إن ما يجري في العراق والسودان والجزائر يدلل على أن الشعوب تتوق إلى دولة مدنية. تقوم على المواطنة، وتوازن السلطات والتوزيع العادل للثورة. وهو ما يعبر عنه شعب العراق الأبي في غضبه المشروع.

حلت بغداد في مارس/آذار من سنة 2013، بمناسبة الاحتفال ببغداد عاصمة الثقافة العربية، ضيفاً على الحكومة العراقية. لم يكن ليخفى أن يوم الحفل كان 13 مارس/آذار الذي يصادف الذكرى العاشرة على الحرب التي شنتها أمريكا. كان الشوق إلى بغداد يزري بكل الاعتبارات حول دواعي المنظمين ومخاطر الوضع الأمني. لم يكن الوضع مستقراً ولكن الشوق إلى العراق حجب كل المثبطات. كانت العراق والجزائر والسودان، هي الاستثناءات من ارتدادات الربيع العربي، وكان التفسير السائد هو أنها دول أنهكتها الحروب والحروب الأهلية، وهي تفضل الاستقرار على المغامرة.

كان أول ما يشد الناظر بعد إذ تحط الطائرة هي تلك التماثيل لرجالات الفكر والأدب والقانون، ممن صاغوا مجد العراق، منذ الأشوريين والبابليين وفي العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، للتدليل على أن التاريخ هو من صنع الشعوب وليس الحكام، ولمحو وصمة الاستبداد التي تلظّى بها العراق.

حلت مع غالبية الوفود بفندق عشتار على أمتار معدودة من ساحة الفردوس، تلك التي ملأت الدنيا وشغلت الناس بعد سقوط صدام، حين انثال رجال يهدمون بالمعول نصب صدام، ثم حينما أنزلت آلية نصبه كانت الساحة لحظة فارقة في الحرب وتؤشر إلى نهايتها، بل نهاية نظام صدام. المثير بل الصادم أن الساحة كانت مترّبة ومهملة بعد عشر سنوات من نهاية الحرب. كان البلد يبدو كما لو أنه خرج منها للتو. كانت البنيات متآكلة، وكان هناك نقص حاد في الكهرباء يستعاض عنه بالمولدات الكهربائية، وخيوطها التي تتشابك فوق شوارع بغداد كما لو هو سدى العنكبوت.

الطريف بل الصادم أيضاً هو الطابع الطائفي للمدينة ولأحيائها، إذ تقوم حواجز ما بين أحياء السنة والشيعة. وكان عليّ أن أستأنس بهذه المصطلح، المحاصصة، الذي كان يعني بالنسبة إليّ الطائفية، وهو ينافي الدولة الحديثة ويتضمن بذور الصراع والتنافس غير الشريف.

كان جلياً أن الشعب يتوق إلى الحياة. من هذه الأشياء البسيطة التي حرم منها لسنوات الحرب ثم الحصار فالإرهاب. ولكن أشياء بنوية ظلت جاثمة تحول دون تلك الأماني المشروعة. كيف لبلد أن ينهض على الرغم من عمقه التاريخي، وهو موزع بين طوائف ومليشيات ومنظومة سياسية طائفية؟ كيف لما هو داء أن يكون دواء؟ لم يكن شيء يشي بوجود دولة ومؤسسات، بل عشائر ومليشيات وطوائف. كان اللافت، بل المؤلم، هو نزع بغداد بل العراق من عمقه الثقافي؟ كانت المآثر التاريخية مهملة، واللغة مهلهلة، والبعد العربي مضمراً. كان مما قرأته في صحيفة شطرَ بيت أبي تمام "السيف أصدق أنباء من الكتب" منسوباً إلى المتنبي، وسمعت من خطبة مسؤول كيف أن بغداد أصبحت قُبلة (بضم القاف) للثقافة، أما شارع أبي نواس فكان مهجوراً، أو على الأصح هجرته الكتب، ونأت عنه الثقافة. بل حتى منسوب دجلة كان متدنياً، ولم يكن يطابق تلك الصورة التي ترسخت في وجداننا من دجلة الخير، "يا أم البساتين" كما حفظنا في المغرب من شعر المهدي الجواهري.

من بغداد إلى كربلاء، كنت أرى صوراً مريعة لأراضٍ زراعية مهملة، لجذوع نخل محرقة، لعجز في البنيات التحتية. فضلاً عن نقاط التفتيش التي لا تنتهي. إلى أن يبلغ المرء كربلاء. يكتشف المرء رويداً رويداً تفشي التأثير الإيراني، من خلال اللغة طبعاً. وبناية تحمل علامة "استطلاعات" (كذا) في وضح النهار، ومن خلال سلع الاستهلاك. كدت أقول إن الجنوب أصبح محمية إيرانية. أذكر وأنا بمرقد الإمام الحسين، سؤال شخص لي بالفارسية، كما لو أن الوضع الطبيعي أن يتكلم المرء في رحاب كربلاء الفارسية وليس العربية.

وقفت على شيء مريع، كان أطلعني عليه بعض المثقفين العراقيين، مما نقلته في حوار أجريته في مقابلة مع صحيفة مغربية، وهي أن عشر سنوات من الحصار كان وقعها على العراق وبنيته الاجتماعية والثقافية أعمق من سنوات الحرب الثماني مع إيران، وبتعبير آخر، ما قام به الأمريكيون خلال الحصار كان أثره أعمق وأسوأ من الحرب. خلخل البنية الاجتماعية للعراق واضمحلت القيم الناظمة له.

لم أكن أصدر عن شماتة، بل على العكس لا أمس ولا اليوم. وكان من التقيت من مسؤولين وعراقيين، يبادلونني الحب والاحترام، ويعرفون مواقف المغاربة عموماً حيال العراق والعراقيين. لكن هذا الشعور لم يصرفني للتستر عما اعتبرته وضعاً معضلاً، غير قابل للحياة.

كانت تتبدى أمام ناظري ثلاث حالات. أولاً، شعب أنهكته الحروب والحصار والإرهاب، ويتطلع إلى الحياة والحرية والكرامة. وثانياً قوى سياسية تصرف طاقتها في الصراعات الهامشية، يغذيها الطابع الطائفي الذي ارتضته الولايات المتحدة وفرضته، مع افتئات واضح ضد السنة. وثالثاً، عجز أمريكي عن الإتيان بالرفاه، أو تضميد جراحات جسم موتور على الرغم من سفارتها الضخمة، التي هي أكبر سفارة للولايات المتحدة في العالم، ما يجعلها دولة داخل الدولة.

عدت بعد سنة لحضور مؤتمر حول الإرهاب في 20 مارس/آذار 2014، ترأسه رئيس الوزراء حينها نوري المالكي. كان الوضع غير مستقر في الرمادي، وكان المالكي موضع انتقادات عدة. قبيل المؤتمر جرى تفجير في الحُلة أودى بأكثر من مئة شخص. كانت الغاية من المؤتمر هو صرف الأنظار عن الوضع الداخلي. على هامش المؤتمر انعقد لقاء لخبراء أمنيين، وقدم مسؤول أمني عراقي عرضاً عن داعش، زاعماً أنها تحت السيطرة. لم يكن مقنعاً البتة، ولم يكن هو مقتنعاً. كان معنا مسؤول عسكري أمريكي سابق يشتغل حالياً خبيراً، وبادرته بالقول: سيدي الجنرال، لقد نزلتم بكل ثقلكم في العراق ولم تأتوا بنتيجة. لقد تصرفتم كطبيب شرّح جسماً وتركه لحاله، لم يستأصل الداء ولم يعالجه، وتركه عرضة للتعفن. وتتالت الأحداث في وتيرة سريعة لتفضي إلى سقوط الموصل من قبل داعش بعد شهور معدودة، وذلك في دلالة واضحة على قصور النظرة وعجز التحليل الذي قدمه المسؤول الأمني العراقي.

تولّد لديّ الشعور حينها بأن العراق يشكو من انعدام ترسخ بنية الدولة، وتفشي المليشيات والانتماءات العشائرية عوضه، وأن "الدواء" الذي أدخله الأمريكيون من الطائفية أو المحاصصة هو أصل الداء، فضلاً عن التدخلات الأجنبية.

سنة 2019 فندت الطرح القائل بأن الدول التي أنهكتها الحروب والحروب الأهلية، تفضل الاستقرار ولو كان هشاً. النتيجة التي يخلص إليها المرء مما يجري في العراق والسودان والجزائر، هو توق الشعوب إلى دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وتوازن السلط وتوزيع عادل للثروة. وهو ما يعبر عنه شعب العراق الأبي في غضبه المشروع.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي