بعد نحو أربعة أشهر من الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير، وقّع المجلس العسكري الانتقالي وتحالف قوى الحرية والتغيير بالأحرف الأولى ظهر يوم الأحد 4 أغسطس/آب 2019 على الإعلان الدستوري، بعد مفاوضات ماراثونية شاقة.

ورغم احتفاء الشارع السوداني بالاتفاق واعتباره مدخلاً لتكوين السلطة المدنية في الخرطوم، فإنه بالنظر إلى الأحداث التي سبقته والسياق الذي جاء به لا يُشعِر بالاطمئنان على مسار التحوُّل الديمقراطي في السودان.

ومكمن عدم الاطمئنان هذا يأتي من قناعة مفادها أن الجهات المتفاوضة توصلت إلى الاتفاق جراء شعورها بالأزمة ونفاد الخيارات، مما يجعل التوصل إلى الاتفاق أقرب للخطوة التكتيكية من أجل توفير الوقت ليرتب كل طرف أوراقه، فضلاً عن التحديات البنيوية التي ما زالت ماثلة أما التحول الديمقراطي في السودان بشكل عامّ.

فقوى الحرية والتغيير قد دخلت المرحلة الأخيرة من المفاوضات وهي تعاني من مشكلات بنيوية وهيكلية تهدد وحدتها.

فالحركات المسلحة المكونة للجبهة الثورية شكَت من التهميش والإقصاء رغم عضويتها في تحالف الحرية والتغيير، في المقابل أعلن الحزب الشيوعي السوداني تحفظه على الاتفاق السياسي السابق واعتباره تراجعاً عن مطالب الثوار بسلطة مدنية كاملة ليس للجيش فيها من نصيب سوى القيام بواجباته التقليدية في حماية حدود البلاد.

كذلك بدأ الشارع السوداني تنظيم نفسه عبر ما يسمى بلجان الأحياء السكنية والمناطق -يعتقد أن الحزب الشيوعي نشط في تأسيسها- والمبادرة إلى تنظيم احتجاجات ومسيرات ضخمة دون انتظار أمر من تجمع المهنيين كالعادة.

وقد أوصلت هذه التظاهرات رسائل عدة إلى بريد تجمُّع المهنيين وقوى الحرية والتغيير، أن الثورة ستمضي وقد تتجاوز تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير نفسها إن عجزت الأخيرة عن إحداث اختراق سياسي تجاه تكوين حكومة مدنية.

وعززت تحفظات الحركات المكونة للجبهة الثورية -العدل والمساواة جناح جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان جناح مني أركو مناوي والحركة الشعبية لتحرير السودان جناح مالك عقار- هذه المخاوف، فهي الحركات المسلحة الرئيسية التي ظلت تقاتل حكومة الخرطوم منذ أبريل/نيسان 2003 في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.

في المقابل فشلت مساعي المجلس العسكري في إقناع الشارع السوداني بالقبول به منفرداً بالحكم في الفترة الانتقالية دون قوى الحرية والتغيير، كما لم تفلح محاولات بعض الأطراف قمع الروح الثورية في الشارع السوداني عبر عنف غير مسبوق استدعى تحفُّظاً إقليمياً واسعاً، ومحاولات انقلابية متعددة ضده.

هذا الموقف جعل المجلس العسكري أمام أحد خيارين: إما انتظار انقلاب عسكري من رفقاء السلاح، وإما سقوط الخرطوم في موجة من القتال بين الجيش المتمرد على المجلس العسكري، وقوات الدعم السريع الموالية للمجلس ونائب رئيسه الفريق أول محمد حمدان حميدتي.

من جانب آخر، لا يكمن تحدِّي الاتفاق وقدرته على إنجاز التحول الديمقراطي في السودان في نصوصه ووثائقه وأزمة أطرافه المفاوضة، بل في عدة تحديات جوهرية ما زالت ماثلة، أولها أن واحدة من مشكلات الاتفاق الأخير تتمحور حول أن الذين تفاوضوا ممثلين عن القوى الاجتماعية المدنية في الغالب لن يكونوا جزءاً من الحكومة التنفيذية القادمة، فقد أعلنت قوى الحرية والتغيير عزمها تشكيل حكومة من الكفاءات المهنية ومن المستقلين سياسيّاً.

في المقابل فإن أعضاء المجلس العسكري الذين باشروا ملف التفاوض سيتحولون غالباً إلى تشكيل مجلس السيادة ويتولون رئاسته لمدة 21 شهراً، ويذهب اثنان منهم لولاية وزاراتي الدفاع والداخلية.

وهذا الوضع قد يفتح الباب واسعا أمام تقديم تفسيرات متباينة لنصوص الإعلان الدستوري رغم وجود المحكمة الدستورية. وللسودانيين تجربة مريرة في تنازع الشركاء في تفسير نصوص الاتفاقيات والتنصل منها، وقد قادت هذه التجربة سابقاً إلى انفصال جنوب السودان تحت دعوى وجود "تمادٍ في نقض العهود".

ويكمن التحدي الثاني في قدرة أحزاب قوى الحرية والتغيير على استدامة التحالف وتجنب الخلافات الداخلية ومواصلة دعم الحكومة الانتقالية، إذ بدأ التراشق وتبادل الاتهامات بين القوى السياسية والحركات المسلحة المنضوية في تحالف قوى الحرية والتغيير.

فالجبهة الثورية اتهمت جهة لم تسمِّها داخل قوى الحرية والتغيير بـ"أنها اختطفت المشهد التفاوضي باسم الحرية والتغيير"، وأنها لم تكُن ممثَّلة في جلسة المفاوضات التي جرت الجمعة، وأن مفاوضيها جرى إقصاؤهم من اللجنة.

صحيح أن قوى الحرية والتغيير تداركت الموقف بإشراك القيادي في الجبهة الثورية التوم هجو في جلسة المفاوضات التالية، إلا أن بيان الجبهة الثورية يشير إلى بعض معالم انعدام الثقة بين أطراف قوى الحرية والتغيير.

في السياق نفسه أعلن الحزب الشيوعي رفضه الاتفاق السياسي، وأعلن في وقت سابق من الأسبوع الماضي رفضه الإعلان السياسي واعتبر أنه "كرّس هيمنة المجلس العسكري الانقلابي على كل مفاصيل الدولة".

إن وحدة قوى الحرية والتغيير ضرورية لضمان الدعم السياسي للحكومة الانتقالية، بخاصة أن الحكومة الجديدة ستواجَه من يومها الأول بملفات شائكة من أزمة اقتصادية خانقة وتراجع مستمر لقيمة العملة الوطنية، وانعدام لضروريات المعيشة في السودان، مما يضطرّها إلى الخضوع لوصفات البنك الدولي بتحرير كامل للاقتصاد، ورفع الدعم عن الدقيق والوقود، وهذه السياسة لن تحظى بقبول شعبي مما يجعل حكومة الكفاءات قشة في مهب الريح إن غاب عنها الدعم السياسي.

أما ثالث هذه التحديات فيتعلق بالمحور الإقليمي، فالسودان بحكم موقعه الجغرافي مشدود لشمال وشرق إفريقيا ودول شرق البحر الأحمر، أضف إلى ذلك إرث الرئيس السابق عمر البشير في المشاركة بالتحالف العربي الذي يقاتل في اليمن، وهذا المحور الإقليمي غير متحمس للتحول الديمقراطي في المنطقة العربية كما هو مستفيد من الدور الوظيفي الذي تقوم به القوات السودانية في حرب اليمن بجانب حصوله على امتيازات استثمارية ضخمة في مجال الزراعة، وإيجار الأراضي الزراعية واستغلال حصة السودان من المياه.

وأخيراً هناك تحدي مكانة الإسلاميين في المرحلة المقبلة، فرغم ورود نص في الباب الخاص (البند 7-2) بمهام الفترة الانتقالية يُلزِم أجهزة الدولة محاسبة منسوبي النظام البائد عن كل الجرائم التي ارتُكبت بحق الشعب السوداني منذ مجيء حكومة الإنقاذ 30 يونيو/حزيران 1989م، فإن ذلك لا يعني بالضرورة القضاء على الإسلاميين أو الحد من تأثيرهم.

لأن المحاسبة على الجرائم في القانون السوداني ذات طابع شخصي لا جماعي، ويبقى التحدي هنا: ستسمح السلطة الجديدة للإسلاميين بالمشاركة والوجود في الفضاء العامّ باعتبارهم إحدى الفصائل السياسية الوطنية، أم ستستغل حكومة قوى الحرية والتغيير أدوات السلطة في ملاحقتهم ودفعهم دفعا إلى معسكر الثورة المضادة؟

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي