لا شك أن عام 2020 كان حافلاً بالتطورات المهمة على صعيد السياسة الخارجية التركية على الرغم من أزمة فيروس كورونا المستجد وما نجم عنها من تداعيات.

فكانت الحرب الأهلية في سوريا، وشراء واختبار منظومة الدفاع الروسية S-400، والوضع في شرقي المتوسط، والصراع الدائر في ليبيا، أهم القضايا الرئيسية التي استحوذت على السياسة الخارجية التركية.

كما كانت هذه القضايا صاحبة التأثير الأكبر على علاقات أنقرة مع الولايات المتحدة وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي. ويُتوقع خلال عام 2021 أن تتواصل آثار هذه التحديات على السياسة الخارجية التركية، كذلك يُتوقع ظهور فرص جديدة ستلعب دوراً بارزًا في انتشار السياسة الخارجية التركية المعروفة بأنها "سياسة ريادية إنسانية".

على صعيد التحديات، يمكن القول إن العقوبات الأمريكية المفروضة مؤخراً على تركيا على خلفية شرائها واختبارها منظومة الدفاع الروسية S-400 ستمثل التحدي الأكبر أمام السياسة الخارجية التركية في 2021.

فقد جرى الإعلان عن قرار العقوبات الأمريكية على تركيا في 14 ديسمبر/كانون الأول الجاري، بعد مدة طويلة من المداولات انتهت بمصادقة مجلس الشيوخ الأمريكي على العقوبات في 11 من الشهر ذاته.

وجاء القرار بفرض عقوبات على مؤسسة الصناعات الدفاعية التابعة للرئاسة التركية، و3 من مسؤوليها.

لكن من المهم هنا الإشارة إلى أنه على خلاف الأنباء التي رُوّج لها بخصوص العقوبات، فإن عدم اتخاذ واشنطن قرارات من شأنها التأثير على العلاقات التركية الأمريكية، يعد تطوراً إيجابيًا.

لكن ثمة احتمالات مختلفة عن الشكل الذي سوف تتخذه العلاقات بين واشنطن وأنقرة مع إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، وهل ثمة عقوبات أقوى قد يجري الحديث عنها مستقبلاً، ما قد يؤثر سلبًا على العلاقات الثنائية. لا سيما مع تركيز وسائل الإعلام ومراكز الفكر المحسوبة على الديمقراطيين، على "عدم كفاية" العقوبات المفروضة على أنقرة، ودعوتها بايدن إلى فرض مزيد من العقوبات، الأمر الذي قد يلحق مزيداً من التوتر بالعلاقات الثنائية.

على أية حال قد لا تلقى هذه الدعوات أي أصداء لدى الإدارة الجديدة، حال رغبة بايدن في فتح صفحة جديدة فيما يتعلق بالعلاقات التركية الأمريكية.

كذلك ثمة توقعات أيضاً بشأن استمرار توتر العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي خلال عام 2021 وذلك على خلفية أزمة الوضع شرقي المتوسط، والتهديدات بفرض عقوبات، بيد أن أنقرة قد تطلق مبادرة جديدة في هذا السياق، تقوم على الحوار كأساس لحل الخلافات.

يشار إلى أن علاقات الاتحاد الأوروبي مع أنقرة بدأت تتخذ منحى سلبياً بداية من عام 2016. غير أن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن العلاقات مع أوروبا مهدت الطريق أمام فرصة جديدة لتعزيز التعاون.

فقد أكد أردوغان أن تركيا ترى مستقبلها مع الاتحاد الأوروبي وتسعى لتطوير التعاون مع دول الاتحاد.

كذلك كان مهماً تأكيد وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو أن عضوية الاتحاد الأوروبي ستظل هدفاً استراتيجياً لتركيا في 2021.

لذا قد نشهد خلال المرحلة المقبلة خطوات في إطار تعزيز العلاقات التركية الأوروبية. وفي هذا السياق، ينبغي الإشارة إلى عنصر إيجابي آخر يدعم توجه تعزيز العلاقات بين الجانبين، ويتمثل ذلك العنصر في عدم موافقة قادة أوروبا في قمتهم الأخيرة على طلب تقدمت به دول اليونان وفرنسا وقبرص الرومية لفرض عقوبات على تركيا على خلفية أنشطتها شرقي المتوسط.

فقد بحث الزعماء الأوروبيون هذا الطلب في 8 ديسمبر/كانون الأول الجاري، لكن البيان الختامي للقمة أكد أهمية علاقات الاتحاد الأوروبي مع تركيا فيما يتعلق بمجالات الاقتصاد والهجرة والتجارة، ودعا إلى إعداد تقرير عن مجالات التعاون مع تركيا لقمة الاتحاد المزمعة في مارس/ آذار المقبل.

وهذا التوجه يشير إلى أن خيار فرض عقوبات على تركيا لم يعد مطروحاً حالياً على طاولة الاتحاد الأوروبي. وهكذا فإن توجه أنقرة والاتحاد الأوروبي نحو الحوار والتعاون المتبادل في 2021، من شأنه خلق فرصة جديدة أمام السياسة الخارجية التركية.

لا شك أيضاً أن قضيتي ليبيا وشرق المتوسط تلعبان دوراً مهماً فيما يتعلق بالتعاون مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويتوقع أن تواصل تركيا نهج سياستها الخارجية بالمستوى ذاته إزاء هاتين القضيتين خلال عام 2021.

وقد شدد الرئيس أردوغان ومعه جميع ممثلي السياسة الخارجية التركية على أن أنقرة لن تتراجع أبدًا ولو خطوة واحدة عن موقفها حيال الوضع شرقي المتوسط، على الرغم من الضغوطات التي تتعرض لها. وعليه فإن أنشطة التنقيب التركية شرقي المتوسط والنهج التركي تجاه الصراع في ليبيا أمران سيتواصلان حتى لو من شأن ذلك إلحاق توتر بالعلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وهكذا، فإلى جانب التحديات التي تواجهها العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، هناك أيضاً فرص مهمة قد تحقق انفراجات على مستوى العلاقة والتعاون. وتخطط تركيا في 2021 للتركيز أكثر على استغلال هذه الفرص وتعزيز التعاون.

ينبغي أيضاً الحديث هنا عن جائحة فيروس كورونا المستجد كمتغير مهم في هذا السياق. حيث يتوقع أن تتواصل تداعيات الفيروس على الصعيد العالمي في 2021 على الرغم من الإعلان عن التوصل للقاحات مضادة له. وخلال الجائحة جرى تنفيذ صور مهمة للتعاون فيما يتعلق بجهود إعداد وتوفير اللقاح والمستلزمات الطبية. وقد أبرمت تركيا اتفاقات مع الصين والولايات المتحدة وألمانيا بخصوص تنفيذ تجارب حول اللقاحات المضادة للفيروس، وعقود لشراء كميات منها. ومن شأن مثل هذه الاتفاقات التأثير إيجابياً على ديناميكيات السياسة الخارجية بين الدول، ومن ثم خلق فرص جديدة للتعاون.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي