لا يشكل العالم الافتراضي فضاء منعزلا عن العالم الواقعي، بل هو امتداد له، والكثير من سلوكياتنا الافتراضية هي انعكاس لسلوكياتنا الفعلية، والعنف وممارسة الإكراه ليس استثناء منها بطبيعة الحال.

يوما ما تحدث زيغمونت باومان عن "الشر السائل"، وهو يفكك مجتمعات ما بعد الحداثة، التي انسالت فيها الوقائع والأشياء نحو "اللا بديل" و "اللا يقين"، تحدث عن الشر السائل باعتباره منظومة قيمية جديدة تخترق المجال والإنسان، وتعيده إلى قانون الغاب، حيث حرب الجميع ضد الجميع.

ذات الشر السائل ينكشف اليوم في صيغة "عنف سائل" عبر أودية السيليكون و "مستوطنات النت"، فعلى ضفاف العالم الافتراضي يتواصل عنف فائق النوع والدرجة، يحيل الإنترنت إلى ساحة حرب ينهزم فيها المنتصر قبل المهزوم. فلا حديث إلا عن تعليق قاسٍ، ورد مُفحم، وتعبير قدحي، وهلم جرّاً من منغصات ومسيئات.

العالم الافتراضي، ما هو إلا امتداد للواقع، يعتل بكافة الأعطاب التي تتواصل في الواقع.

عبد الرحيم العطري

يمكن التمييز بين عدة تمثُّلات للفايسبوك في مجالنا التداولي العام، فهناك من يعتبر هذه القارة الزرقاء بمثابة جداريات لصناعة الإبداع والفرح والحياة، وهناك من يراها مدفعاً رشاشاً لتوجيه العنف السائل في اتجاه الجميع، فيما يراها آخرون كحبل غسيل لنشر الأوساخ وجلد الذات، ويمكن أن نستمر إلى ما لانهاية، بحثاً عن بورتريهات محتملة لـ"الجاليات العربية المقيمة في الفايسبوك"، التي جعلت من هذه المنصات الرقمية امتداداً لأشكال تفاوضها وصراعها مع اليومي الواقعي.

فالافتراضي، ما هو إلا امتداد للواقع، يعتل بكافة الأعطاب التي تتواصل في الواقع، فلا انفصال بين الافتراضي والواقعي، ثمة تواشجات وعلائق وتداخلات، ولهذا يبدو طبيعياً أن يتسرب العنف الواقعي إلى فضاءات الافتراضي، وأن يصير "لغةً مَعيشةً" و "نمط حياة"، بل "إستراتيجية أداء واشتغال" للوجود بالقوة والفعل داخل مستوطنات النت.

إن آلية "التعليق" تشتغل بفعالية ملحوظة في الفايسبوك، ضدّاً لآلية "التقاسم" التي تبقى محدودة الفعل والأثر، وهو أمر يطرح أكثر من سؤال حول "سلوكنا الفايسبوكي" في هذا الهنا والآن. فلماذا نلجأ إلى التعليق و "الجمجمة" أكثر فأكثر؟ ولماذا نتبرم من تقاسُم المنشورات؟ أو بالأحرى ما المنشورات التي نتقاسمها، ونحرص على تثبيتها على جدراننا الزرقاء؟

في كثير من الأحايين تتحول التعليقات إلى حروب خاسرة، نكشف فيها عن معدن تنشئتنا الاجتماعية المعطوبة.

عبد الرحيم العطري

الجواب المحتمل لأسئلة كهذه يَكمن في الواقعي لا الافتراضي، ففي واقع نُمنع فيه من الكلام، ولا نتعلم فيه أدبيات وأساسيات الحوار والاختلاف والتسامح، لا بد أن نفتقر فيه إلى"حَكَّامة" التواصل الاجتماعي، وأن نميل فيه إلى"تمجيد الأنا" وعدم تنسيب الحقيقة، ولِمَ لا نرفض أي صوت مختلف، لا يعزف نفس النوتة التي نستحبُّها.

هكذا نحن، من الماء إلى الماء، لم نتعلم أبجدية التواصل، ونريد أن ننتمي إلى قارة "زوكربيرغ"، التي بناها وفق مبدأ "تحيين" التعارف بين زملاء الدراسة القدامى، فالمبدأ هو "تأوين" الرابط الاجتماعي، وتقوية عناصر اللُحمة لا الفرقة، فهل نعي جيداً هذا المبدأ المؤسِّس لفكرة الفايسبوك؟

في كثير من الأحايين تتحول التعليقات إلى حروب خاسرة، نكشف فيها عن معدن تنشئتنا الاجتماعية المعطوبة، حيث لا قاموس يعلو إلا المنحوت من البذاءة والرداءة والإسفاف. لينطلق الرد بالأقوى والأقسى إيلاماً وإفحاماً، ولا عجب أن تتواصل هذه "السجالات" البئيسة باستعمال الدين والجنس والسياسة، وأن تلجأ إلى التخوين والتشهير والسحل العمومي. فلا شيء يمنع في"مستوطنات النت" من إطلاق الرصاص، حتى على الجثث الهامدة.

العنف الرقمي الذي يتواصل في تعليقات الفايسبوك، يتفوق من حيث الحضورية الكَمية على "اللا عنف الرقمي".

عبد الرحيم العطري

ما تُوَفِّرُهُ هذه المواقع هو طابع المجهولية وكل ممكنات "التقنُّع"، فيكفي أن يختلق المرء حساباً باسم مستعار، ليشن غارات عبر آلية التعليق، ضد كل من يخالفه الرأي. ذلك أن من ينشر التعليق المؤذي في الفايسبوك أو يبث الشريط الانتقامي أو التشهيري عبر اليوتوب، يعي جيداً أن ما يقوم به يندرج في خانة الممنوع أو المرفوض من قِبل العقل الجمعي، لهذا فإن من الطبيعي أن يرتكن إلى خيار المجهولية، فالاستعارة تصير بديلاً للوضوح والواقعية، خوفاً من المتابعة أو الرفض الجمعي. إنها ذات المجهولية التي توقظ الشر السائل، وتُنتج الجريمة الإلكترونية، كذباً وتزويراً وسرقة وابتزازاً، وما إلى ذلك من الفظاعات التي يُنتجها الواقعي في عمق الافتراضي.

جدير بالذكر أن العنف الرقمي الذي يتواصل في تعليقات الفايسبوك، يتفوق من حيث الحضورية الكَمية على "اللا عنف الرقمي"، فأغلب التعليقات فجة ومنغصة ومؤلمة، فيما الأخرى المشجعة والمحتفية والبنَّاءة تظل محدودة، ومقتصرة على الخُلَّص من الأصدقاء. فكيف للفرد القادم من بيئات لا تدمن ثقافة الحب والتشجيع والاعتراف، كيف له أن يكون منتصراً لهذه الثقافة في رحاب الافتراضي، حيث المجهولية واللا مسؤولية واللا متابعة. فمِن الطبيعي أن ينقل معه ثقافته الأصلية إلى هذه الفيافي الافتراضية الجديدة، و أن يمارس ما لا يستطيع فعله في الواقعي، لهذا نُصِرُّ على توكيد امتدادية الواقعي في الافتراضي وليس انفصاليته عنه، إننا في النهاية نحصد في الإنترنت ما زرعناه تربية وتنشئة اجتماعية وسياسية.

إن توفير "الكفاف التكنولوجي" أو حتى الوصول إلى درجة الإشباع و "التخمة التكنولوجية"، لا يعني بالضرورة إمكان الانتقال السلس والسليم إلى مجتمع الإعلام والمعرفة، بدليل أن توافر الإنترنت لم يؤدِّ في كُلِّيته إلى استعمال إيجابي، وإنما وُظِّف في البحث عن الجنس والإرهاب و الجريمة بمختلف صنوفها، كما تشير إلى ذلك إحصائيات موقع غوغل.

إننا في النهاية نحصد في الإنترنت ما زرعناه تربية وتنشئة اجتماعية وسياسية.

عبد الرحمن العطري

طبعاً الافتراضي هو امتداد للواقعي، والتعاطي مع عُروض الافتراضي ذاته لا بد أن يكون مصطبغاً بآثار الواقعي، ولهذا فإن ما يجري في القارة السابعة من صراع وحراك وتفاعل وشرور أيضاً، وما يؤطر ذلك من اقتصاد وسياسة وثقافة، ما هو في البدء والختام إلا استعادة بشكل ما لانفتاحات وانغلاقات الواقعي.

ثمة عسر مركزي يصيب القارة السابعة عربياً، وهو بالضبط الإخفاق في "ترتيب" وتدبير علاقة جيدة بين المدخَلات والمخرجَات، فبالرغم من مشاريع إدماج وتوطين السياسات الرقمية، فإن الإدماج الشامل والسليم يبقى مؤجلاً ومستحيلاً في ظل غياب معطى الاستعمال الجيد للتقنية، وكذا في غياب الإمكانيات المادية الكفيلة بتحقيق المطامح الكبرى، فضلاً عن رسوخ الخطاطات التقليدية المحدِّدة للتمثُّلات والخطابات والممارسات.

إن وضعاً بهذا التعدد والتناقض لا بد أن تكون من أبرز نتائجه: الارتباك البيِّن في المرجعيات والانتماءات، والحضور المستمر للعنف والعنف المضاد في تدبير أي حوار مفترض، فنحن في النهاية أمام مجتمع بلا بوصلة ولا انتماء قارٍّ وواضح المعالم، ما ينعكس بَعداً على تمثُّل التقنية والمعرفة. إننا نتوفر بذلك على جيل يرحل عبر الإنترنت ويُوثر استعمال "الأي باد" ولا يتخلى عن حاسوبه الشخصي أو هاتفه الذكي، لكنه فوق ذلك كله ما زال يفكر بمنطق القبيلة ولم يستعد بعدُ لقبول الحداثة ولا إنتاج المعرفة، ولا يجد أي حرج في اللجوء إلى "العنف الرقمي" لتدبير علاقاته بالآخر على ضفاف الافتراضي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي