تراجعت دار أوبرا زمبر بدريسدن عن منح وسام القديس جورج للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخراً وذلك بعد ضغوطات كبيرة مورست بسبب الانتهاكات الجسيمة التي يمارسها النظام المصري فيما يتعلق بحقوق الإنسان

ما بين جمعة العشرين من سبتمبر من العام الماضي والجمعة التي تلتها عاش الجنرال عبد الفتاح السيسي أسوأ أيامه على الإطلاق منذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013. فالتظاهرات التي دعا إليها المقاول المصري محمد علي قد حفزت عدداً من أبرز الصحف والمواقع الإخبارية العالَمية، تحديداً في الولايات المتحدة وبريطانيا، لتوجيه رسائل إلى الحكومات الغربية بضرورة إعادة النظر في دعمها للنظام المصري الحالي الذي بدا هشّاً وقابلاً للانهيار أمام أي هبة شعبية حقيقية، مما ينسف الصورة التي حاول السيسي تصديرها إلى الغرب بأنه حارس المصالح الغربية في مصر والشرق الأوسط.

قام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وكما فعلها من قبل مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في حمايته من المحاسبة على خلفية جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، بإلقاء طوق النجاة للسيسي إذ أصبح البيت الأبيض له ملاذ آمناً من غضب شعبه.

وأعلن ترمب حينها دعمه الكامل لديكتاتوره المفضل وأنه يقوم بمهام عظيمة. وعندها فقط عادت الابتسامة على وجه السيسي، وتلاشى القلق ولو لحظيّاً، فقد عاد حينها إلى القاهرة مصحوباً بدعم رئيس أكبر دولة في العالَم. وقد حصل منه على ضوء أخضر للقيام بما يحلو له متجاهلاً كل المناشدات الدولية باحترام حقوق الإنسان في مصر.

ونحن نعيش في عام 2020 مع سهولة تداول الأخبار وانتشارها من أقصى الأرض إلى أقصاها في لحظات قصيرة، هل يُعقل أن يكون ما يحدث في مصر من انتهاكات لحقوق الإنسان، وقمع لحريات الصحافة والإعلام، وقتل خارج إطار القانون غائب عن صانعي القرار الغربي؟

قطعاً لا، فهم يعلمون يقيناً ما يفعله النظام المصري بشعبه من انتهاكات جسيمة. فالخارجية الأمريكية على سبيل المثال لها تقرير سنوي ينشر بشكل معلن على موقعها الإلكتروني تشرح فيه حالة حقوق الإنسان في كل بلد. وتقاريرها عن الحالة المصرية فيها من الحقائق ما يكفي لمحاكمة قادة هذا النظام أمام محاكم الجنائية الدولية.

وكذلك وزارة الداخلية البريطانية "الهوم أوفيس" لها نشرة دورية تقوم بتحديثها كل عام تتحدث عن رؤية الوزارة في ما يتعلق بالحالة الحقوقية في مصر لتقييم طلبات اللجوء السياسي. وكالعادة ستجد أن الصورة واضحة لدى الحكومة البريطانية أيضاً بأن النظام المصري نظام قمعي لا يحترم حقوق الإنسان.

إيطاليا أيضاً منذ أربع سنوات تخوض غمار معركة التحقيقات مع النظام المصري حول تفاصيل مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني. فإن كانت جرائم هذا النظام واضحة للجميع فلماذا يلقى الدعم الكامل من أنظمة تتشدق باحترام الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان؟

الإجابة باختصار تكمن في حاجة ترمب إلى السيسي كديكتاتور يمكنه تمرير الصفقات التي تخدم إسرائيل، ومنها صفقة القرن.

اعتمد النظام المصري منذ البداية على شراء الصمت والدعم الغربي من خلال ترويج نفسه كحامي مصالح الغرب في منطقة الشرق الأوسط، وعميل ينفق مئات الملايين على شراء الأسلحة الغربية أيضاً.

ففي التقرير الذي أصدره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري" المتخصص في مراقبة حركة بيع وشراء السلاح في العالَم، أشار إلى أن مصر، خلال السنوات الخمس الأخيرة، باتت من أكبر مشتري السلاح في العالَم.

فقد حلّت في المركز الثالث عالَمياً بعد الهند والسعودية، والثاني عربياً بصفقات بلغت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات من فرنسا وروسيا وألمانيا. النظام المصري اعتمد منذ اليوم الأول للانقلاب العسكري على شراء الدعم الغربي بالمال، وتحديداً في المجال العسكري، فهو يرفع لافتة محاربة الإرهاب في سيناء طيلة السبع سنوات الماضية ويروّج نفسه بأنه الضمانة الكبيرة لمنع تدفق الهجرة غير الشرعية عبر سواحل المتوسط، وهو الجار الأقرب إلى ليبيا والداعم الأقوى لخليفة حفتر والجيش الوطني الليبي على حد قوله ضد الجماعات الإرهابية.

في دولة المؤسسات التي لا نعرف عنها شيئاً في عالَمنا العربي، ثلاث دوائر للتأثير، الأولى هي التي يراهن عليها السيسي ونظامه متمثلة في رأس السلطة التنفيذية مثل ترمب في الولايات المتحدة الأمريكية أو بوريس جونسون في بريطانيا وكونتي في إيطاليا.

ويظنّ السيسي أن بقاءه من بقاء هؤلاء، ولكنه يغفل أمراً هامّاً في ما يتعلق بدوائر التأثير الأخرى التي تتمثل في السلطة التشريعية مثل الكونغرس في الولايات المتحدة، ومجلس العموم والبرلمانات في بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن السيسي يفقد يوما بعد آخَر أي دعم يمكن أن يحصل عليه من داخل هذه المجالس.

على سبيل المثال ما حدث في الآونة الأخيرة من بعض نواب حزب حركة "الخمس نجوم" في البرلمان الايطالي الذين طالبوا بوقف تصدير الأسلحة إلى مصر في ظلّ سوء أوضاعها الحقوقية من جهة، واستمرار التعتيم على حقيقة ما حدث للناشط الإيطالي ريجيني، الذي قُتل في مصر بظروف غامضة، من جهة أخرى، وهو موضوع يحمل أهمية أكبر للمواطنين الإيطاليين.

جاء هذا بالتزامن مع هجوم سياسي جديد من بعض النواب الإيطاليين على مصر بسبب القبض على الباحث المصري باتريك جورج زكي الذي يدرس في جامعة بولونيا الإيطالية، لدى عودته إلى القاهرة الأسبوع الماضي، وهو ما يضع رئيس الحكومة الايطالية في حرج بالغ على الرغم من إبرام صفقات سلاح جديدة مع النظام المصري بقيمة 9 مليارات دولار.

أما دائرة التأثير الثالثة والأخطر التي يغفل عنها النظام المصري وجنراله فهي ما يتعلق بالإعلام ومجموعات الضغط، وبعض منظمات المجتمع المدني، وما تحدثه هذه الدائرة من تأثير كبير على الرأي العامّ الغربي داخليّاً وخارجيّاً أيضاً، وتعيد تشكيل الصورة الحقيقية للسيسي ونظامه لدى الناخب الغربي، وهو ما ظهر جليّاً في افتتاحية التايمز في أثناء زيارة السيسي الأخيرة لبريطانيا عندما وصفت السيسي بـ"الرهان الخاسر للغرب"، الذي يجب أن يعيد التفكير في دعمه له.

استمرار الضغط على المدى القريب والمتوسط في دوائر الكونغرس ومجالس العموم والبرلمانات الأوروبية، بالتزامن مع التواصل القوي مع وسائل الإعلام الغربية وتبيان حقيقة ما يفعله هذا الجنرال العسكري بشعبه ومدى خطورة استمرار الأوضاع بهذا الشكل على المصالح الغربية في مصر والشرق الأوسط، يمكن أن يشكّل ضغطاً حقيقيّاً على صانعي القرار الغربي، لا سيما لو حدثت المعجزة ورحل دونالد ترمب عن البيت الأبيض في نوفمبر من العام الجاري.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي