تشكلت تحت مفهوم ثلاثية السيادة والتدخلات الخارجية وتهديد المصالح أطر العلاقة المتداخلة بين أمريكا وإيران والعراق، وقد تبلورت بعض النتائج لهذه العلاقات مؤخراً وكان بعضها مفاجئاً للجميع.

لقد بدت بشكل واضح خلفيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران من جملة تطورات شهدها عام 2019، لكن حادثة اغتيال قاسم سليماني كانت الانفجار الذي توّج هذه العلاقة بأدوات القوة ورسائل الرعب.

كانت سلسلة الهجمات التي تعرضت لها معسكرات الحشد الشعبي العراقي المختلف على مرجعيته مقدمة لمرحلة جديدة. هذه المرحلة تغيَّر بموجبها الكثير في محيط توازن القوة على أرض العراق ومفهومه بين طرفي الصراع أمريكا وإيران.

المرحلة الجديدة وما يمكن تسميتها مرحلة ما بعد مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني قد يبدو معها كل شيء مختلفاً. وقد تركت عدة تساؤلات وافتراضات بناء على قراءة شكل الصراع الأخير، ونتائجه التي جمعت بين ما هو سياسي وما هو أمني وعسكري واستراتيجي.

فعلى الجانب السياسي شكلت الانتفاضة العراقية في شهرها الرابع معادلاً موضوعياً فرض نفسه على الساحة السياسية العراقية من خلال مشروعية مطالب الشعب العراقي بكل طروحاتها التي أكسبتها قوة التغيير الذي أجبر رئيس الوزراء على تقديم استقالته وتحويله إلى رئيس حكومة تصريف أعمال.

لقد بات الشعب العراقي بانتظار رئيس وزراء مستقل قادم وفق قانون انتخابي جديد انتزعته الإرادة الشعبية العراقية من البرلمان العراقي المتهم بالفساد والتبعية لجهات دولية وإقليمية.

وقد أغضب هذا الأمر طرفَي الصراع (أمريكا وإيران) المتهمتين بكونهما وراء أعمال (الطرف الثالث) الذي يتحمل إراقة دم المتظاهرين.

ولعل الكثير من المحللين يرى أن من بين أهداف شكل الصراع الأخير بين أمريكا وإيران تحويل زاوية النظر وتغيير طبيعة الصراع ونقله من محيطه السياسي إلى واقع أمني وعسكري، وذلك من أجل الحفاظ على بناء سياسي اعتمد في بناء منظومة الحكم في بغداد على أحزاب تدين بمرجعيتها لهذين البلدين بعد عام 2003.

على الجانب الأمني شكلت حادثة قتل قاسم سليماني من قبل القوات الأمريكية على أرض العراق عبئاً أمنياً مضافاً إلى جملة أعبائه وأزماته من حيث اختارته القوى العالمية والإقليمية المتنفذة كساحة حرب وتصفية حسابات.

وجعلته من دون قاعدة ساندة لاتخاذ قراره المستقل في محيط العلاقات الدولية التي يفترض أن تتسم بالتوازن الطبيعي ولو في أدنى مظاهره.

هذا الأمر كشف هزال الطبقة السياسية العراقية وتخبطها من خلال مظهر العشوائية في اتخاذ الموقف المناسب، بعد أن صوّت البرلمان العراقي في أعقاب حادثة مقتل قاسم سليماني على إلغاء الاتفاقية الأمنية الموقَّعة بين حكومة العراق والجانب الأمريكي عام 2008 وإخراج القوات الأمريكية من العراق.

جاء هذا التصويت من دون النظر إلى بعض بنود تلك الاتفاقية غير المتكافئة التي ألزمت الحكومة العراقية نفسها بها سابقاً. ومنها على سبيل المثال: "يحتفظ الطرفان (العراقي والأمريكي) بحق الدفاع الشرعي عن النفس داخل العراق كما هو معرف في القانون الدولي النافذ". ما تفسره أمريكا اليوم بأن إجراءاتها الأمنية دائرة ضمن محيط الدفاع عن النفس تجاه اعتداءات إيران ومليشياتها على الجنود الأمريكان. وبذلك فهي لا ترى أنها تعتدي بذلك على سيادة العراق.

وهناك إشكالية أخرى. فقد نصت الاتفاقية الأمنية غير المتكافئة على أن "لا يجوز استخدام أراضي العراق ومياهه وأجوائه ممراً أو منطلقاً لشنّ هجمات ضد بلدان أخرى". الأمر الذي لم تستطع الحكومة العراقية التزامه من حيث أنها أدخلت العراق في استقطابات إقليمية ودولية بتقاربها مع إيران، وابتعدت بذلك عن سياسة النأي بالنفس التي كان من المفترض أن تتمسك بها. وهذا ما يفسر تبعية الطبقة السياسية العراقية لقوى خارجية.

في عمق هذا الارتباك تضيع الحدود الحقيقية لما يسمى سيادة العراق. فهل أخطأت حكومة بغداد في فهم دورها والتزاماتها الداخلية والخارجية.

أو هل أخطأت أمريكا أيضاً في قرارها التصعيد العسكري والأمني من حيث أن العراق يمثل لها جملة أهداف ومشاريع استراتيجية أبعد من مجرد مناكفة طهران؟

أو أن إيران هي التي أخطأت باندفاعها بشكل يفوق حجمها وطاقتها لتخلق أجواء عدائية مع محيطها الذي يتهمها بالتخريب المجتمعي والديموغرافي، ما يجعلها عرضة لأحادية الموقف وعدم القدرة على الظهور الإقليمي إلا من خلال أذرعها المسلحة التي بات العالم اليوم يصنفها في خانة "الإرهاب".

تكشف الأحداث المتلاحقة أن تشابك خطوط الصراع بين أمريكا وإيران وتحديد مساحات نفوذ البلدين في العراق على وشك التغيير. ونعتقد أن السيادة العراقية أو عملية بناء سياسي جديد في العراق معتمداً على الطبقة السياسية والأحزاب القديمة في طريقهما إلى التغيير. فالظروف التي أنشئت فيها هذه الأحزاب تتغير وفق معطيات طبيعة الصراع الجديد.

ما يخص الموقف الأمريكي في العراق على وجه التحديد ربما يشهد زيادة في عدد القوات على عكس ما جرى تداوله من انسحاب موهوم.

فقد قررت الإدارة الأمريكية إرسال أربعة آلاف جندي مارينز إلى المنطقة. ليس هذا وحسب بل إن طبيعة الخطاب الأمريكي متجهة إلى الغطرسة أكثر مع استخدام لغة التهديد العسكري والاقتصادي.

كما ستعمل إيران على تعزيز حضورها في العراق من خلال تمكين علاقتها مع المليشيات التابعة لها، وإعادة تنظيم صفوفها بعد غياب سليماني. وفي النهاية فإن دائرة الصراع بين القوى الخارجية على أرض العراق ستتسع، وستكون الضحية الأولى لهذا الصراع هي السيادة العراقية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي