مع انطلاقة انتفاضة الشارع اللبناني، أخذ حزب الله موقفاً مناوئاً لها، الأمر الذي ظهر في خطابات التهديد التي ألقاها أمينه العامّ حسن نصر الله، وتصرفات المحسوبين عليه ضد المنتفضين في الشارع.

انتفاضة الشعب اللبناني فاجأت حزب الله، كما داهمت الجميع، من دون انتظار أو توقع. اعتقد حسن نصر الله في البدايات أن بعض التنازلات الشكلية "ورقة الحريري" قد توفي بالغرض وستحتوي التظاهرات، لكن رهاناته باءت بالفشل فقرّر التصدِّي للحراك الشعبي بشكل مباشر، بدءاً من اتهامه بالتسييس، مروراً بوصفه بأن له أجندة خارجية "أميركا والسعودية" وصولاً إلى التعرض للمتظاهرين في الساحات بطريقة خشنة.

من خسارة الرهانات.. إلى خسارة الصورة والصدقية

في البدايات، كما أشرنا سابقاً، كانت الرهانات على أن انتفاضة اللبنانيين ستكون عابرة كسحابة الصيف، سريعة خاطفة لا تترك أثراً على مكاسب حزب الله الأخيرة.

لكن الرهانات فشلت بامتياز، فالانتفاضة تتواصل بزخم كبير وحماسة منقطعة النظير، كما أن الحراك ارتفع سقف مطالبه، ووصلت إلى حدّ المسّ بقدسية حزب الله "الموهومة"، ولعل عبارة "كلن يعني كلن" دشّنَت أن حزب الله ضمن المطالب.

تعامل حزب الله مع الانتفاضة، وإطلالات زعيمه حسن نصر الله أثبتت الارتباك وحالة عدم اليقين، كما أن هذه المواقف والإطلالات قوبلت بالرفض والاستياء من معظم اللبنانيين، بمن فيهم لبنانيون من أنصاره وبيئته الحاضنة وداعميه.

هنا يمكن القول إن خسارات حزب الله امتدّت من الرهانات إلى خسارة الصورة والهيبة، وإن وصول التذمر إلى أجزاء من الضاحية الجنوبية يؤشّر على إدارة خاطئة للأزمة.

لماذا اتخذ حزب الله هذا الموقف؟

موقف الحزب الخشن من التظاهرات، سببه الخشية من خسارة مكتسبات ما بعد انتخابات 2018، التي -لأول مرة- تمكنت من تحقيق اختراق للحزب أصاب المكون السني، إذ فاز عن مناطق السنة نواب محسوبون على حزب الله.

الأمر الآخر الذي يتمسك به حزب الله وقائده حسن نصر الله يتمثل في "صفقة عون-الحريري"، خصوصاً في هذا التوقيت الحساس لبنانيّاً وإقليميّاً.

من خلال الصفقة "عون-الحريري" حاز الحزب تغطية سياسية مسيحية "مؤسسة الرئاسة" واجه بها عقوبات الولايات المتحدة الأمريكية على قياداته وكوادره ومؤسساته، كما أنه يستثمر في الصفقة لإنتاج علاقة جيدة بين دمشق وبيروت، إضافة إلى أن المواجهة الأخيرة مع إسرائيل لاقت دعماً من هذا الاتفاق ومكوناته.

بين الشارع وحلفاء الداخل.. أخطأ الحزب الحسابات

تمسك الحزب بـ"العهد"، وناضل لأجل عدم استقالة الحكومة، ورفض إجراء انتخابات نيابية مبكّرة. بل ذهب لأكثر من ذلك حين قرّر تعاملاً خشناً مع المتظاهرين في الساحات.

مفهوم أن يربط الحزب بين ما يجري في لبنان بما يجري في العراق من هبَّات شعبية، على قاعدة استهداف حلفاء إيران في المنطقة، لكن أن يصل الربط إلى حدّ إنكار "المحلية اللبنانية" القائمة على فشل التنمية، فهذا خلل كبير في التقييم، أفقد الحزب معه توازنه وقدرته على اتخاذ الموقف اللازم.

لأجل ذلك غرقت حسابات الحزب بعقلية المؤامرة، كما أن خطابات أمينه العامّ افتقرت إلى الحنكة، فظهر الحزب مدافعاً عن طبقة فاسدة لأجل غايات سياسية تخدم "الحالة غير اللبنانية".

الحزب متراس لحماية طبقة فاسدة.. أولى خطوات التعرية

الطريقة التي تعامل بها الحزب مع انتفاضة الشعب اللبناني، جعلت منه متراساً لحماية الطبقة السياسية الفاسدة. فلقد وقف الحزب في مواجهة الشارع ذوداً عن حلفاء غارقين في الفساد والإفساد، ويعرفهم الحزب عن ظهر قلب.

لن يُجدِي نفعاً للحزب حديثه عن "مؤامرة" و"أجندة خارجية" و"سفارات" و"الرياض وواشنطن"، فالشارع تجاوز تلك الكليشهات والصيغ الخشبية، فما يحدث في لبنان أعمق من كل ذلك.

براءة الشارع ومحلية المطالب كانت تستحقّ من حسن نصر الله أن يلتفت إليها بطريقة منصفة، لكنه تأخر وقام بتسيسها، لذلك لا عجب أن تفقد براءتها، وتتحول إلى مطالب سياسية يتداخل فيها المحلي والإقليمي.

هذا الموقف صدم الأنصار قبل الخصوم، والسبب استلهامه تلك الأخطاء التي ارتُكبت في سوريا وأوصلت المشهد إلى المذبحة التي عاشها ويعيشها السوريون.

الحزب يرسخ صورته الطائفية التي ظهر عليها في سوريا

كانت أمام الحزب فرصة ليعيد تشكيل صورته في الداخل اللبناني. نعم، كانت الفرصة سانحة لإعادة تشكيل الصورة أمام الرأي العامّ الغاضب في لبنان، لا سيما بعد التصدُّع الذي أصاب الحزب نتيجة انخراطه في الأزمات الإقليمية، ودوره الفاجر في الملف السوري.

لكنه فشل، فبمجرد أن انطلقت الانتفاضة الشعبية اللبنانية، وبعد تجاوزها مرحلة الحبو، أظهر الحزب أنه بعيد عن الوطنية اللبنانية، وأنه يقدّم ارتباطاته الإقليمية على الهم اللبناني الداخلي.

من هنا نفهم أن حزب الله رسّخ صورته الطائفية التي ظهر عليها في الأزمة السورية، وأن هذا الضرر سيضرب في الأعماق احتمالات قدرته على تحقيق ذات الاختراق الذي تم انجازه في انتخابات 2018.

التعرية أصابت الحزب.. واستقالة الحريري أكّدت ذلك

من جهة الشارع المنتفض، يمكن القول إن الرأي العامّ أخذ من حزب الله موقفاً سلبيّاً عميقاً. فهناك قناعة أن الحزب كان انتهازيا، وفقد حسَّه الوطني اللبناني، وأنه دافع عن الفاسدين.

أما من ناحية تحالفات الحزب مع الطبقة السياسية، فقد خسر الحزب كثيراً باستقالة الحريري، وأصبحت مكاسب ما بعد انتخابات 2018 في مهبّ الريح، مع انتظار قادم الأيام.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي