الفريق البرهان يلتقي فولكر رئيس بعثة يونتامس (TRT Arabi)

لكنهما عوضاً عن ذلك خاضا في أمور ليست من مهام "الحكم الانتقالي" ودخلا في سلسلة من المعارك الجانبية وتركا الشعب السوداني يعاني ويلاتِ تجاهلهما لقضاياه.

صبيحة الاثنين 25 من أكتوبر/تشرين الأول، اتخذ رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان سلسلة من القرارات، أعلن بموجبها حالة الطوارئ، وحلّ مجلس السيادة الانتقالي، ومجلس الوزراء الانتقالي، وتجميد عمل لجنة إزالة التمكين ومكافحة الفساد، إضافة إلى تجميد عدد من البنود الأخرى للوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية.

انقلاب أم تصحيح مسار؟

بعد خطاب الفريق البرهان، ثار جدل كثيف حول توصيف الخطوة التي اتخذها، هل هي انقلاب عسكري أم تصحيح لمسار الثورة؟ فعلى عكس الانقلابات الكثيرة التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال عام 1956، لم تبثّ الإذاعة الوطنية ولا التليفزيون "مارشات" عسكرية، قبل إذاعة البيان، فالانقلابات السابقة كانت تشهد انتقالاً للحُكم من قائد عسكري إلى آخر عسكري كما هو الحال في انقلاب الرائد هاشم العطا ضد اللواء جعفر محمد نميري في يوليو/تموز 1972، أو انقلاب قائد عسكري على حاكم مدني مثلما فعل العميد عمر حسن أحمد البشير مع حكومة رئيس الوزراء وقتها الصادق المهدي في يونيو/حزيران 1989. أمّا ما شهده السودان في 25 أكتوبر/تشرين الأول فهو حالة انتقال للحكم من شريكين عسكريّ ومدني إلى شريك عسكري، وهي الحالة التي اختلفت في توصيفها العديد من الحكومات، ومهما يكن، كانت الإدانات القوية لافتة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي الذي وصف الأمر بالانقلاب، وشذّ عن ذلك الموقف الروسي الذي وصف ما يدور في السودان بأنه دليل على أزمة حادة عاشتها البلاد على مدى عامين حيث رفضت وزارة الخارجية الروسية وصف الأمر بالانقلاب.

بدايات خاطئة

البدايات الخاطئة تؤدّي حتماً إلى نهايات خاطئة، فمِن الأخطاء التي وقع فيها المجلس العسكري الانتقالي، والذي اقتسم السلطة مع المدنيين قبل نحو عامين، اعترافه بقوى "إعلان الحرية والتغيير" باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للثوار الذين اعتصموا أمام القيادة العامة حتى سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير. ولكن بعد أنْ آلت أدوات الحكم لقوى "إعلان الحرية والتغيير" وفق الوثيقة الدستورية، انشغلت بخلافاتها الداخلية وأظهرت نهماً في السلطة وسَعَت إلى تمكين أنصارها والانتقام من خصومها، ونسيت قضايا الشهداء والجرحى والمفقودين. ونتيجة لذلك انقسمت وتفككت، مما جعل الحاضنة السياسية للحكومة تنحصر في أربعة أحزاب يسارية صغيرة الحجم.

مؤسسات غائبة

عجزت أطراف الحكم بمكوّنيها المدني والعسكري عن تشكيل المؤسسات التي نصّت عليها الوثيقة الدستورية، ومن بينها تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي الرقيب على السلطة التنفيذية، والذي من المفترض أن يشكّل في فترة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ التوقيع على الوثيقة، وهو الأمر الذي لم يحدث، كذلك نصّت الوثيقة الدستورية على إنشاء مجلس أعلى للقضاء ومحكمة دستورية مستقلة ومنفصلة عن السلطة القضائية تختصّ بمراقبة دستورية القوانين والتدابير وحماية الحقوق الحريات والفصل في النزاعات الدستورية، وهي مؤسسات إذا أُقيمت في أجَلِها المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية، كانت ستجنّب البلاد الانزلاق نحو الأزمة الحالية.

أيضاً، تجاهلت السلطة الانتقالية التنفيذية تشكيل المفوضيات المنصوص عليها في الاتفاقية، مثل مفوضية صناعة الدستور والمؤتمر الدستوري ومفوضية الانتخابات، ومفوضية الإصلاح القانوني ومفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال وإصلاح الخدمة المدنية والعدالة الانتقالية، وكلّ ذلك أعطى الفريق البرهان مبررات قوية لفضّ الشراكة مع المكوّن المدني الذي باتت تسيطر عليه أربعة أحزاب.

سيف البند السابع

وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء، نجد أنّ رئيس الوزراء عبد الله حمدوك كان منذ وقت مبكر "متحسّباً" لانقلاب العسكر عليه، فأراد أن يتحصّن بالأجنبي، و يدّخره لمثل هذا اليوم، فقد بادر، ومن وراء ظهر المكوّن العسكري، بإرسال خطاب "سريّ إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في السابع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2020 يطلب فيه من مجلس الأمن الدولي إيفاد بعثة سياسية خاصة من المنظمة الدولية، تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة لمراقبة وتسهيل عملية الانتقال الديمقراطي في السودان، وأن تغطّي البعثة كامل الأراضى السودانية، وسُمّيت لاحقاً بالبعثة الأممية المتكاملة للمساعدة في الانتقال الديمقراطي في السودان "يونيتامس".

ويمتدّ نطاق تفويض بعثة "يونيتامس" ليشمل المساعدة في تحوّل البلاد إلى حكم ديمقراطي، ودعم حماية وتعزيز حقوق الإنسان والسلام المستدام ودعم عمليات السلام وتنفيذ اتفاقات السّلام في المستقبل، وتحقيق الحماية المدنية وسيادة القانون، لا سيّما في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

استفزّت خطوة حمدوك وقتها الشقّ العسكري الذي أعلن رفضه القاطع لها، ثم قبلها تحت ضغوط خارجية وبعد أن أُبعد عن تفويضها التمثيل العسكري، واختير الألماني فولكر بيرتس رئيساً لها.

ولكن الآن وبعد قرارات البرهان الأخيرة، تبرز مخاوف من أن تطلب الولايات المتحدة أو إحدى الدول الغربية من مجلس الأمن الدولي إصدار قرار بتحويل "الحالة في السودان" من البند السادس الذي أُنشئت بموجبه بعثة "يونتاميس" وفق القرار 2524 الصادر في الرابع من يونيو/حزيران 2020 إلى البند السابع الذي يُجيز استخدام القوة، وإعادة السودان إلى عهد الوصاية الدولية، وهي خطوة ربما يتوقّف تحقيقها أو عدمه على عاملين، الأول: توافق داخل مجلس الأمن الدولي على تعريف دقيق ومتفق عليه حول توصيف ما حدث في السودان، هل هو انقلاب أم خطوة لتصحيح المسار؟، أمّا العامل الثاني فيتوقّف على مدى جديّة الفريق البرهان في المضي قُدماً في تنفيذ ما وعد به من توسيع قاعدة المشاركة المدنية في الحكم لتشمل طيفاً واسعاً من قوى "الحرية والتغيير" وقوى الثورة والتي قوامها الشباب، وقيام برلمان ثوري يراقب ويقف على تحقيق أهداف الثورة التي ضحى من أجلها الشباب، واستكمال الفترة الانتقالية وإجراء الانتخابات الحرة النزيهة في يوليو/تموز 2023. خاصة وأنّ الأحوال تتجه نحو التهدئة داخل السودان بعد أن حظيت خطوة الفريق البرهان بتأييد واسع من المكونات السياسية والقبلية والقيادات المحلية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي