من فعاليات معرض "IDEF" الدولي للصناعات الدفاعية في اسطنبول 2021  (Sanayi Ve Teknoloji Bakanligi/AA)

فقد كان للمُسيرات التركية من نوع بيرقدار دور كبير في حسم معارك القوات الداعمة لحكومة الوفاق ضد قوات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر كما نجحت في حملة الجيش التركي في إدلب في معاركها ضد النظام السوري، وكذلك الحال في دعم الحكومة الأذربيجانية ضد القوات الأرمينية في إقليم كاراباخ مما حقق نصراً تاريخياً استعادت أذربيجان بموجبه إقليمها المحتل منذ سنة 1994.

وتعد هذه النجاحات ثمرة لجهود استمرت خلال 20 عاماً من اهتمام حكومات حزب العدالة والتنمية بهذا القطاع إدارياً ومالياً، مع أن فكرة العمل على الاكتفاء الذاتي بدأت في السبعينيات مع حظر السلاح على تركيا بسبب أزمة قبرص عام 1974.

ومع أن تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية نجحت في تقليص مستوى اعتمادها على الخارج في الصناعات الدفاعية من اعتمادية بنسبة 80 إلى 20% فإن العمل هنا لم ينطلق من إرادة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الدفاعي وتقليل الاعتماد على الغير إلى أقل حد ممكن فحسب، بل من رغبة عارمة بتعزيز القوة التنافسية في سوق الصناعات الدفاعية العالمية. وفي هذا السياق فقد بلغت صادرات تركيا في مجال الدفاع والطيران الـ3 مليارات دولار.

وفيما تحتل تركيا مكانة واحدة من أعلى خمس دول في العالم من حيث تصميم وإنتاج وبيع الطائرات المسيرة المسلحة فإن الصناعات الدفاعية التركية لا تقتصر على الطائرات المسيرة بل تمتد ضمن رؤية شاملة إلى تطوير عدة أسلحة ومعدات عسكرية من المدرعات إلى الصواريخ والمقذوفات وليس انتهاء بأنظمة المحاكاة العسكرية والطائرات والمروحيات والسفن والغواصات.

وتشرف هيئة الصناعات الدفاعية التركية حالياً على 750 مشروعاً تبلغ قيمتها 50 مليار دولار مقارنة بـ26 مشروعاً عام 2002.

ويمكننا الوقوف هنا على سبيل المثال عند تطور الصناعات الدفاعية على مستوى القوة البحرية التركية حيث أصبحت تركيا ضمن 10 دول تصمم وتصنع سفنها الحربية والتي "تتمتع بقدرات الدفاع الجوي والاشتباك مع السفن الأخرى وضد الغواصات، إلى جانب قدرتها على تأدية مهام خفر السواحل والاستطلاع، وتحديد الأهداف والتحليل والإنذار المبكر، وعمليات الدفاع عن الموانئ والقواعد العسكرية".

وعلى صعيد الصادرات بلغت صادرات تركيا من السفن 130 قطعة بحرية إلى 9 دول في 3 قارات، بقيمة 3 مليارات دولار.

كما أن سفن مشروع ميلغم ستكون مزودة بأحدث التقنيات محلية الصنع. وتعمل تركيا حالياً على 5 مشاريع منها سفينة أفق للتدريب وسفينة الأناضول الهجومية البرمائية، كما سيشهد عام 2022 إنزال غواصة بيري، وسيجري أيضاً تسليم فرقطة وسفينة إسناد في عامي 2023 و2024 على التوالي.

وما من شك بأن هذه الإمكانات المادية الكبيرة في الصناعات الدفاعية لها انعكاساتها الإيجابية المباشرة على السياسة الخارجية التركية من حيث رفع درجة الاستقلالية وتقليل الاعتماد الدفاعي على الآخرين، مما يجنب تركيا ضغوط هذه الدول أو حتى الأزمات مع الدول الأخرى. ولعل أزمة صواريخ S-400 الروسية تعتبر مثالاً جيداً فيما لو كانت تركيا توصلت لصناعتها محلياً لتجنبت الأزمة بظروفها ومبرراتها الحالية على الأقل مع الولايات المتحدة.

من جهة أخرى تعد الصناعات الدفاعية رافداً مهماً للاقتصاد التركي. فبالرغم من التراجع الذي حصل بسبب جائحة كورونا والتي أدت إلى انخفاض في هذا المجال فقد وصلت قيمة صادرات قطاع الصناعات الدفاعية والجوية حوالي 3 مليارات دولار وهي تشكل نحو 1.3% من إجمالي الصادرات التركية. ويعد تعزيز الاقتصاد عاملاً مهماً في استقرار السياسة الداخلية واستقلال السياسة الخارجية.

وعلى الصعيد الداخلي يمكن الإشارة إلى إشراك المزيد من شركات القطاع الخاص حيث ارتفع عدد الشركات العاملة في قطاع الصناعات الدفاعية بتركيا إلى 1500 شركة بعدما كان 56 شركة في عام 2002. كما أن العمل بهذا القطاع له آثار إيجابية على استيعاب العديد من المهندسين والفنيين في الأعمال مما يساعد في تخفيف نسب البطالة. ولعل الأهم في بقاء الكفاءات داخل الوطن في ظل وجود مرافق ومصانع صناعة دفاعية متطورة يمكن أن يخدموا بلادهم من خلال العمل بها.

أما خارجياً تعمل تركيا على اختيار وجهات صادراتها الدفاعية بما يخدم استراتيجيتها لتحقيق المكانة والنفوذ الدوليين ويمكن رؤية ذلك بالنظر إلى خريطة توزيع صادراتها الدفاعية مما يساهم في تقوية أصدقائها وحلفائها وتقوية بيئتها الأمنية. وقد صدّرت تركيا لكلّ من باكستان وأذربيجان وقطر وتونس وأوكرانيا.

وفي هذا السياق نظمت وزارة الدفاع التركية يوم الثلاثاء الماضي الموافق 17 أغسطس 2021 معرض "إيديف 2021" الخامس عشر للأسلحة والصناعات الدولية بحضور 536 شركة محلية و700 شركة أجنبية من 53 دولة.

وقد جرى الترتيب لزيارة 89 مسؤولاً رفيع المستوى للمعرض من بينهم 31 وزيراً و11 رئيس أركان و33 قائد قوات برية. ويسهم هذا المعرض الذي شهد حضوراً كبيراً في الترويج للصناعات الدفاعية التركية وفي زيادة دورها في الاقتصاد والسياسة التركية خاصة بعد التراجع الذي حصل خلال أزمة كورونا.

تتجه تركيا لتكون قوة رائدة عالمياً في عدة مجالات في قطاع الصناعات الدفاعية وعلى رأسها الطائرات المسيرة المسلحة وكذلك صناعة السفن والفرقاطات العسكرية، كما أن هناك تطوراً كبيراً على مستوى الصواريخ والمقذوفات وجميع أنواع الأسلحة، وفي إضافة الأنظمة التكنولوجية المتطورة إليها.

وتريد أنقرة استخدام هذه القوة كرافعة لتحقيق أهدافها ومصالحها السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويمكن القول إن قطار الصناعات الدفاعية التركية يسير في طريق صحيح وبسرعة جيدة ويتوقع أن تزداد الدافعية لدى تركيا بمزيد من النجاحات مع تزايد الصفقات الناجحة التي تقوم بها في هذا المجال. ومع تخطيها للعقبات المتمثلة في صعوبة إنتاج الأنظمة العسكرية المعقدة وفي بعض التجهيزات الأساسية التي تحصل عليها من الخارج.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً