تابع العراقيون مشهد الانتخابات الأمريكية 2020، بكثير من الحماسة والترقّب، كما فعل كثيرون في أماكن أخرى من العالم، لما تعكسه نتائج هذه الانتخابات من تأثيرات متوقَّعة على الشأن العراقي.

فأمريكا لاعب أساسي في الداخل العراقي منذ عقود، يرفعها البعض إلى الستينيات من القرن الماضي، أما العامة من الناس فيعرفون اللمسة المباشرة لليد الأمريكية، على الأقل منذ حرب الخليج 1991 وصواريخ التحالف الذي قادته أمريكا التي دمّرت منشآت البنية التحتية في البلد، ثم العقوبات الاقتصادية الدولية القاسية، وليس انتهاءً بغزو أمريكا للعراق في 2003، ثم ارتهان "العملية السياسية" في العراق بعد ذلك إلى قوى خارجية تقف أمريكا على قائمة أكبرها وأهمها، وعامل استقطاب مع إيران في الصراع على النفوذ والهيمنة، تصاعد بقسوة وشراسة في السنوات الأخيرة.

ولعل من أخطر لحظات هذا الاستقطاب والصراع تنفيذ إدارة ترمب مطلع هذا العام قرب مطار بغداد لعملية اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني وأعلى الممثلين للسلطة الإيرانية في العراق.

من يومها والعراق في مشهد جديد أو طور آخر من أطوار التحوّل السياسي لم يهدأ حتى الآن، خصوصاً أن حدث الاغتيال جاء في ذروة احتجاجات تشرين الشعبية الواسعة، التي دفعت -قبل حادث الاغتيال بشهر تقريباً- إلى استقالة حكومة عادل عبد المهدي وهو أول حدث من نوعه منذ 2003، أن يدفع الضغط الشعبي الأطراف السياسية الفاعلة للرضوخ والاستجابة، لا للتأثيرين الإيراني والأمريكي هذه المرّة، وإنما لتأثير قوّة ثالثة جديدة [بالنسبة إلى الكثير من السياسيين العراقيين!] اسمها "الشعب".

لا تعترف المليشيات العراقية المدعومة من إيران بوجود "قوة ثالثة"، وإنما هي مجرد جبهة صراع ثنائية طرفاها إيران وأمريكا، وما المتظاهرون إلا عملاء لأمريكا حسب زعمهم، على الرغم من أن الكثير من هؤلاء المتظاهرين ومن يؤيدهم من الناشطين والصحفيين والكتّاب قالوا صراحة إنهم يرفضون تأثيرات النفوذين الإيراني والأمريكي على حدّ سواء، وإن اغتيال سليماني والمهندس أضرّ كثيراً بالحراك الاحتجاجي لأنه غيّر بؤرة الاهتمام العالمي والمحلي من التظاهرات إلى تداعيات حادثة الاغتيال.

مع ذلك فلم تُخفِ هذه المليشيات اهتمامها بالانتخابات الأمريكية، وسارع بعض مدونيهم إلى إبداء فرحهم بالإعلان غير الرسمي عن فوز جو بايدن، وعدّوه نصراً لمحورهم وانتقاماً من ترمب قاتل سليماني والمهندس، وسارع الجناح الإعلامي للمليشيات إلى إطلاق وسم في تويتر #أيتام_ترامب ليضعوا تحته تغريدات تستهدف أطرافاً عربية وإقليمية متنوعة كلّها ممن تعتبرهم إيران أعداءً لها، واللافت وضع أسماء لمدونين عراقيين معروفين بدعمهم للتظاهرات على أنهم أيضاً من "أيتام ترمب".

كتب "معن حبيب" -وهو مذيع عراقي في قناة الحرّة الأمريكية كرّس جهده خلال احتجاجات تشرين لدعم المتظاهرين، على صفحته في تويتر ساخراً: "مشكلة عندما يتخيّل العبيد أن الأحرار عبيد مثلهم"، في إشارة إلى ربط المليشيات لترمب بالتظاهرات وداعميها، وما يتضمنه هذا الفرح المليشياوي بفوز بايدن من افتراض خاطئ بأن بايدن سيكون صديقاً لإيران، أو أنه سيسمح للمليشيات بالتمدد بحرية أكثر مما كان عليه الوضع في إدارة ترمب.

على جانب آخر فيوجد من يشعر بالارتياب من تولِّي بايدن رئاسة أمريكا للسنوات الأربع القادمة، فبايدن ليس غريباً عن العراق وشؤونه، فهو نائب لرئيس سابق (باراك أوباما) لثماني سنوات، وزار العراق والتقى قادته عشرات المرّات، وتحت عينيه وبتنسيق منه مع أوباما جرى الانسحاب الأمريكي من العراق في أواخر 2011، الذي كان فاتحة لمتواليات كارثية انتهت بغزو داعش ثلث أراضي العراق في يونيو/حزيران 2014.

الكثيرون ينظرون إلى هذا الانسحاب على أنه عمل غير مسؤول من إدارة الديمقراطيين، التي كانت تريد التخلّص فقط من تركة بوش، من دون أي ضمانات تكفلها المواثيق الدولية باعتبار أمريكا قوّة محتلة، برعاية سلطة مستقرة تحفظ التوازنات الاجتماعية والسياسية في العراق، ولا تؤدي إلى تكوين سلطة استبدادية جديدة.

كذلك فإن بايدن بسبب مقالته بنيويورك تايمز في 2006 خلال الاحتراب الأهلي بالعراق نال سمعة سيئة بين العراقيين بأنه صاحب دعوى تقسيم العراق إلى ثلاث فدراليات، واستحضر الكثيرون هذه الدعوى خلال حرب داعش، رغم أنه كما يؤكد مراقبون لم يرجع إلى هذه المقالة أو دعوى الفدرلة بالعراق مرّة أخرى.

في المجمل، يوجد من لا يرى مبرراً للدفاع عن سمات مميزة لإدارة ترمب بالملف العراقي، لكنه يخشى من الإدارة القادمة لبايدن في حال أُقِرَّ فوزه رسمياً.

في منشور طويل على صفحته على فيسبوك في أغسطس/آب الماضي كتب صبرائيل الخالدي وهو واحد من أنشط المدونين العراقيين: "كل ما يحتاج إليه العراق دورة أخرى فقط لترمب".

يبيّن صبرائيل وجهة نظره التي تحظى بقبول واسع بين المتابعين العراقيين، بأن سبب هذا الأمل ليس لبطش إدارة ترمب بأبرز قيادات إيران في العراق، وإنما لأنها أهملت العراق! وأنهت حالة الاستقطاب في الشارع مع المليشيات وتركتها وحيدة بمواجهة الشعب.

"إن التراجع الكارثي في شعبية تلك المليشيات لم يكن بسبب نجاح خصومهم في مهمتهم، بل بسبب تراجع الدور الأمريكي وانكفائه عن التدخل في الشؤون الداخلية العراقية كما كان يحدث أيام الديمقراطيين الذين كان مبعوثهم السامي يتدخل في كل شيء!".

كان من أبرز سمات رفع اليد الأمريكية عن التدخل في تفاصيل الشأن العراقي حسب قول صبرائيل، هو ترك الأطراف السياسية العراقية عقب انتخابات 2018 تختار الزعامات العراقية الثلاث عبد المهدي لرئاسة الوزراء والحلبوسي لرئاسة البرلمان وبرهم صالح لرئاسة الجمهورية، من دون أي استقطاب واضح مع الأمريكان، كما كان يحدث سابقاً في اختيار هذه المناصب الحسّاسة.

وهذا ما جعل المليشيات تفقد جزءاً كبيراً من زخم الحضور الذي كان يعتمد سابقاً على التعبئة الإعلامية ضد التدخّل الأمريكي، ثم صارت لاحقاً في سنة حكم عبد المهدي بمواجهة استحقاقات إدارة بلد منهك بالصراعات والأزمات، وكان عليها أن تتصرّف كسلطة لا فصائل "مقاومة"، وهذا ما فشلت فيه ليتفجّر هذا الفشل بوجهها على شكل حركة احتجاجية هي الأضخم في البلد منذ عقود انطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 2019.

لو استمرت إدارة ترمب حسب تصوّر صبرائيل، فإن المليشيات ستكتشف "أن السلاح الذي تخوفنا به وتغتالنا به.. لن يكون سوى لعنة في أيديها".

بمتابعة لهذا التصوّر الذي يحظى بتأييد الكثير من العراقيين فإن ما ينعش وجود المليشيات التي تتصرّف كدولة موازية تضعف الدولة الرسمية ومؤسساتها هو أن ترى العراق مجرد حلبة صراع مع أمريكا، بينما تخفيف الوجود الأمريكي وتقليل التدخل في شؤون العراق إلى أدنى حدّ والتعامل معه كدولة مستقلة ذات سيادة سيسحب البساط من تحت أقدام المليشيات ويتركها في مواجهة الشعب. وهي المواجهة الحقيقية التي يمكن أن تخوضها أي نخبة سياسية أياً كانت، في سبيل استمرار نفوذها وشعبيتها.

وربما هذا هو جوهر "الموقف التشريني" السلبي من التدخلات الأمريكية، التي لا يفهمها "الولائيون" المؤيدون لإيران في العراق، فأن تستخدم أمريكا نفوذها لدعم مرشحين أو سياسات معيّنة في العراق، هو أمر يشبه ما تقوم به إيران، وكلا الدورين يحرمان الشعب العراقي من ممارسة حقّه في اختيار قياداته واتخاذ الطرق الديمقراطية الدستورية لمحاسبة هؤلاء القادة. 

لعل من الإشارات المهمّة إلى الداخل العراقي خلال الحملات الانتخابية أن بايدن يتوافق مع سياسة ترمب بالانكفاء الأمريكي إلى الداخل، في نقطة محددة تتعلق بالوجود العسكري في منطقة الشرق الأوسط، إذ يرى بايدن وحسب ما نقل عنه في وسائل الإعلام أنه "يجب أن تنتهي هذه الحروب التي لا نهاية لها. أؤيد تخفيض القوات في الخارج لكن لا يجب أن نغفل عن مسألة الإرهاب والدولة الإسلامية".

إن هذا التأكيد لاستمرار تقليل الوجود العسكري مع الحفاظ على استراتيجية مواجهة داعش في العراق، وأيضاً ما يتوقعه الكثيرون من تبريد المواجهة مع إيران في ملفها النووي وربما العودة الى الاتفاقات السابقة مع بعض التعديلات، ربما يخفف كثيراً من حالة الاستقطاب الحاد في العراق بين العدوين اللدودين. بما يخفّف من الشراسة الفائقة التي تتصرف بها المليشيات تجاه كل من تشكّ في عدائه لها، حتى ولو كان مجرد شبّان يحملون أعلاماً عراقية يتظاهرون على سوء الخدمات. وأن العالم لا ينقسم إلى مؤيدين لها ولإيران وأعداء يستحقون القتل برصاص القناصين والأسلحة الكاتمة.

ربما تخفّف إدارة بايدن القادمة من الوجود العسكري في المنطقة والعراق ضمناً، ولكن لا أحد يضمن أنها لن تتدخل في الشأن العراقي الداخلي، وأن لا تدعم أطرافاً ضد أطراف أخرى، بل إن زعامات سياسية مثل نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق الذي يتحمل جريرة انهيار الجيش العراقي أمام داعش ودعم المليشيات وتقويتها بالسلاح والعتاد، كان أول المهنئين لبايدن بالفوز، ونشر على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي صورة له مع بايدن خلال زيارة سابقة للأخير إلى العراق. وهو ما فسّره مراقبون بانتعاش الأمل عند المالكي بالعودة إلى الواجهة من جديد. 

كما أن حكومة الكاظمي [المتهمة بأنها تتلقى دعماً أمريكياً] التي جاءت بعد استقالة عبد المهدي تواجه اليوم الاستحقاقات التي أسقطت عبد المهدي، فخلال هذه الكتابة انطلقت تظاهرات طلابية حاشدة جديدة في ساحة التحرير وسط بغداد، بما يذكِّر بأن "احتجاجات تشرين" لم تنتهِ بعد، وترفع شعارات مناهضة هذه المرّة للكاظمي وتتهمه بالفشل.

لا أحد يعرف الآن ما السياسة التي ستتبعها إدارة بايدن بالعراق، وهل سيدعم تقسيم العراق وتغذية الصراع الطائفي والانقسامات كما يتهمه البعض، أم يستمر باستراتيجية ترمب، أو يتخذ طريقاً جديداً فيه سمات "الديمقراطيين" مع تعديلات تفرضها المتغيرات الراهنة.

في كلّ الأحوال يبدو الاتكاء من الطبقة السياسية العراقية على فاعلين خارجيين، إيران أو أمريكا أو أي كان، غير مفيد في هذه المرحلة لتزكية السيرة الذاتية عند الشارع العراقي المطالِب بإصلاحات جذرية، خصوصاً مع الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد وتراجع مدخولات صادرات النفط، وتأخير المرتبات التي تهدد بانضمام أوسع من طبقة الموظفين إلى الاحتجاجات القادمة.  

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي