تسعى بعض الحكومات في المنطقة إلى تسخير التكنولوجيا وعبر خاصة التجسس الإلكتروني إلى تعزيز سلطتها من خلال استهداف المعارضين وراقبتهم كما فعلت السعودية مؤخراً من خلال تويتر.

إن القضية التي كشف عنها الادِّعاء الأمريكيّ مؤخَّراً وتختصّ بالشكوى الجنائية التي تتهم عناصر سعوديَّة بالبحث في الأنظمة الداخلية لتويتر من أجل الحصول على معلومات شخصيَّة عن معارضين سعوديّين والآلاف من مستخدمي تويتر لا تُعَدّ الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة. وهي تكشف عن توجُّهَين مهمَّين أصبحا مدار الحديث في الآونة الأخيرة، هما: النهم المتزايد لدى الحكومات في جمع البيانات وتخزينها، والأضرار المادية الناجمة عن الهجمات الإلكترونية.

ولا يبدو أننا سنشهد تقلُّصاً لهذه التوجهين في المستقبل، فمع زيادة انتشار الإنترنت (هناك حاليّاً 3.7 مليار متصل بالشبكة)، وتوسع عدد المتصلين ومستخدمي تكنولوجيا المعلومات (عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل المثال فاق رقم 4 مليارات مستخدم) فإن نهم الحكومات إلى جمع مزيد من البيانات سوف يتعاظم، وسيتعاظم أيضاً الضرر الناجم عن الهجمات الإلكتروني أو ما يسمى Cyber-attacks سواء ذلك الموجَّه ضد الأفراد المعارضين ونشطاء حقوق الإنسان، أو الموجه ضد البنية الحيوية للدول على غرار شبكات الكهرباء ومحطات توليد الطاقة.

إن نهم الحكومات إلى جمع البيانات سواء تلك التي تخصّ منافسيها من الحكومات الأخرى أو تلك الموجهة ضد أفرادها المعارضين لا يُعَدّ ظاهرة جديدة، بل هو ظاهرة قديمة قدم البنى السياسية والاجتماعية التي شكّلها الإنسان وحكمت ديناميات حياته وتفاعله مع محيطه. ولكن الأمر الجديد هو ذلك الإدمان الذي بات يصاحب جمع المعلومات والبيانات في العصر الرقمي على نطاق واسع لم يشهد له التاريخ مثلاً في السابق. وذلك يعود إلى أمرين، أولهما يتعلق بسهولة ورخص الوصول إلى المعلومات، وثانيهما حجم البيانات المنتجة يوميّاً التي أضحت مع الإنترنت تأخذ أبعاداً دراماتيكية.

فكشف سريع للأرقام يُظهِر الحجم الهائل للبيانات التي ينتجها الإنسان يوميّاً، وهو رقم قد يبدو فعلاً محيّراً للعقول، فآخر الأرقام وَفْقاً لتقرير حديث صدر في مارس/آذار من عام 2019 من "HAL" وصل فيه حجم البيانات التي أنتجها العالَم عام 2016 إلى 16.1 زيتابايت (1 زيتابايت يساوي تريليون غيغابايت)، والمتوقع أن يرتفع إلى 163 زيتابايت عام 2025.

ومن اللافت للانتباه بالنسبة إلى التقرير أن 3 بالمئة فقط من هذا الحجم الهائل من المعلومات سيكون خاضعاً للتحليل والتخزين، وهو ما يعني أن فائضاً هائلاً من البيانات سوف يحفز شركات تكنولوجيا المعلومات والحكومات على اجتراح وسائل جديدة ومتطورة لزيادة قدرة التخزين والتحليل لتحقيق استفادة أكبر من هذه البيانات المتوافرة.

تزامناً مع هذا الإنتاج الضخم من البيانات هناك اتجاه عكسي يتعلق بسهولة ورخص الوصول إليها. فبدلاً من الطرق التقليدية في التجسس وجمع المعلومات والتي كانت تعتمد في الأغلب على زرع جواسيس في المكان المستهدف بما يصاحب ذلك من مخاطر وتكلفة باهظة، أصبح من السهل اللجوء إلى الإنترنت واستخدام برامج التجسس malware التي يمكن زرعها في الجهات المستهدفة بسهولة. فحسب المدير السابق للاستخبارات الوطنية الأمريكيَّة إبان إدارة جورج بوش الابن فإن التقرير الاستخباراتي الذي يتلقاه الرئيس يوميّاً يحتوي على 75 بالمئة من البيانات المستقاة عبر التجسُّس الإلكتروني.

تبرز الولايات المتَّحدة كرائدة التجسس الإلكتروني، وذلك لامتلاكها خصائص تميّزها من غيرها من الحكومات. فالولايات المتَّحدة هي الأولى على مستوى العالَم في الإنتاج الرقمي، وتمتلك البنية المعلوماتية الأكثر تطوراً في العالَم التي تضمّ غالبية الخوادم العملاقة التي تمر منها النسبة الكبرى من البيانات المتنقلة عبر ألياف الإنترنت الضوئية

. وقد كشفت تسريبات العميل السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكيّ إدوارد سنودين عن حجم البرامج التجسسية التي تشغلها الوكالة التي شملت ليس فقط المواطنين الأمريكيّين بل جميع المتصلين بالإنترنت عبر العالَم بما يشمل أيضاً قادة الدول الحليفة للولايات المتَّحدة مثل المستشارة الأمريكيَّة ميركل.

شكّلَت أحداث الحادي عشر من سبتمبر انعطافة هامة في التوجُّه الحكومة نحو تشديد الرقابة والتجسس على المراقبين، وأصبحت اعتبارات الخصوصية وحقوق الإنسان تخضع لمتطلبات الأمن ومحاربة الإرهاب. وبسبب المعنى الفضفاض الذي أخذ يتصف به مصطلح "محاربة الإرهاب" بحيث أطلقه عديد من الحكومات على مجرد المعارضين لسياساتها، وجد السياسيون المعارضون ونشطاء المجتمع المدني وحقوق الإنسان أنفسهم في مواجهة هجمة شرسة من الحكومات تستهدف خصوصياتهم وسلامتهم الحياتية.

تفاقمت المشكلة عندما لم يجد هؤلاء الناشطون في شركات تكنولوجيا المعلومات ملجأً آمناً لهم على الرغم من الوعود التي أطلقتها هذه الشركات والإجراءات التي اتخذتها لحماية البيانات الشخصيَّة لمستخدميها وعملائها. فهذه الشركات إما وقفت عاجزة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أنظمتها من القرصنة، وهو ما تدل عليه الحادثة الأخير التي شملت عملاء سعوديّين تجسسوا لصالح حكوماتهم على معارضين مستغلين مواقعهم داخل الشركة، وإما خضعت لضغوط الحكومات من أجل الكشف عن بيانات زبائنها.

الخطير في الموضوع هو أن عمليات التجسس التي تشنها الحكومات الدكتاتورية ضد معارضيها لم تنتهِ فقط إلى جمع البيانات والمراقبة وحسب، بل تعدى ذلك إلى إلحاق الضرر المادي بهم، الأمر الذي وصل إلى حدّ وضع حدّ لحياتهم. هذا ما رأيناه عندما رضخت شركة ياهو لضغط السلطات الصينية وكشفت هُوية الناشط الصيني المعارض تشي تيو الذي قُبض عليه وأودع السجن لمدة ثمانية أعوام.

هذا ما رأيناه أيضاً مع الناشط السعوديّ على شبكة تويتر تركي بن عبد العزيز الجاسر الذي قُتل في سجون الحكومة السعوديَّة بعد اتهامه بأنه المسؤول عن تشغل الحساب الشهير "كشكول". إن رصد واعتقال الجاسر جاء بعد أن استطاع عملاء سعوديُّون الكشف عن معلوماته الشخصيَّة من خلال اختراق حسابه على تويتر الذي يوفّر بيانات تفصيلية عن أماكن وجوده من خلال رصد عناوين الـIP. وهناك دعوات إلى ضرورة نقل مقرّ تويتر من دبي إلى مكان آخر على أساس أن بقاءه في الإمارات سيشكّل خطراً على الناشطين السياسيين نظراً إلى سجل الإمارات الشائن في التجسس الإلكتروني.

لا يبدو أن للإفلات من التجسس والمراقبة الضارة طريقة إلا من خلال إخضاع الحكومات للمحاسبة. في عالَمنا العربي هذا الأمر لن يتحقق على المدى القريب والمتوسط، لذلك يكون الحل ضرورة تبنِّي سلّة من الإجراءات الاحترازية، ليس أقلها التوجه نحو محو الأمية الرقمية والتعرُّف على الأساليب التي من شأنها تعزيز الخصوصية وحماية البيانات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي