تحاول مليشيا PYD تقسيم المناطق العربية إلى كانتونات ليسهل السيطرة عليها.  (Others)

شيوخ العشائر التقليديون من بيوت المشيخة المستحدثة أو التاريخية الأصيلة انقسموا إلى فريقين، إذ انحاز الغالبية العظمى منهم إلى نظام الأسد، ليس بالرأي والموقف فحسب، بل تخطّى ذلك إلى تشكيل مليشيات عسكرية تزعّموها بأنفسهم، ممّا جعلهم في مواجهة مسلحة أمام أبناء عمومتهم الذين انحازوا إلى الثورة، فيما اختار من تبقى منهم التعامل مع أيّ سلطة أمر واقع بصرف النظر عن توجهها الأيديولوجي أو العرقي، منتقلين بذلك من سلطة الأسد إلى المعارضة إلى داعش ثمّ PYD، في محاولة منهم للحفاظ على وحدة العشيرة وتماسكها.

الشيوخ والوجهاء من الصف الثاني، ومنهم شخصيات من بيوت مشيخة أصيلة، تفرّقوا أيضاً بين القوى المختلفة، إلّا أنّ معظمهم اختار أن يكون بين صفوف المعارضة، وهذا ما أتاح لهم فرصة أكبر لتزعم أبناء عشيرتهم في مناطق سيطرة المعارضة.

وأياً كانت الظروف فحتى يطاع شيخ العشيرة وتكون كلمته نافذة بين أبناء عشيرته يحتاج إلى ثلاثة عوامل، القوة البشرية التي تمنحه العزوة، والقوة الاقتصادية التي تمنحه القوامة، والنفوذ الذي يمنحه القدرة على حمايتهم. وتلك العوامل لا تجتمع لدى أغلب شيوخ العشائر في الوقت الراهن، وبالتالي لا تتوفر القدرة على الإمساك بزمام العشيرة والحفاظ عليها من التفكك، بل لم يعد لديهم القدرة على توجيه المحيطين بهم، حتى أصبح قائد أي فصيل عسكري من أبناء العشائر يمتلك قوة وطاعة أكثر من شيخ عشيرته.

تلك التحولات التي طرأت على العشائر السورية، فضلاً عن سعي الدول المتحالفة مع كل طرف من الأطراف المتنازعة لدعم حليفها، لجأت لتعزيز أوراق قوته من خلال تشكيل مجالس عشائرية في مناطق النفوذ المختلفة، ممّا أدى إلى ظهور بيوت مشيخة جديدة لم يكن لها أي ثقل اجتماعي في السابق.

وهذا ما ظهر بشكل واضح في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية الكردية التابعة لـ PKK الارهابي، التي تواجه مشكلة كبيرة مع أبناء المنطقة بسبب اختلاف الهويات، ولا سيما في محافظة الرقة ودير الزور اللتين تعدان محافظتين ذواتي طبيعة عشائرية عربية بالكامل، ويعتبر تولي قائد المجلس العسكري التابع ل PYD بدير الزور "أحمد الخبيل" مشيخة عشيرة البكير بعد تنازل "عبد العزيز الحمادة" عنها، وهو من بيت المشيخة التاريخي للعشيرة، أنموذجاً لتلك الحالات.

إنّ المفهوم السائد لدى القوى المختلفة حول إمكانية استحداث بيوت مشيخة جديدة وتصدير شيوخ جدد كسياسيين أمر بالغ الخطورة، فالتجربة أثبتت أن فهم العمل السياسي انحصر لدى أبناء بيوت المشيخة التاريخية، وأمّا شيوخ الصف الثاني والوجهاء فالاستفادة منهم من خلال اعتبار العشيرة نظاماً اجتماعياً وثقافياً بحتاً تحقق فائدة أكبر، وبالتالي فإنّ دورهم الرئيس يجب أن ينحصر في المساهمة الفعالة في تحقيق السلم الأهلي بعد إنجاز حل سياسي شامل في سوريا، ولعله الدور الأهم المنوط بالعشائر السورية.

تصدير شيوخ جدد إلى الواجهة السياسية تحت اسم العرب السنة إبان الغزو الأمريكي على العراق عام 2003 كان أحد أهم الأسباب التي أدّت إلى سيطرة إيران على كامل مفاصل السلطة العسكرية والتشريعية والتنفيذية، ممَّا دفع العشائر لاحقاً إلى التحالف مع القوى الدينية الراديكالية لاستعادة نفوذهم، وهذا ما أدخل العراق في فوضى خلاقة كان المستفيدون الوحيدون منها إيران وأمريكا.

إنّ ما سبق لا ينفي أهمية العشائر لكل الأطراف الدولية والإقليمية المتنازعة في سوريا، على الأقل لكسب المجتمع المحلي بهدف تعزيز وجود تلك القوى على الأرض، إلا أنّ إشراكهم في أي استحقاق سياسي لا يجب أن يكون عبر الشيوخ والوجهاء، بل عن طريق شخصيات تكنوقراطية من أبناء تلك العشائر، وما أكثرهم.

من خلال بحث معمق للواقع السوري في المنطقة الشرقية التي تعتبر خزان سوريا العشائري، نرى أنّها تنقسم إلى ثلاث مناطق نفوذ على أساس جغرافي وسياسي، تختلف طبيعة تعامل المجتمع مع سلطة الأمر الواقع فيها.

الأولى هي منطقة سيطرة النظام السوري وحليفتيه روسيا وإيران. ففي الوقت الذي تعمل روسيا للهيمنة على الملفين السياسي والاقتصادي، تتجه إيران لتثبيت أقدامها في المجتمع، وعلى الرغم من تجذر بعض العادات والتقاليد الشيعية لدى أبناء المنطقة منذ القدم، فإنها تواجه مشكلة أيديولوجية مع السكان المحليين على اعتبار المجتمع العشائري في تلك المناطق سنياً بالمطلق، وهذا ما يجعل مهمة تقبلها صعبة، وإن حاولت ذلك عن طريق بعض شيوخ العشائر من خلال دعمهم بتشكيل مليشيا الإمام الباقر وتعزيز نفوذها في المنطقة، إلا أنّها باءت بالفشل بسبب رفض هذا المشروع من قبل عشائر المنطقة وعلى رأسهم أبناء عشيرته، وهذا ينطبق على شيوخ آخرين.

عندما أرادت إيران نشر التشيع في المنطقة الشرقية منذ تسعينيات القرن الماضي عن طريق ابن دير الزور "ياسين المعيوف" نبذه أبناء المنطقة وعزلوه اجتماعياً.

منطقة النفوذ الثانية تقع تحت سيطرة الإدارة الذاتية الكردية التابعة لتنظيم PKK الارهابي والتي تعاني من مشكلة في الهوية، فعلى الرغم من انحياز بعض وجهاء العشائر لها، فإنّها تقف عاجزة أمام رفض العشائر لوجودها وتسلطها على المجتمع من خلال الهيمنة على الإدارتين المدنية والعسكرية فضلاً عن سلطة القضاء، وبدا ذلك جلياً في ريف دير الزور الغربي من مناطق سيطرتها، إذ يشهد احتجاجات مستمرة ضد وجودها واستئثارها بكامل المنطقة.

المنطقة الثالثة تتبع للمعارضة السورية، وتعد الأكثر تناغماً بين شيوخ العشائر والمجتمع المحلي بسبب اتساق الهوية الدينية والعرقية بينهما، وهذا منح مجلس العشائر والقبائل حظوة لدى أبناء المنطقة، ولا سيما بعد ممارسة دوره الاجتماعي من خلال لجنة فض النزاعات، وهذا ما عزّز الروابط بينه وبين الحاضنة الشعبية، إلا أنّ جنوح بعض شخوصه من خارج بيوت المشيخة إلى الدخول في تمثيل سياسي وعدم تصدير الخبراء في هذا المجال قد لا يأتي بنتائج إيجابية تجاه المجلس.

لا ريب في معركة ستخوضها العشائر والقبائل السورية لدعم الاستقرار في المنطقة بعد تفاهم الدول الضالعة في سوريا على شكل الحل السياسي، فلن تستطيع أي قوة فرض استقرار إلا عن طريق العرف العشائري، لكن في المرحلة الحالية لا يمكن للعشائر تغيير أي واقع عسكري أو سياسي، لذا فإنّ العمل الأنفع تجاه العشائر حالياً أن يتم تأهيلهم لتلك المرحلة، لا إدخالهم في صراعات بينية سترتد سلباً على الجميع.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي