة عربية من قبل.

شكّل بدء المحاكمات السعودية لعناصر حماس ومؤيديها من الفلسطينيين والأردنيين والسعوديين آخر تجليات الحالة غير المستقرة بينهما، لأننا أمام جملة سلوكيات إعلامية وسياسية وأمنية تؤكد بمجملها أن تطورات متلاحقة قادمة ستزيد من تراجع العلاقة.

دأبت الصحافة السعودية في الأشهر الأخيرة على نشر المقالات والتعليقات المسيئة لحماس، ويصعب تصوُّر أن تجرؤ هذه الوسائل المقربة من دوائر صنع القرار بالرياض على نشر هذه التقارير الخطيرة المسيئة إلى حماس من دون أخذ إذن أو غض طرف منها.

وخلال الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على غزة 2019-2020، كتب نشطاء ومدونون سعوديون تغريدات متضامنة مع إسرائيل ومهاجمة لحماس، واتهموها بالعمل لصالح إيران وتركيا، وطالبوا بضرورة التصدي لما وصفوه "إرهاب" حماس "القاتلة".

حماس أمام كل السياسات السعودية لم تصدر موقفاً رسمياً يرد عليها، لكنها قلقة من الجو العام في المنطقة المعادي للإسلاميين، صحيح أن حماس لا تعتبر نفسها جزءاً من القرار السعودي بتصنيف الإخوان المسلمين، فحماس حركة تحرر وطني فلسطيني، ولئن ارتبطت فكرياً بالإخوان فإنها تعمل وفق سياستها ولا ترتبط إدارياً بالجماعة وليس لها وجود تنظيمي في السعودية ولا تمتلك فيها مكاتب أو مقرات.

بجانب الموقف "الصامت" من حماس تجاه النهج السعودي ضدها لا توجد اتصالات بينهما، ولم يحظَ مسؤول فيها باستقبال رسمي من مسؤولين سعوديين، باستثناء مرات قليلة آخرها في 2015 بزيارة خالد مشعل زعيمها السابق ومقابلته الملك سلمان.

توجد تقديرات فلسطينية سائدة ترى أن السياسة السعودية تجاه حماس والقضية الفلسطينية تشهد انقلاباً في المواقف والتحالفات، مما يربك المشهد السياسي الفلسطيني، وسيكون أكثر تعقيدًا وستترتب عليه تبعات ثقيلة وخطيرة، فكل تضييق على حماس يدفع ثمنه أمنياً واقتصادياً الشعب الفلسطيني.

مع أن أجواء الفتور التي تسود علاقة حماس بالسعودية تعود إلى سنوات سابقة، ولأسباب عديدة منها الدعم السعودي لصفقة القرن التي يرفضها الفلسطينيون، وعلاقات حماس المميزة بقطر وإيران، اللتين تناصبهما المملكة العداء، وعدم اصطفاف حماس بجانب سياستها الإقليمية.

تدرك حماس أن العلاقة مع السعودية تحيط بها كثير من القضايا الإشكالية، لا تخلو من التعقيد، فالأخيرة ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، ويوجد تنسيق مصري سعودي شبه دائم يتعلق بمختلف الشؤون العربية، وهي مصدر دعم رئيسي للسلطة الفلسطينية وإن لم تعترف بإسرائيل، لكن التطبيع بين الرياض وتل أبيب يجري على قدم وساق، وهو ما تدركه حماس.

الهجوم السعودي على حماس قد يمهّد لدمج إسرائيل بالمنطقة، بتأسيس تحالف بين واشنطن والسعودية وإسرائيل لمواجهة الخطر المشترك المتمثّل بإيران والمنظمات الملّحة، ومنها حماس. والسعوديّة هنا تقدم نفسها شريكاً في حرب الإرهاب عبر خنق حماس. بل إن بعض القراءات ذهبت بعيداً بالقول إنه يمكن فهم الإصرار السعودي على مهاجمة حماس ضمن تصفية القضية الفلسطينية.

ولئن غلب طابع الفتور على علاقة حماس بالرياض، فإن شروع الأخيرة بهذه الحملة الأمنية ضد كوادر الحركة ومؤيديها داخل أراضيها يعني وجود قرار ملكي سعودي من أعلى المستويات بإعلان القطيعة مع الحركة، وهو أمر لم تقدم عليه أي سياسة سعودية منذ تأسيس حماس قبل 33 عاماً.

وعلى الرغم من أن الفتور والتوتر ميَّزا علاقتهما، فإن حماس تعتقد أنه لا يوجد أفق للحفاظ على العلاقة مع المملكة، وبعد أن اتسم سلوكها بالصمت حيال اعتقالاتها رغبة في إنجاح مساعي الوساطات للإفراج عن معتقليها وإبقاء الباب موارباً لحفظ الحد الأدنى من العلاقة، يأتي إصدارها البيان في سياق التلميح بأن جهود الوساطات وصلت إلى طريق مسدود، ولذلك نقلت الأزمة إلى المستوى الإعلامي والحقوقي، وهو إعلان قطيعة سياسية.

يمكن وضع السياسة السعودية المعادية للفلسطينيين عموماً ولحماس خصوصاً ضمن سياق أوسع وأشمل لعلاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي. فالمملكة منذ أن وصل ولي عهدها محمد بن سلمان إلى السلطة في 2015، تجري تموضوعات جديدة في علاقاتها العربية، شكلت خروجاً كبيراً على النمط التقليدي للسياسة السعودية طوال الحقب الزمنية السابقة، مما جعل النظر إلى السياسة الجديدة باعتبارها إعادة تموضع، وإن شئت الدقة قفزات في الهواء غير محسوبة.

فالسعودية فرضت حالة من القطيعة والحصار على قطر منذ 2017، وجعلت دول الخليج منقسمة على نفسها، فالكويت وعُمان لا تتفقان على خطوات الرياض تجاه الدوحة، مما قد يعرض مصير دول مجلس التعاون الخليجي للخطر!

أما الأردن، فعلاقة المملكتين ليست بأحسن أحوالها، وشهدت تراجعاً مطرداً خلال السنوات الماضية لأكثر من سبب، أولها عدم مجاراة عمّان لكل ما تطلبه الرياض ومن دون تردد، وثانيها إعادة نظر الأردن في الموقف من الأزمة الخليجية واستقباله أخيراً للأمير القطري في عمّان، وثالثها الزحف السعودي التدريجي باتجاه سحب الإشراف الديني على الأماكن المقدسة في القدس وهو حق أردني حصري، واختلاف وجهات نظرها إلى قضية صفقة القرن.

في اليمن، تواصل السعودية استهداف السكان بالقصف والقتل والإبادة بزعم ملاحقة الحوثيين الذين يدكون الرياض ومدن المملكة الكبرى على مرأى ومسمع من كل العالم ولا يوقفهم أحد!

بالانتقال إلى تركيا، الدولة الإسلامية الأهم، فالسعودية لم تُخفِ انزعاجها من سياستها تجاه القضايا العربية والإسلامية، لعل أهمها قضية القدس، وعقدها بإسطنبول لقمتين إسلاميتين طارئتين بخصوص المدينة، لم تحضرهما الرياض بصورة لائقة، فضلاً عن جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، وإصرار الأتراك على كشف الحقيقة كاملة، ومعرفة المتورطين الحقيقيين بهذه الجريمة المرعبة.

كل ذلك يؤكد أننا أمام ابتعاد سعودي متسارع عن السياسة التقليدية التي انتهجتها المملكة تجاه العالمين العربي والإسلامي عموماً، والقضية الفلسطينية وحماس خصوصاً، مما يؤكد أن السعودية في الطريق لأن تخسر المزيد من الأصدقاء والحلفاء في المنطقة، في ظل عدم وجود سياسة خارجية راشدة تحافظ على مكتسبات المملكة وتخفض من دائرة خصومها وأعدائها من جهة أخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي