شهد نهاية عام 2019م احتفالات ضخمة على مستوى العالم لطي صفحة العام، واستقبال العام الجديد، حيث ساد الأمل والتفاؤل الجميع بإطلالة عام 2020م. لم يخطر على بال أحد ليلة الاحتفاء بمقدم العام الجديد أن العالم على مقربة من ظاهرة لم يعهدها من قبل،

وأن الوباء الذي ضرب العالم فجأة، أحدث تغييراً كبيراً ليس في بنية العلاقات الدولية وإنما امتد التأثير إلى داخل كل بيت. تغيرت الأجندة على جميع المستويات والأصعدة، فكما ارتبكت السياسة اهتز الاقتصاد. التفوق العلمي والتكنولوجي جعل غرور البشرية يؤمن بأن كل شيء في العالم تحت السيطرة والتحكم، والتغيير يمكن التنبؤ به، وأنه سيحدث بطريقة تدريجية، مما يجعل التعامل معه والتحكم به أمراً متاحاً مقدوراً عليه.

لم يحسم الجدل حول مصدر الفيروس وطبيعته بعد، بيد أنه من المؤكد أن ما حدث ويحدث هو بمثابة حرب، سواء أخضعنا الأمر لنظرية المؤامرة أم لا.

فمن المؤكد أن الأثر الذي تركه فيروس كورونا يماثل التداعيات التي تعقب الحرب الكونية الثالثة. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ظل العالم يترقب حرباً كونية ثالثة غير تقليدية سواء من ناحية الأهداف والغايات أو الوسائل، فقد تكون هذه الحرب باردة أو حرباً على المياه أو النفط أو خلافه، فالعالم أصبح يهيئ نفسه لحروب الجيل الرابع، والتي تستخدم فيها كل الوسائل لخلق دولة ضعيفة منهكة تستجيب للنفوذ الخارجي وتخضع لإرادة الدول التي تنجح في استغلال مواردها المختلفة، بالأسلحة كافة التي يسخر لها النبوغ والتفوق العلمي، حرباً لم تشهد البشرية مثلها من قبل.

ما ظهر حتى الآن من آثار على العالم بعد أن ضرب فيروس كورونا الكون، يعتبر مقدمة لما سوف يكون عليه العالم في السنوات القادمة، فعنصر المفاجأة دفع الكثير من الدول نحو العمل بصورة عاجلة من خلال مراكزها الاستراتيجية لوضع خطط وبرامج للتعامل مع الحرب التي أشعلها هذا الفيروس، ومن المؤكد أن الخطوة الأولى تتمثل في احتواء الفيروس والتغلب عليه، والوصول إلى عدم تسجيل إصابات جديدة على أراضيها، وكذلك التفكير في لعب دور طليعي في ريادة العالم بعد كورونا بنفس القدر.

لا أحد يدري متى يمكن لأيّة دولة الوصول إلى هذه مرحلة من اليقين بالقضاء على الفيروس، حتى الصين التي أعلنت انتهاء الوباء فيها، ما زالت تسجل حالات متفرقة، كما أن المعركة مع فيروس كورونا ذات طابع كوني، فما لم يتم احتواء الفيروس في العالم كله سيظل العالم تحت تهديد الفيروس.

بيد أن بعض الدول تستعجل الخطى لإعلان احتوائها للجائحة، والتعجيل بإنهاء حالة الإغلاق لأسباب اقتصادية في المقام الأول وأسباب اجتماعية بعد أن ضاقت البيوت بالأسر المسجونة فيها. فالاقتصاد الأمريكي انكمش 4.8% خلال الربع الأول من هذا العام، في أسرع وتيرة منذ الأزمة العالمية في 2008م. 

كشف فيروس كورونا عن هشاشة النظام الدولي القائم، وجعل القيم والمثل التي ينادي بها على محك، فبدلاً عن التعاون والتضامن ظهر الانكفاء والتجاهل حتى داخل المنظومة الواحدة مثل الاتحاد الأوروبي، أو داخل الدولة القُطرية نفسها، حيث جرى تجاهل كبار السن والمهاجرين عند تقديم الخدمات الطبية.

كما أن التسابق المحموم والقرصنة التي شهدتها المستلزمات الطبية مثلت سقوطاً أخلاقياً للقيم التي يتشدق بها العالم المتحضر. وبرزت موازين أخرى للقوة والتفوق الدبلوماسي، مما يعني أن بعد كورونا سيظهر نظام جديد للتحالفات يبنى على قيم جديدة.

اليوم، تقدم الصين نفسها كقوة علمية من خلال مشاركتها العالم للبروتوكول الذي استخدمته لاحتواء الفيروس، كما أن أطقمها الطبية تجوب العالم لتقديم الخدمات الطبية للدول المتضررة. وتفوقت تركيا دبلوماسياً من خلال تقديم مساعدات طبية لمختلف دول العالم شملت أكثر من 55 دولة من بينها الولايات المتحدة والصومال.

في ظل هذا التنافس المحموم لقيادة العالم بعد انجلاء الجائحة، لابد من حدوث تغيير في مفهوم التعاون الدولي والنظريات الحديثة التي تدعو إلى النظر للعالم كمنظومة مترابطة، وجسم واحد "إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

وجد العالم أن أنجع وسيلة للوقاية من الإصابة بفيروس كورونا هي التباعد الاجتماعي، وأن تكون هناك مسافة بين كل شخص وآخر. أدى هذا إلى ظهور ما يعرف بالعزل الاجتماعي، والذي انتهى إلى جعل العالم سجناً كبيراً. لم تشهد البشرية تقييداً للحركة من قبل، حتى رؤساء الدول في بادئ الأمر كانوا لا يتصافحون ويبقون بينهم مسافة، تطور الأمر إلى إلغاء السفريات الرئاسية والاكتفاء بالاجتماعات عبر الدوائر التلفزيونية المغلقة.

تجربة البقاء في المنزل لها الكثير من التداعيات الإيجابية والسلبية. يعيش أكثر من ثلث سكان العالم في سجن كبير، فهنالك ما يربو على 2.5 مليار نسمة تنحصر حياتهم بين مكان السكن وأسواق الأغذية والصيدليات. الكثير لم يتوفر لهم الخيار لاختيار أماكن بقائهم، فلقد انقطعت السبل بالكثير من المسافرين في المطارات، كما أن العديد من العمال المغتربين والطلاب ظلوا بعيدين عن أوطانهم وأسرهم، دون استعداد نفسياً أو مالياً لهذا الوضع.

سعت الكثير من الأسر للاستفادة من هذا العزل الإجباري في تعضيد التواصل الاجتماعي بين أفراد الأسرة، إلا أن الكثير من الاحتكاكات والمشادات حدثت، وتطور الأمر لحالات الطلاق، وكان من نتاج الحجر ازدياد الاكتئاب والانتحار.

التوتر والقلق من الخوف بالإصابة بالمرض تزامن مع رهاب آخر تمثل في زيادة نسبة الذين فقدوا وظائفهم والملايين المرشحين لفقد وظائفهم حول العالم بعد كورونا. توقفت آلاف المصانع ومعها عشرات الملايين من الأشخاص عن العمل بخسائر تقدرها الأمم المتحدة بأكثر من تريليوني دولار حتى الآن. ففي الوقت الذي تسعى فيه الدول الكبرى لتغطية العجز الناتج عن اضطراب الاقتصاد بسبب كورونا، وتقدم مساعدات عاجلة مباشرة لمواطنيها، تقف دول العالم الثالث عاجزة عن الإيفاء بأبسط الاحتياجات لمواطنيها، مما يظهر بأن الفجوة بين الفقراء والأغنياء ستكون في ازدياد.

بعد كورونا زاد الاعتماد على التقنية لتسيير الأعمال، وأصبح مصطلح العمل من البيت أمراً واقعاً بعد أن كان مفهوماً نظرياً. سعى مديرو الشركات للاستفادة من التطور الرقمي في تسيير الأعمال في جميع المجالات، الأمر الذي يعني أن العالم ما بعد كورونا سيشهد اهتماماً بتعزيز وتطوير كل ما يتعلق بالتقنيات الرقمية، وخاصة الأمن السيبراني، وتوسيع تمدد تقنية الديجتال وتطبيقاتها على جميع الأصعدة، مما سيؤدي إلى تزايد التشبيك بين الدول ذات البنيات الراسخة، ويعزز التبادل المعرفي في جميع المجالات والتي سيكون لها بالطبع مردود اقتصادي.

التغيير المرتقب في شكل النظام الدولي بعد فيروس كورونا، والتزايد المتوقع في الفجوة الاقتصادية بين دول العالم الغني والفقير، سيكون له تداعيات في تغيير نسق ومعدلات الهجرة، كما سينعكس على الصراعات الإقليمية والداخلية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. ربما تحسم بعض الصراعات كالوضع في ليبيا، وستستمر أخرى لفترة طويلة كما في اليمن، مع تغيير في موازين القوى.

لن يقف الصراع حول الموارد الاقتصادية وخاصة في مجال الطاقة، إذ إن سوق النفط سيشهد اختلالاً لن يحكمه فقط قانون العرض والطلب، وإنما سيتحكم التنافس السياسي والسعي نحو الهيمنة في السوق. إضافة للطاقة سيكون هناك تنافس محموم حول الغذاء ومصادره. هذا التنافس سيتخطى أطر التعاون والخطط والبرامج التي كانت تتبناها التجمعات الدولية والإقليمية كمنظمات الأمم المتحدة المتخصصة مثل الفاو، بل سيكون هنالك توجه نهم من الدول الغنية التي تمتلك رأس المال والتكنولوجيا نحو الدول الفقيرة ذات الأرض البكر غير المستغلة سواء بسبب شح الأموال أو سوء الإدارة أو النزاعات المسلحة.

كما أسلفنا من قبل فإن الدول تعكف الآن على الاستعداد لعالم ما بعد كورونا، واضعة في الاعتبار مصالحها القومية كأساس يحدد إطار حركتها للتعاطي مع هذا العالم الجديد، كما أنها تلهث لتعويض الخسائر التي حدثت خلال الفترة الماضية، والانطلاق بشراهة لاستئناف الأنشطة الاقتصادية أكثر من قبل والهيمنة على السوق العالمية.

إلا أنه من الضروري أن يخرج العالم بدرس من هذا الوباء يتمثل بضرورة التفكير برؤية عالمية موحدة، فالعالم أصبح أسرة واحدة، ولن تجد الأفكار والمعالجات التقليدية القديمة، حتى لو اقتضى الأمر الخروج عن الآليات والمنظمات العالمية والإقليمية الموجودة، فلابد من التفكير في آليات خلاقة لتعزيز التعاون الدولي بدلاً عن هذه القائمة حالياً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي